يحظى الفعل فى اللغة العربية بمكانة خاصة نظرا لكونه " مصدر الاسماء " وان كان ذلك مختلفا فيه . لكن الخلاف لا يمتد لكون اللغة العربية لغة اشتقاق ، وقد دلت طبيعة اللغة على ان الفعل هو الجهاز المولد لها نظرا لحركيته وامكانياته الصرفية .
وكان من الطبيعى أن يهتم به اللغويون القدامى باعتباره اكثر عناصر اللغة ديناميكية واكثرها تلونا وبالتالى فهو الذى يقيم من المشاكل والحواجز أمام تفكيك جهاز اللغة وفهمه ما لا تقيمه الاسماء والادوات .
وقد درس اللغويون هذا المحور ، كل على طريقته ، حسب الميول والثقافة والانتساب المذهبى ، فوردت تعريفات مختلفة ، متباينة ، قد يظهر الدرس انها المت بكل جوانب الفعل . او تركت منها ما لم تحط به درسا .
واذ نريد ان ندرس القيمة اللغوية لهذه التعريفات وجب ان نفكر فى أمرين . أولهما ان نفهم " القيمة اللغوية " على انها وزن وتقييم لهذه التعريفات ، ويجرنا ذلك حتما الى افتراض وجود تعريفات حديثة ، نقيس التعريفات القديمة بواسطتها ، وثانيهما ان نفهم "القيمة" اللغوية على انها بحث فى مدى ما وصلت اليه التعريفات القديمة نحو الاحاطة التامة بالفعل .
فما هى هذه التعريفات ؟ ، وعلى أى أساس ترتكز وما أوجه اتفاقها واختلافها ؟
نجد فى كتب اللغة تعريفات متنوعة للفعل ، بعضها يعتمد على المعنى وبعضها يعتمد على السياق اللفظى للفعل ، ويمكن ان نستنتج منها محاور بارزة كالزمن والحدث وارتباطهما والاسناد ، وما يلحق الفعل من حروف تكون مميزة له عن بقية اقسام الكلام . ولا تقف اهتمامات القدامى بالفعل عند كونه مفهوما فقط ، بل تهتم به كظاهرة لغوية ، فتصنفه حسب عدد حروفه الاصلية وانواعها ، وحسب حركة عينه ، وحسب المزيدات التى تلحقه ، وتحاول ان تربط بين كل ذلك ، وبين معان تجتهد فى وضع قاعدة قياسية لها الا ان هذه الدراسة العاجلة لا يمكن ان تشمل كل هذه الاهتمامات رغم امكانية سوقها فى اطار الموضوع . فسنهتم بالفعل كظاهرة لغوية عامة دون التطرق الى تصانيفها ، ودرس كل صنف منها على حدة .
ويمكن تقسيم هذه التعريفات الى قسمين : الاول يندرج فيه سيبويه ، وابن يعيش والزجاجى ، ونجد فى تعريفهم اهتماما بالفعل كذات ، ثم بالحدث ودلالته عليه والزمن وارتباطه به ، فهى تعرف الفعل تعريفا " عموديا " ، من وجهة نظر ميتافزقية يقول سيبويه عن الفعل : إنه " أمثلة احدثت من لفظ احداث الاسماء وبنيت لما مضى ، ولما يكون ولم يكن ، ولما هو كائن لم ينقطع " ( 1 ) .
والاساسى فى هذا التعريف هو ان الفعل " أمثلة " أى " عبارة " وتعبير مأخوذ مما يصدر عن الانسان من اصوات معبرة عما يصدر عن الذوات ( بالمعنى الحسى للكلمة ) من افعال .
وقد يفهم هذا التعريف على ان الفعل امثلة اى كلمات محاكية ، ( والمحاكاة هنا فى اللفظ ، اى فى الحروف الاصول المكونة للفعل ، ) لاحداث الاسماء التى تتوفر فيها صيغة الحدثية وهى المصادر والتفسير الاول لتعريف سيبويه يعود بنا الى نقطة زمنية متقدمة جدا هى المرحلة الصوتية او " اصل الكلام " .
واما الفهم الثانى ، فهو يعود زمنيا الى مرحلة تقنين اللغة وتصنيفها وفيه تتجلى نزعة سيبويه الى اعتبار الاسم سابقا للفعل ويهتم سيبويه فى القسم الثانى من تعريفه بقضية الزمن فيقسمه الى ثلاثة أقسام : ماض ومستقبل وحاضر ، وجعل الفعل مبنيا الى هذه الازمنة الثلاثة ،
وسبق الماضى لكونه دخل ضمن التاريخ ، واعطى للمستقبل صبغة الامكان واعطى للحاضر صبغة الاستمرار الزمنى ، عكس الزجاجى .
ومن تعريف سيبويه تظهر لنا "غربة" الفعل ( كظاهرة لغوية ) عن مفهومى الحدث والزمان ، هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى نلاحظ " سلبية الحركية" ( أخذت، بنيت : بناء للنائب ) مما يجعلنا نتصور سابقية الحدث وسابقية من قام به عليه ، مما يتماشى تماما ومذهب سيبويه النحوى ... فالفعل عبارة عن الحدث وتعبير عنه وليس هو الحدث ذاته ، كما ان الفعل لا يصدر الا عن معدن سابق له وهو الاسم ، ويقسم الزمن الى ثلاثة اقسام ويربط بين هذه الازمنة وبين الفعل ربطا خارجيا اساسه المواضعة ، ويدل على ذلك اسناد الفعلين الواردين فى تعريفه الى نائب الفاعل .
أما الزجاجى فيعرف الفعل على انه ( " فى أوضاع النحويين " ) ما دل على حدث وزمان ماض ومستقبل ، فتعريفه يشبه تعريف سيبويه من حيث اعتماده على الدلالة ، الا ان قضية التلازم تبدو واضحة بين الحدث والزمان فمن ناحية تعريف الفعل يرى الزجاجى ان الكلمة التى تواضع النحاة على اعتبارها فعلا ليست هى الحدث ذاته ، بل تدل عليه . وبالمقارنة مع تعريف سيبويه لحقيقة الفعل نرى ان كليهما يمتاز بالتعميم ، مما يدل على عدم وضوح الرؤية .
وقد خالف تعريف الزجاجى تعريف سيبويه فى قضية الزمن اذ ان الزجاجى لا يعتبر الزمن ماضيا ومستقبلا وحاضرا بل هو ماض ، ومستقبل لا غير باعتبار ان الحركة لا تدوم وقتين ، وهى نقطة من المحور الزمنى المطلق ، لذلك أورد النحويون تخصيصا وتوضيحا ، فقالوا : " الزمن المحصل " وقد اعترض ابن يعيش على هذا التخصيص ، بأن الفعل قد حوى الزمن فهو اذن من مقوماته ، ولا يحتاج الى هذا القيد لانه وضع للدلالة على الحدث وزمان وجوده.
وهذه التعريفات العمودية للفعل لا تلتصق به كظاهرة لغوية بل تعطيه بعدا فلسفيا ، وتربطه بالمنطق اذ تحاول ان توجد له حدودا . . فيفضى البحث فى اللغة اذن الى مسائل فلسفية ميتافيزيقية منها سابقيه الخالق عن المخلوق ، وقدم الاله وحداثة الكون . ( وهذا يتماشى مع الفهم الدينى للوجود ) او ان الفعل هو مصدر كل شئ ، والكون نتيجة
لتفاعلات ذاتية ( مما يتماشى مع النظرة المادية للوجود ) وهكذا نجد انفسنا ازاء مسائل .. تتخطى اللغة ، ولا يربط بينهما سبب . وفى ما يتعلق بالحدث فان هذه التعريفات تجعل الفعل " عبارة عن الحدث " وهذا يجلنا نعتقد فى انعدام الصلة المنطقية بين الطبيعة الصوتية للفعل وبين ماهية الحدث الذى يدل عليه وهو ما يعبر عنه فى الالسنية الحديثة باعتباطية اللغة
واما عن قضية الزمن فان سيبويه قد نظر لها نظرة تلتصق اكثر بالشكل اللغوى اذ قرر وجود الزمن الحاضر باعتبار ان الفعل اذ يتصل بعلامات خاصة يسميها النحويون علامات المضارع يدل على هذا القسم من الرمن ( الحاضر ) ما لم يتصل بادوات خاصة تجعله يرمز الى المستقبل .
بينما كان الزجاجى اكثر تجردا اذ تصور خطا زمنيا مطلقا وتصور الزمن نقطة توضع عليه . فالحدث اما ان يكون قوة لا صلة لها بعد بالزمن ، واما ان يتجسم فيدخل فى حيز التاريخ .
والمسالة الاخيرة فى هذه التعريفات هى ارتباط الحدث بالزمان فقد افاد تعريف سيبويه ترابطهما بقطع النظر عن طريقة الترابط ، وافاد تعريف ابن يعيش ان الزمن من مقومات الفعل .
ولكننا نجد انفسنا ازاء افعال لا يتوفر فيها عنصر الزمن وتعرب مع ذلك افعالا مثل الافعال الجامدة واسماء الفعل ، اما الافعال من صيغة فعل ( بضم العين ) فهى لا تدل بوضوح على الحدث ، كما ان الزمن فيها لا ينطبق عليه تقسيم الزجاجى الذى يعتبر الزمن نقطة على محور تصبح ماضية حالما تتحقق ففى فعل حسن مثلا ، نرى ان مفهوم الحسن لا يحدث للفاعل بسرعة .
ونجد قسما آخر من التعريفات يعتمد على السياق اللفظى للفعل ، وفيه محاور ثلاثة : الاسناد ، والاخبار ، ودخول نوع من الصدور والادوات على الفعل ، ونجد فى الاول ابا على الفارسى ، وفى الثانى الوراق ، وفى الثالث عبد القاهر الجرجانى .
فابو على الفارسى يعرف الفعل بأنه مسند دوما ولا يسند اليه شىء ، فنرى حينئذ تبعية الفعل للاسم وانفجاره عنه وهذه خاصية من خاصيات الفعل لا
تشاركه فيها الاسماء والحروف وهى خاصية يسهل الاهتداء اليها دون اللجوء الى فلسفة او منطق .
اما تعريف الوراق ، فهو كذلك يعتمد على السياق النحوى ، الا انه يقترب اكثر من الناحية البلاغية اذ يرى ان الفعل يكون خبرا عن الاسم " .
الا ان هذا التعريف يمكن الطعن فيه من ناحية ان السياق اللفظى يمكن ان يخبر هو أيضا عن طريقة حدوث الفعل ، ثم ان هناك بابا من النحو مهمته الاخبار عن كيفية وقوع الحدث وهو الحال ، فالفعل اذن خبر عن الفاعل ولكنه لا ينفرد بهذه الخاصية ، وبالتالى لا يمكن اعتمادها فى تحديد الفعل .
وربما كان تعريف الزجاجى اصلب اذ يعتمد على خاصيات مادية ظاهرة فى الكلام دون البحث فى قضيتى الاسناد والاخبار ، ( وكلتاهما اقرب الى النظريات منهما الى الواقع اللغوى ) فليس هناك من اقسام الكلام ما يداخله قد وسوف والسين وتاء الضمير والفه وواوه وتاء التأنيث الساكنة وحروف الجزم سوى الفعل ، وبذلك تتخذ التعريفات اتجاها افقيا .
وخلاصة القول : إن القسم الاول من التعريفات يعتمد على الدلالة ويدل على تلازم الحدث والزمان ، ذلك ان التلازم حسب هذه التعريفات هو العنصر المميز للفعل ، الا ان هذا التلازم لا يبدو واضحا فى كثير من البنى اللغوية كما سبق ذكره . ومن هنا نرى ان مفهوم الزمن لينحصر فى مادة الفعل ، فهو صرفى لا غير ، وتغض هذه التعريفات النظر عن القيمة الزمنية للسياق ، والدليل على ذلك ان الافعال التى " بنيت لما مضى " قد تدل على المستقبل فى الدعاء والتى " بنيت لما يكون ولم يقع ولما هو كائن لم ينقطع " قد تدل على الماضى فى الحكاية ... فنرى حينئذ تقابلا وتضاربا بين هذه التعريفات النظرية وبين الواقع اللغوى واما القسم الثانى ، فيستقرئ اللغة استقراء موضوعيا وهو نوع من الوصف اللغوى من التمييز بين وظيفة الفعل وبين وظائف بقية اقسام الكلام .
وبذلك يصبح الحد منطلقا من اللغة ذاتها دون اللجوء الى علاقات مستمدة من الفلسفة والميتافيزيا .
