نجد ضمن رسائل الشابى وثيقة هامة اكد فيها الشاعر قصة ميلاد قصيدة (( نشيد الجبار )) يقول : (48) (( . . . ولكننى على كل حال قد ربحت من تلك الأزمة النفسية التى مرت بى قصيدا هو : نشيد الجبار . .
فانى فى ليلة من ليالى هذه الازمة النفسية المرهقة . . . نمت معذب النفس مهموم القلب ثم استيقظت نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل فلجت بى الآلام وضربت بى فى كل سبيل حتى لقد كاد رأسى ينفجر واحسست اني لابد مشرف على الجنون لو دام بى ذلك الحال الى الصباح . وتطورت نفسى فى غمرة الالم فبعد ان كانت معذبة باكية فى ظلمة احزانها تكاد تجن من الاسى انقلبت ثائرة هائجة واثقة من نفسها ساخرة بالقدر والداء والاعداء ، وكل آلام الحياة وتحت تاثير هذه الحالة النفسية نظمت (( نشيد الجبار )) فذابت آلام نفسى وشعرت بالحرية والانطلاق كأنما ألقيت على منكبى عبثا ثقيلا يهد القوى ))
يؤكد هذا النص ان الشعور بالكآبة والعذاب والاسى كان يلهم الشاعر قصائده ، حيث لا تكون الكآبة مولدة للضيق والتبرم بل مصدرا من مصادر الالهام ومعراجا الى الحرية والانعتاق . . . أى الى الترنم بالشعر . . . ولم يكن الشاعر فى نظرى صاحب نزعة مازوشية يتلذذ الألم ولكنه كان كما يبدو من هذه الوثيقة . يروض النفس فتخرج الى الاكتئاب الحافز الى التأمل والصلاة على مشارف الكون فيلهم الشعر الهاما وكان بذلك قول الشعر ضرورة من ضرورات الحياة عنده دربته على ان يكون :
شعرى نفاثة صدرى ان جاش فيه شعورى
لولاه ما انجاب عنى غيم الحياة الخطير (49)
ولعب الشعور بالكآبة دورا هاما فى التجربة الشعرية عموما فهو معطى وجدانى متصل بالروح واعشار القلب لكنه تحول ـــ الى جانب ذلك ـــ عنه الشابى الى معطى عقلانى ، وصارت الكآبة مهجة الكون وسره ، فساهم هذا المفهوم فى تقريب الشقة فى شعر الشابى بين المقومات الوجدانية
والمقومات العقلانية ، فذابت هذه فى تلك لتنصهر فى اطار شعرى فنى فذ :
وعاد للصمت . . . يصغى فى كآبته ـــ كالفيلسوف ـــ الى الدنيا ويفتكر (50)
