الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الكاف مركز حضاري عريق

Share

موقع المدينة :

توجد مدينة الكاف بغربى الجمهورية التونسية . موقعها حصين بطبيعته الجغرافية إذ تنتصب على ظهر جبل وعر المنحدر . وهو المسمى بجبل دير . ومن أعلى عرشها تشرف المدينة على آفاق فسيحة الأرجاء منها سهول السرس وزنفود ولربوس ومنها وادى ملاف . كما تسيطر المدينة على الطريق الرابطة بين تونس والجزائر . فهى إذن قلعة حصينة بطبيعتها الجغرافية كما قلنا وكما سنتبينه بعد حين بأكثر وضوح .

المصادر :

إن المصادر التى تحدثنا عن مدينة الكاف عديدة مختلفة وتنقسم الى قسمين اثنين :

أ ) المصادر الأدبية :

منها المصادر الأدبية وبذلك نشير الى ما أورده القدماء فى شأن هاته المدينة ولو كان غالب ما أوردوه اشارات عابرة عرضية : تحدث بوليب Polybe عنها أثناء حديثه حول حرب عاشتها قرطاج وهى التى تعرف بحرب المرتزقين  La guerre des mercenaires . وسوف نعود الى أحداث هاته الحرب بعد حين . والمعلوم أن بوليب هو مؤرخ يونانى عاش فى القرن الثانى قبل المسيح لقد زار قرطاج أيام الحرب البونيقية الثالثة ( 149 -146 ) قبل الميلاد ، وكان من رفقاء شبيون الامييلى Scipion Emilien قائد الجيوش الرومانية إذذاك . وشبيون الامييلى هو الذى سهر على تنفيذ قرار مجلس الشيوخ فى روما الخاص بنهب قرطاج وتحطيمها واضرام النار فيها .

ومن المصادر الادبية تحق الاشارة الى مؤرخ رومانى عاش فى القرن الاول قبل المسيح وهو صلوست أتى افريقية فى عهد قيصر وكان ولاه على ولاية نوميدية . وكتب صلوست ( Solluste  ) كتابا حول الحرب التى شبت نارها بين روما ويوغرطة وهو من أعظم أبطال افريقية ولعله أول من آمن بمبدإ

(( افريقية للأفارقة )) كانت مدينة سقة ( أى الكاف ) من المدن التابعة الى المملكة النوميديه وعاشت بعض ألوان الملحمة اليوغرطية وسوف نعود الى ذلك بعد حين .

وأورد فالير ماكسيم ( Valere maxime ) حديثا عن مدينة سقة يتعلق خاصة باحد المعابد التى تحلت بها المدينة فى تلك العصور الغابرة .

وذكر سولين   ( Solin ) معبد الالهة فينوس ( venus ) وجاء ذكر مدينة سقة فى كتب بطليموس وهو جغرافى يونانى عاش فى القرن الاول بعد المسيح . كان معاصرا للامبراطور أوغستوس ( Auguste) أول أباطرة الرومان . ونجد اسم مدينة سقة فى دليل أنطنوس ( itineraire d' Antonin ) وهى خريطة للطرقات الرومانية ينسبونها للامبراطور انطنيوس . كما جاء اسم سقة فى لوحة بوتنجار ( Peutinger ) وهذه خريطة ثانية رسمت عليها الطرقات العسكرية الرومانية فى أيام الامبراطور ثيودوز ( Theodose ) أى فى القرن الثالث ، تلك هى بايجاز بعض المصادر الادبية التى تساعدنا فى تاريخ ماضى مدينة الكاف قبل الاسلام . على أنها مصادر لم تعن بالمدينة إلا عرضا ولم تذكر من تاريخها ومن معالمها إلا ما فرضه سياق الحديث وما هو إلا جزء طفيف : ذكرها بوليب عند حديثه حول حرب المرتزقة وتحدث عنها صلوست لأنها عاشت فترة من حرب يوغرطة . على كل فالاخبار التى نستقيها من هاته المصادر الادبية القديمة لا تكفينا مؤونة ولا تشفى غليلنا .

ثم يتحتم على المؤرخ أن تكون له وسائل تساعده فى مراقبة أقوال الاولين وأى الوسائل أشمل فى هذا الميدان من الوثائق الأثرية .

ب ) المصادر الأثرية :

فالتنقيب عن معالم الحضارة التى أينعت فى ظل جدران هاته المدينة وبدراسة تلك المعالم واستنطاقها قد يستطيع الدارس مراقبة ما أورده القدماء كما يتمكن من سد الفراغ ومعرفة ما لم تذكره النصوص القديمة .

وترتدى مخلفات ماضى المدينة ألوانا عديدة مختلفة بديعة منها البنايات الشامخه كالمعابد والمنازل ومنها تماثيل من رخام وألواح الفسيفساء ومنها نقود تحمل صور الذين أمروا بضربها . وتجدر الاشارة خاصة الى نقائش سطرت حروفها على الحجارة من رخام وغيره ، وجلها إن لم نقل جميعها تخاطبنا بلغة الرومان وقد تبناها أهل المدينة إذذاك واستوعبوها حتى كانت لهم أداة تفكير وإدلاء .

لقد أعار الاخصائيون نقائش الكاف اهتماما كبيرا منذ القرن التاسع عشر قصد الوقوف على ما قد تكنه من أخبار تتعلق بالمدينة وسكانها . فهذه نقيشة مضمونها أن أهل المدينة أقاموا لاحد الاعيان تمثالا عربون حب واجلال وتقدير . وكان صاحب هذا الحظ يدعى ليسنيوس ماركوس ( Licinius marcus) . كان قد تسلق سلم الشرف حتى عينه الامبراطور   ماركوس أورليوس  ( Marcus Aurelius ) فى القرن الثانى بعد المسيح متصرفا عاما وكان للسينيوس من الثروة ما يسر له التفضل بأموال وضعها تحت تصرف البلدية وأوصى أن تنفق مداخيلها لاحتضان أطفال وفتيات يبلغ عددهم 500 وذلك من بلوغهم السنة الثالثة الى السنة الخامسة عشرة .

اسم المدينة :

لقد اهتم المؤرخون والجغرافيون من عرب وعجم بمدينة الكاف وأرخوا لها متحدثين عن معالمها وتقاليدها وحضارتها ورجالها . لكن يجدر بنا أولا وبالذات أن ننظر فى مشكلة اسم هاته المدينة بل فى أسمائها .

كانت تحمل فى القديم اسم سقة ( sicca ) كما أورده المؤرخ اليونانى بوليب وبه كانت تعرف فى سلطان الرومان على أنها أصبحت وقتئذ تلقب بنعت فينيريا ( veneria) وفى هذا النعت إشارة الى فينوس إلهة الحب والحرب . وكان لفينوس معبد بسقة ذاع صيته فى الديار الافريقية وخارجها وثبت بعض النقائش أن المدينة عرفت أيضا باسم سيرته الجديدة (Cirtha Nova )   وهى تسمية أولاها المؤرخون اهتمامهم منذ قديم على أنهم  اختلفوا فى تعليلها ، فيرى بربروجار ( A . Berbrugger ) أنه عندما سموها سيرتة الجديدة فذلك لتشابه جغرافى لوحظ بين موقع سيرته وموقع سقه وبسيرته هنا نعنى مدينة قسنطينة بالقطر الجزائرى . وتوجد كلتا المدينتين فعلا على ظهر جبل وعر المنحدر . ومن المؤرخين من فسر ذلك الاسم بالعلاقة المتينة التى كانت تربط سقة بمدينة سيرتة الجزائرية . وقالوا إن سقة كانت تابعة لها كقلعة عسكرية . ومن الذين ساندوا هاته النظرية نذكر من الالمان ( Teutsch , Dessau  ) ومن بريطانيا العظمى  . ( Broushon )

ولقد أثيرت هاته المشكلة من جديد فى السنوات الاخيرة حيث تقدم برتيى ( Berthier ) وهو مدير متحف قسنطينة بافتراض مضمونه أن سيرتة هى مدينة الكاف وهى عاصمة ملوك البرابرة فى أيام الحرب اليوغرطية . إنها نظرية طريفة بل غريبة ولقد أحدثت حولها جلبة لكن صاحبها لم يجد لها من الركائز ما يدعمها . ثم إنه عرف بنظرياته الثورية لكنها تبعد فى غالبها عن الواقع التاريخى .

ومن أحدث النظريات التى أقيمت حول هاته التسمية تجدر الاشارة إلى افتراض وجيه تقدم به بيار سلامة ( P . Salama )  مضمونه أن سقة أصبحت سنه 46 قبل المسيح عاصمة للولاية الرومانية المسماة (( افريقية الجديدة )) ( Africa nova )  وكانت عاصمة تلك المنطقة فيما قبل سيرتة الجزائرية أى  قسنطينة . فلما عوضتها سقة كعاصمة لقبوها بسيرتة الجديدة .

ومهما يكن من أمر فالمدينة احتفظت باسم سقة قرونا بعد دخول العرب على بلادنا إذ تحدث عنها البكرى فى كتابه (( المغرب فى ذكر بلاد افريقية والمغرب )) عاش البكرى فى القرن الخامس هجريا الموافق للقرن الحادى عشر ميلاديا وكانت المدينة إذذاك تسمى شقبنارية وما هى إلا تعريب صوتى لاسم  ( Sica Veneria ) ونجد أيضا اسم شقبنارية فى كتاب لمؤلف مجهول وهو . كتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار . عاش مؤلفه فى القرن الثانى عشر ميلاديا كما ورد اسم شقبنارية فى معجم البلدان لياقوت وهو يعود الى القرن الرابع عشر ميلاديا .

ولنا أن نتساءل عن معنى " سقة " أما فينيريا ( veneria ) فهو نعت كما أسلفنا وهو الذى أصبح فى النصوص العربية (( بنارية )) وكلنا نعلم القرابة التى تصل بين حرفى الباء والفاء  ( v ) فكثيرا ما تتكيف الباء فاءا والفاء باءا فكلمة ( table ) فى اللغة الفرنسية تساويه  ( tavola ) فى لسان الايطاليين . ومدينة باجة تحمل اسم  ( vaga ) فى الكتب القديمة والامثلة عديدة فى هذا الباب . على كل فلفظة (( فينيريا )) أطلقت على المدينة نسبة للالهة فينوس .

بقى لنا الوقوف على مدلول سقة : حاول بعض فقهاء اللغات السامية إرجاعها الى مادة " ش - و - ق " تلك التى نجدها فى لفظة سوق العربية فقالوا سميت المدينة سقة لأنها كانت تلعب دور السوق فى ذلك الاقليم من الديار الافريقية . كانت القبائل تأتيها للبيع والابتياع ومن الذين تقدموا بهذا التفسير الافتراضى تجدر الاشارة إلى اللغوى الشهير ( Gesenius ) . على أننا لا نستطيع تدعيم هاته النظرية كما لا نستطيع تفنيدها ما لم نجد اسم المدينة مسطورا بالاحرف البونيقية . بل حتى لو أننا وجدناه على نقيشة بونيقية فذلك لا يعنى حتما أنه من أصل بونيقي إذ غالب المدن الافريقية أسماؤها لوبية مما قد يشير الى حضارة معمارية حضرية قبل دخول الفنيقيين على بلادنا .

فالثابت إذن أن المدينة كانت تحمل اسم (( سقة )) ولا حرج اذا اعترفنا بجهلنا

لمدلول ذلك الاسم . وفى عهد لا يتعدى حدود القرن الرابع عشر ميلاديا اتخذت المدينة اسما جديدا وهو الكاف وفيه اشارة الى الجبل الوعر المنحدر الذى أخذته المدينة مطية ويظهر أن لفظة (( كاف )) بربرية الاصل وتعنى (( الجبل الوعر المنحدر )) وقيل إنها سميت ( Azrou ) أزرو وقيل إنها لفظة بربرية لها نفس المعنى على حد قول ( charles Tissof )  فى الجزء الثانى من كتابه  ( Geographie comparee de la province romaine d’afrique) ص  375 تعليق عدد 2 على أن المؤلف لم يذكر من أى مصدر استقى ذلك .

تاريخ مدينة الكاف :

فعلى ضوء المصادر الادبية والاثرية نتبين أن لمدينة الكاف تاريخا عريقا تنغمس جذوره فى أعماق الماضى السحيق . لنا شهادات أثرية تثبت وجود الانسان بمنطقة الكاف منذ ما قبل التاريخ أو ان شئت منذ العصور الحجرية الاولى : فحضارة سيدى زين الحجرية تعود الى ما ينيف عن مائة وخمسين الف سنة قبل المسيح . لنا عن الذين سبكوا هاته الحضارة البدائية شهادات أثرية كما قلت تجدونها معروضة فى قاعات متحفنا القومى بباردو . وتطورت الحضارة فى منطقة الكاف على مر الزمان حيث ترددت عليها قبائل بشرية مختلفة كما تشهد به بقاياها الحضارية .

وفيما يتعلق بتأسيس مدينة سقة بالذات فليس لدينا من الوثائق كفاية حتى نقف على الحقيقة التاريخية . أورد صولين ( Solin ) وهو جغرافى رومانى عاش فى القرن الثالث رواية مضمونها أن جالية من صقلية نزحت الى الديار الافريقية وأسست ، مدينة سقة . ويدعم نظريته القائلة بوجود معبد فينوس الذى يشبه من حيث تقاليده وطقوسه معبد فينوس بمدينة أيريكس ( Eryx ) الكائنة بجزيرة صقلية . وقد اشتهر معبدا سقة وأيريكس بالبغاء  المقدس لكن رواية صولين مهلهلة لا يمكن القول بها . إذ يرجح أن كلا المعبدين هما من تأسيس الفنيقيين البونيقيين وما فينوس إلا عشترة والبغاء المقدس أمر عرف فى بابل وقبرص وغيرهما من البقاع . والبغاء المقدس عبادة عرفت لدى كثير من الشعوب القديمة والأرجح فى رأينا وإن أعوزتنا الوثائق هو اعتبار سقة فى البداية كنقطة تجمع بشرى برزت للنور قبل العهد القرطاجى . والثابت أنها ترعرعت وبلغت أشدها كمدينة تحت ظل قرطاج وقد اتخذها البونيقيون كما سنراه بعد حين قلعة تساعدهم على حراسة أراضيهم وأمنها .

دخلت مدينة سقة حيز التاريخ بدخول الفنيقيين على ديارنا الافريقية أتى الفنيقيون من سواحل لبنان فى موفى الألف الثانية قبل المسيح . وتعرفوا على شواطئنا خلال رحلات بحرية كانت تدفعهم من شرقى البحر الابيض

المتوسط الى اقصى غربيه حيث توجد مدينة ترشيش وقد عرفت هاته المنطقة من جنوب اسبانيا بوفرة معادنها من فضة ونحاس وقصدير . كان الفنيقيون يأتون مدينة ترشيش لاقتناء المعادن التى ذكرنا ، وقد تحدث القدماء عنهم وعن رحلاتهم والثروة التى جمعوها من جراء ذلك . كما تحدثت عنهم آيات التوراة فى سفر الملوك . تلك هى الظروف التى جعلت الفنيقيين يتعرفون على شواطئنا حتى حلوا بها واستوطنوها وليس المجال هنا للحديث عن المصارف الفنيقية أو عن قرطاج .

على كل فأقدم ما لدينا عن تاريخ سقة أورده المؤرخ اليونانى بوليب خلال حديثه حول الحرب البونيقية الاولى وقد دارت رحاها بين روما وقرطاج فى اواخر النصف الاول وبداية النصف الثانى من القرن الثالث قبل المسيح لقد وقع التحام الجيشين لاول مرة حوالى 264 وكانت جزيرة صقلية رهانة لها . وانتهت كما تعلمون بانتصار الجيوش الرومانية سنة 240 وأبرم الصلح بين الطرفين شريطة أن تتخلى قرطاج عن حقوقها فى الجزيرة وتدفع ضريبة مالية قدرها ما يساوى 300 كلغ من الذهب .

كان الجيش القرطاجى إذذاك يتركب من جنود مرتزقين وهم الذين يتعاطون الحرب مهنة . يقاتلون فى صفوف دولة لا علاقة لهم بها سوى أجرة تدفعها الدولة مقابل عملهم العسكرى وكان هؤلاء المرتزقة يختلفون جنسا وثقافة . فمنهم اللوبيون ومنهم من أتى من بلاد غوليا وآخرون من جزر البلجار كما نجد فيهم فرقا إيبارية ويونانية وأخرى قلتية كان ذلك الجيش إذن فسيفساء بشرية .

وضعت الحرب أوزارها إذن وكان على الجيوش البونيقية أن تغادر صقلية . فأقبل المرتزقون أفواجا على قرطاج وكانوا لم يتسلموا إذذاك أجرتهم . فبادروا بمطالبتها . لكن الحرب أنهكت قوى المدينة وأفرغت بيت مالها مما جعلها عاجزة عن مجابهة ديونها . وشعرت الدولة بخطر المرتزقة داخل جدرانها فأرسلت اليهم تشعرهم باستعدادها لمنحهم أجرتهم على أن يغادروا المدينة وينطلقوا الى مدينة سقة . وتم الاتفاق على ذلك وغادر الجنود قرطاج متجهين نحو سقة وتجمعوا فيها وقد تسلم كل واحد منهم نقدا من ذهب وكان عددهم عشرير ألفا على حد قول بوليب . وصف الكاتب الفرنسى فلوبار  ( Flaubert ) مسيرتهم الكبرى وصفا أقرب إلى الشعر منه الى التاريخ إذ حلق فى سماء الرومنطيقية قصد الابتعاد عن واقع البرجوازيين المبتذل . على أن الكاتب استند الى النصوص القديمة وحاول التعرف على الاطار الجغرافى . ومن ذلك أنه قام بزيارة الديار التونسية فى عام 1857 غايته استلهام المحيط . ومكث

المرتزقون مدة بسقة حتى نفد صبرهم . ثم أوفدت اليهم قرطاج حاكم المنطقة حنون فاتصل بهم وخاطبهم بلغة بلاده مشيرا بالحاح الى الضيق المادى الذى تعيشه قرطاح طالبا منهم أن يتنازلوا عن بعض حقوقهم . قلت إنه خاطبهم بلغة قرطاج وكان على الضباط أن يترجموا لجماهير الجنود وقد تعددت لغاتهم بتعدد فرقهم . فهل اخلص الضباط فى ترجمة خطب حنون ؟

تعسر علينا الاجابة عن هذا السؤال . على أن بعض المؤرخين يرجحون أنهم ( أى الضباط ) عمدوا الى تحريف ما قاله الحاكم البونيقى . فكانت النتيجة عكس ما كانت تترقبه قرطاج . إذ اجتاحت الجنود موجة عارمة من الغضب واستقر أمرهم على شق عصا الطاعة والهجوم على العاصمة البونيقية لأنها لم تف بوعودها . خرجوا من سقة إذن متجهين نحو قرطاج حتى نصبوا معسكرهم بتوناس ( Tunes ) كذلك ورد اسم مدينة تونس لأول مرة فى كتب بوليب . فلا علاقة بين اسم العاصمة التونسية والمادة العربية (( أ - ن - س )) فالرواية التى تقول إنها سميت بتونس لأنها تؤنس لا نصيب لها من الصحة .

نصب المرتزقة إذن معسكرهم قرب مدينة توناس أى على مقربة من قرطاج . وعاشت مدينة عليسة أياما عسيرة حتى تمكن عبد ملقرط من القضاء على المرتزقة حيث ضرب عليهم حصارا وهم فى ممر جبلى سماه القدماء موزور ( Musor ) ولعل تلك المنطقة هى المعروفة الآن باسم المنشار فى طريق باجة

تلك هى الاحداث التى جعلت بوليب يذكر مدينة سقة لكن على المؤرخ أن يتفهمها ويفسرها . علينا أن نتساءل عما قد يعلل اختيار قرطاج لمدينة سقة . أو بعبارة أخرى لماذا طلبت السلطات البونيقية من المرتزقة ان يتجمعوا بسقة سيما والمدينة توجد على الحدود البونيقية النوميدية ؟ فهل أرادت قرطاج إبعادهم عنها واتقاء شرهم ؟ على أنه كان على السلطات البونيقية والعسكرية منها بالأخص أن تتوقع خطر هؤلاء المرتزقة إذا ما تجمعوا فى قلعة منيعة وليس لهم من عمل سوى التجمع فيها وترقب ما وعدتهم به قرطاج .

فالاحداث كما أوردها بوليب تبدو نتيجة هفوة سياسية ارتكبها أولو الامر فى المدينة . فاذا هم أبعدوا المرتزقة كان عليهم أن يفرقوهم حتى تتسنى لهم  مراقبة أعمالهم وتحركاتهم . وما كان البونيقيون ليجهلوا هذا المبدأ البسيط .

ترون إذن كيف يعسر علينا الوقوف على الاسباب والنتائج اذا اكتفينا برواية بوليب . على أنه يعسر علينا تفنيد تلك الرواية مع غرابتها ورغم التساؤلات التى تثيرها فينا . ومما قد يمكننا افتراضه فى هذا الامر هو أن مدينة سقة كانت فى عهد قرطاج قلعة منيعة من حيث موقعها وقد أشرنا الى ذلك منذ

حين . وليس من الجرأة فى شئ أن نفترض وجود سور بونيقى يزيد المدينة تحصينا وإن لم نجد الى يومنا ما قد يثبت هذا الافتراض . ولعل تلك القلعة وهى على تخوم المملكة النوميدية كانت تشرف على الحدود البونيقية وتحول دون توغل القبائل اللوبية فى الديار البونيقية . وتقع مدينة سقة إذذاك فى ملتقى طرقات طبيعية عديدة على مقربة من ديار بنى جدالة وبنو جدالة قبائل افريقيا كانت تقطن بالمناطق الوسطى والجنوبية . قبائل رحل يتعاطون تربية الماشية كما لا يتحرجون على حد قول المؤرخين القدامى من نهب المدن والمزارع . فالقلعة إذن تشرف على المزارع البونيقية وتسهر على حراستها من خطر تلك القبائل .

كذلك تبدو سقة كمدينة عسكرية تتجمع فيها وحدات من الجيش البونيقى للاسباب التى أشرنا إليها منذ حين . سقة مدينة عسكرية فليس من الغريب أن تكون لفينوس ( venus )  عشترت المرتبة الاولى فيها . تحدث القدماء عن معبد هاته الالهة وأثبتوا مكانته . وليس ذلك من الغرابة فى شئ إذا علمنا أن فينوس (( عشترت )) هى الهة الحب والحرب فهى الهة الجيوش

فعلى هاته الاعتبارات قد نقف على السبب الذى جعل قرطاج ترسل المرتزقة الى مدينة سقة . أرسلتهم اليها لأنها مدينة عسكرية ولعل بعض وحدات المرتزقة كانت مرابطة فيها قبل ذهابها الى صقلية . أرسلتهم الى مدينة سقة لأنها كانت قادرة باعتبار وظيفتها العسكرية على استيعابهم . ولعلها أيضا أرسلتهم اليها قصد مراقبة الحدود النوميدية إذ قد يغتنم اللوبيون انهزامها لينقضوا على أراضيها ومزارعها ومدنها .

ومهما تكن الاسباب التاريخية التى جعلت قرطاج ترسل المرتزقة الى مدينة سقة فالثابت على حد قول بوليب أنهم تمردوا كما أسلفناه وغادروا سقة وعسكروا بتوناس على مقربة من قرطاج غايتهم فتحها والتسلط عليها .

ذلك ما نعلمه عن مدينة سقة فى عهد قرطاج . ولما تمت الحروب البونيقية الثلاث وانتهى أمر قرطاج بفنائها أصبحت مدينة سقة تابعة للمملكة النوميدية . ويبدو أنها ألحقت بها رسميا سنة 146 قبل الميلاد وكان على عرشها وقتئذ أحد أبناء مسنيسا وهو الذى كان يدعى مسبسا ( Micipsa ) . ويذكرها المؤرخ صلوست فى زمرة المدن التابعة للمملكة النوميدية أثناء حرب يوغرطة أى فى العقد الاخير من القرن الثانى قبل المسيح ؛ أورد صلوست فى الفقرة السادسة والخمسين من كتابه (( حرب يوغرطة )) أن مدينة سقة فتحت أبوابها لجيوش روما وانفصلت عن الملك النوميدى إثر معركة دارت بينه وبين متلوس

وكان النصر فيها للرومان . واتفق أن أتى ماريوس وهو أحد أعضاد متلوس على رأس كوكبة من الفرسان ودخل سقة يريد منها قموحا فحاصره يوغرطة وظل يناشد سكان المدينة أن احملوا على العدو من خلف حتى يقضى عليه وتتخلصوا منه وتسترجعوا حريتكم وتطمئن نفوسكم . وأضاف صلوست أن الرومان صمدوا حتى أجبروا يوغرطة على التقلص .

وفضلا عن هاته الاحداث العسكرية تفيدنا هاته الفقرة من كتاب صلوست أن مدينة سقة كانت تتمتع بحريتها الادارية والمرجح أن المدن النوميدية كانت لها نظم تشبه النظم البونيقية إذ لكل مدينة حريتها الادارية على أن لها علاقات تربطها بالسلطة المركزية . ولا شك أنها بقيت نوميدية الى تسلط الرومان على المملكة النوميدية وقد حلت محلها سنة 46 قبل المسيح ولاية رومانية سماها يوليوس قيصر (( افريقية الجديدة )) وقد أشرنا اليها منذ حين لقبها بالجديدة حتى تتميز عن أقدم الولايات الرومانية بالديار الافريقية وهى التى استوعبت غالب الاراضى البونيقية غداة موت قرطاج وأطلق الرومان عليها اسم (( افريقية العتيقة )) ) Africa vetus ( ، أما (( افريقية الجديدة )) فقد كانت عند انتصار يوليوس قيصر على جيوش يوبا الاول قرب مدينة طبسة ( رأس الديماس ) وكان يوبا من أنصار بمبيوس ( Pompee ). انتحر يوبا غداة انهزامه وأصدر قيصر أمرا تضمن الغاء المملكة النوميدية وبسط نفوذ الرومان عليها . ومن نتائج ذلك الامر أصبحت مدينة سقة خاضعة لسلطان روما . وسرعان ما تبينت السلطات الرومانية قيمة المدينة من حيث موقعها وحصانتها فاتخذوها قاعدة عسكرية ووطنوا فيها قدماء المحاربين عندهم . فبات أمرها بين يديهم . ثم تفضلت روما على المدينة ( أى على سكانها الجدد ) ورفعتها الى مرتبة المستعمرات الرومانية ) ( Colonies romaines  والمستعمرة الرومانية تتميز عن غيرها من المدن بقانون سياسى ادارى يضمن لسكانها حقوق المواطنة ) droit de citoyennete ) . ومن تتمتع بحقوق المواطنة فى سلطان روما تفتح له أبواب الوظيفة العمومية بما فيها من أموال وشرف . ومما تتمتع به المستعمرة اعفاء مواطنيها من الضرائب الشخصية كما تعفى منها أراضيهم . وتتمتع المستعمرة بحريتها الادارية إذ لمواطنيها الحق فى اختيار أعضاء مجلس بلديتهم . أى لهم الحق فى اختيار من يتولى أمرهم فى الداخل ومن يمثلهم فى روما نفسها .

وتثبت النقائش اللاتينية أن سقة أصبحت (( مستعمرة )) بالمعنى السياسى الرومانى منذ القرن الاول قبل المسيح . ويرجح استنادا الى نص أورده إبلين الاكبر وهو كاتب رومانى عاش فى القرن الاول بعد المسيح . أنها ارتقت الى تلك المرتبه فى سنه 27. لقد وهبها الامبراطور أوغستوس ( Auguste ) تلك

الحقوق والمزايا وذلك لاغراء قدماء المحاربين كى يستوطنوها ويرابطوا بها كجنود مهمتهم حماية الاراضى الرومانية والتصدى لثوار افريقية . ولقبت إذذاك المدينة بـ Colonia Julia) ) ( . فهذه نقيشة تسميها ( Colonia Julia veneria cirta sicca ) وهذه نقيشة أخرى تسميها  ( Colonia Julia cirta nova )  فكلمة ( colonia ) تشير الى نظام المدينة وحقوقها وفى كلمة ( Julia ) إشارة إلى الذى تفضل عليها بنظامها وحقوقها و ( Julius ) هو الاسم العائلى للامبراطور أوغستوس وهو قد تبناه يوليوس قيصر .

من مشاهير المدينة :

على أن لنا من الوثائق ما يشهد أن مدينة سقة لم تنحصر قيمتها فى مزاياها العسكرية من حيث هى قلعة منيعة تساعد الرومان على مراقبة التخوم والسهر على أمن البلاد والضرب على يدى من قد تحدثه نفسه بالخروج عن الطاعة والتمرد على السلط . فالى جانب دورها العسكرى أثبتت الاحداث التاريخية أنها لعبت دورا سياسيا ذا شأن وكان لسكانها من الوزن ما مكنهم من خلع أحد الاباطرة يدعى سالس ( Celse ) وكان قد اختلس العرش بافريقية بمساعدة الحاكم الرومانى بها وقتئذ ، على أن مواطنى سقة عملوا على اسقاطه حتى أنه لم يتمتع بلقب الامبراطور إلا أسبوعا .

ثم كيف نتحدث عن مدينة سقة فى سلطان الرومان دون التنويه باشعاعها الحضارى . لقد كانت المدينة مركزا ثقافيا فنيا كما تثبته شتى الوثائق . فهذا أحد أبناء المدينة يسمى ( Euthychius Poculus ) وكان من فقهاء نحو اللغة اللاتينية بل كان من شيوخ الامبراطور مارقوس أورليوس ( Marc Aurele ) وعاش القرن الثانى بعد المسيح  (120 - 180 ) ومن مشاهير مدينة سقة تجدر الاشارة الى أرنوب ( Arnobe ) عاش فى القرن الثالث والقرن الرابع بعد المسيح . وشب أرنوب على طلب العلم حتى ذاع صيته وكان يدرس الخطابة فى سقة . وكانت الخطابة عند القدماء فنا وعلما . فهى تتضمن قواعد الكلام الفصيح الجميل المغرى . وتسعى الى تلقين أحسن الطرق وأشمل الاساليب فى الاعراب عن الافكار والخواطر كما تسعى الخطابة الى التأثير على المستمع والسيطرة عليه وعلى أحاسيسه فيقنعه الخطيب ويغريه . والخطابة علم وثقافة إذ يتخذها المعلم مطية ليطوف بتلاميذه مختلف ميادين المعرفة . فقد يطالبهم نسج خطب فى الفلسفة أو فى السياسة والحقوق أو فى الادب مما يتطلب ثقافة واسعة الافق . كان أرنوب يدرس إذن الخطابة سقة . ولما اعتنق المسيحية دينا ناضل فى سبيلها ودعا لها وصنف كتابا ضد الوثنية وأصحابها عنوانه باللغة اللاتينية ) Advervus nationes ( .

معالم سقة :

ومما يشهد بمكانة سقة فى الميدان الحضارى تحف بديعة مختلفة تحدثنا  عن المدينة وروعتها . وقد تردد السواح والأثريون على مدينة الكاف منذ القرن التاسع عشر نذكر منهم ( Berbrugger ) وكان قد زار المدينة سنة 1856 وزارها ) V . Guerin  ( سنة 1862 ثم أقبل عليها ( Julien Poinssot )  فى السنة التى تلت انتصاب الحماية كما زارها( Cagnat ) و ( Saladin )  سنة 1887 وكان إذذاك بالكاف أحد رواد الحماية الفرنسية بتونس وهو المدعى ( Roy ) وقد أشار اليه (Saladin ) و ( Cognat ) أثناء وصفهما للرحلة التى قاما بها عبر البلاد التونسية . ومن الاعمال التى انجزها ( Roy ) بمدينة الكاف بعد انتصاب الحماية إقامة متحف جمع فيه التحف التى كانت تبرز للنور أثناء الحفريات منها تماثيل ونقوش وألواح من الفسيفساء نقلت الى متحف باردو حتى لا تتلاشى ومن التحف التى منت بها أرض مدينة الكاف لوحة من الفسيفساء تمثل مشاهد صيد انتصب فيها الصيادون ترافقهم كلابهم وقد اقتنصوا سريا من النعام وقطيعا من الأيائل ( Daims ) .

أما البنايات التى زخرت بها مدينة سقة فلنا من الوثائق ما يثبت وجودها وروعتها . على أن الدهر تألب عليها وأضناها فمن البنايات التى امحت آثارها نجدر الاشارة إلى أعظم الهياكل المقدسة وهو الذى كان يأوى الالهة فينوس كنا لا نعلم عنه شيئا لو لم تحتفظ المصادر الادبية بذكره . وذكر الهيكل فى نقيشة لاتينية كشف عنها الغطاء حذو القصبة . ويبدو أنهم وجدوا بقايا تمثال لالهة الحب والحرب . واستنادا على ذلك افترض بعض المؤرخين أن هيكل الالهة كان قائما على الربوة التى تحمل بنيان الثكنة الحالية . ومن العناصر التى قد تعزز هذا الافتراض أشار ( Saladin ) و ( Cagnat ) الى مسجد صغير - ولعله ضريح ولى صالح - كان يوجد قرب الثكنة وكان على حد قول المؤرخين سكان المدينة يقدمون فيه الحمام قربانا اذا ما نذروا نذرا . والمعلوم أن الحمام كان من الطيور المفضلة لدى فينوس وعشترت ، فاستنتج المؤرخون من ذلك أن المسجد أو ضريح الولى الصالح ورث بقعة مقدسة كان فيها أو بالقرب منها معبد فينوس ، ومهما يكن من أمر فلا مجال للشك فى وجود معبد لفينوس بمدينة سقة .

ومن المعابد التى آمحت آثارها واحتفظت بذكراها النقائش اللاتينية تجدر الاشارة إلى معبد أقيم لهرقل وآخر شيدوه لالهة الحظ ( La Deesse Fortune )

بدأت الحفريات بمدينة الكاف منذ أخريات القرن التاسع عشر وقد أزيح التراب على بقايا منازل شيدت فى عهد الرومان وكانت موشحة بألوان

الفسيفساء ذكرها ( P . Gauckler ) فى الجزء الثانى من كتابه :) Inventaire des mosaiques )وكان فى مدينة سقة بنايات كانوا يقبلون عليها  للراحة والترفيه منها الحمامات والملعب والمسرح . لقد اندثرت هاته البنايات على أن بقاياها كانت شاخصة فجر انتصاب الحماية كما يثبته ( Cagnat ) و ( (Saladin. كان الملعب بالجهة الغربية قبالة أحد أبواب المدينة إذذاك وهو باب شرفى أما المسرح فكان فى الجهة الشرقية خارج جدران المدينة وقام ) Roy ( الآنف الذكر بحفرية كشفت الغطاء عن بعض السوارى الامامية وكانت على حد قول  ( Saladin ) و ( Cagnat ( من الطراز اليونى ( Colonnes ioniques ) .

على أن مدينة الكاف تتباهى بعدة بنايات صمدت وتصدت لصروف الدهر وما انفكت الاشغال القائمة تحت رعاية والى المدينة تبرز للنور بنايات أخرى استرعت اهتمام علماء الآثار وهواة السياحة وتعلمون أن للآثار قيمة عظيمة فى الاقتصاد السياحى . لا شك أن التراث الأثرى اذا أحسن أصحابه تقديمه والدعوة اليه صار عاملا فعالا فى تنشيط السياحة وجلب السواح فضلا عن قيمته العلمية والثقافية والاجتماعية .

من هاته البنايات كنيسة تعرف عند الاثريين بدار القوس بدأت عمليات الكشف عنها سنة 1882 والساهر عليها إذذاك القس (  La Bouille  ) وانتهت على يد قس ثان يدعى ) Giudicelli )  بين سنتى 1890 و 1894 وتعمل الولاية حاليا على ترميمها وارجاع بهرجها . ويوجد بالكاف بقايا كنيسة أخرى تعرف بآسم قصر الغولة وسهر على عمليات الكشف عنها القس ( La Bouille ) الآنف الذكر سنة 1882 وتشرف هاته الكنيسة على المدينة من أعلى نجدها . وافترض ) V . Guerin ( أن المرآة العجيبة التى تحدث عنها البكرى كانت توجد  بلاد افريقيا والمغرب )) وإليكم نصها : (( وكانت بكنيسة شقبنارية فى سلطان بهاته الكنيسة : أورد البكرى رواية هاته المرآة فى كتابه " المغرب فى ذكر الروم أعجوبة مرآة كانت اذا اتهم الرجل امرأته نظر فى تلك المرآة فيرى وجه المبتلى بها وكانت البربر قد تنصرت فكان بربرى قد أظهر اجتهادا فى النصرانية حتى صار شماسا . واتهم رجل من الروم امرأته فنظر فى المرآة فاذا بوجه البربرى الشماس فدعا به الملك فقطع أنفه ومثل به وطرده من الكنيسة فطوق قومه المرآة فكسروها فأرسل الملك الى حيهم فاستباحه )) تجدون هاته الرواية فى كتاب البكرى الآنف الذكر فى صفحة 33 من طبعة الجزائر وقد ظهرت سنة 1911 .

ومما يوليه الاثريون كبير الاهتمام حاليا بناية صليبية الشكل وقد

استوعبها المسجد الكبير بالمدينة . يسهر المعهد القومى للآثار عن طريق قسم المعالم التاريخية وبرعاية والى المدينة على ابراز البناية القديمة وترميمها ودراستها حتى تعود كما كانت عليه قبل أن يبتلعها المسجد .

ومن الموضوعية أن نذكر أن تلك البناية قد تعرف عليها أحد ضباط الحماية المرابطين بثكنة الكاف فى أخريات القرن التاسع عشر وهو ( ch . Denis ) وقد وصفها وصفا دقيقا ووضع تخطيطا لها نشرته مجلة أثرية فرنسية . واستنادا لشكلها الصليبى رأى ( ch . Denis ) فيها كنيسة تعود الى القرن الخامس . على أنه لم يقع الاجماع على ذلك . والصعوبة مأتاها غرابة البناية حيث لم يعثر الاثريون على بناية تشابهها فى شكلها سيما وفيها من العناصر المعمارية ما قد لا تعلله الكنيسة . وما زالت إضباريتها مفتوحة عليهم يتوفقون الى حل بعد انتهاء أعمال التنقيب والترميم والدرس

أما فيما يتعلق بمشكلة الماء الصالح للشراب فكانت المدينة تعول على صهاريجها منها أحد عشر صهريجا نقروها فى النجد الذى يشرف على المدينة . وطول الصهريج منها 28 مترا وله من العرض 6 أمتار وتوجد هاته الصهاريج قرب الكنيسة المعروفة باسم قصر الغولة . كما كانت عين غزيرة تزود السكان ماء عن طريق سرب أخبرنا عنه (( كتاب الاستبصار فى عجائب الامصار )) : ولكم ما جاء فى هذا الشأن : (( مدينة شقبنارية وهى مدينة فيها آثار عظيمة وهى على طرف هذا الجبل أوراس . ( هنا تلمسون خطأ المؤلف إذ لم يكن محيطا بالجهة والارجح أنه لم يزر هاته الربوع بل ذكرها نقلا عن كتب أخرى دون مناقشة ولا تمحيص ) وكانت فيما يقال من أعظم مدن افريقية وكان لها ماء مجلوب وبقى فيها اليوم مواجل عظام ما تغير منها شئ وفيها عين . . . عذبة ولها سرب كبير تحت الجبل يمشى فيه الفارس بأطول من يكون من الرماح فلا يلحق سماك ذلك السرب ويقال إن فيه كنوزا وأموالا كثيرة )) تلك هى مدينة الكاف القديمة كما تبدو لنا على ضوء المصادر الادبية والاثرية . فهى من المدن التى تحلت بها البلاد التونسية وما انفكت تتباهى بها منذ ظهور الانسان على أديم أرضها الى يومنا هذا وهى تعيش كما تعلمون معركة تشنها بوميا ضد قوات التخلف بكل ما لديها من طاقات بشربة ومادية مؤمنة بالانتصار .

م . ف.

اشترك في نشرتنا البريدية