قصة
نحن فى النصف الثانى من القرن العشرين . فلماذا تتصرف يا عزيزى على هذه الصورة ؟
انت حرة ، تفعلين ما تشائين .
تقول ذلك فتؤكد لى حريتى فى الوقت الذى تنقبض فيه قسمات وجهك وتتوتر أعصابك ؟ ألست حرة فى ان ألبس ما أشاء وان أرافق من أشاء ؟
قلت لك أكثر من مرة واحدة . . انت حرة تلبسين ما تشائين وترافقين من تجدين متعة فى مرافقته .
ولكننى أمضيت الليل معه
ما . . ماذا تقولين ؟ قضيت الليل معه ؟ نعم يا عزيزى . . قضيت الليل معه . .
ويتوقف الدكتور الفيلسوف عن الكلام ليغرق فى جملة من التأملات . لقد أخذ يبدو على وجهه قناع سميك اختفت من ورائه افكاره الحقيقية . ولكن هذه الافكار لم تمت ولم تضعف بل لعلها وجدت من وراء هذا القناع الظروف الملائمة التى تجعلها تتكاثر وتتزاحم وتتضاغط بشكل لم يسبق لها ان فعلت ذلك من قبل فى اعماق نفس الدكتور الفيلسوف . (( هل صحيح انها حرة فى ان تفعل ما تشاء ؟ وهل يسيغ لها هذه الحرية ، اننا نعيش فى النصف الثانى من القرن العشرين ؟ ؟ وهل ان شهادة الدكتوراه التى احملها تفرض على ان افسح لها الطريق فتمضى فوقها كما تشاء ومتى تشاء ؟
ولنفرض انها صدقت فيما تخبرنى به وانها قد قضت الليلة الماضية مع رفيق طفولتها . . فهل يعنى هذا اللقاء انه قد ملكها ؟ وانها قد اصبحت شريكة روحه ؟ نحن الذكور - نحاول ان نصل ظاهرة التصاق الجسدين بالحب .
ولكن من قال ان الحب هو هذا الالتصاق الجسدى ؟ انها هنا امامى تنظر الى بعينيها الجميلتين المعبرتين . فيهما صفاء . وفى ومضاتهما ما يؤكد صدق العاطفة التى تعبران عنها . كلا . . هذا غير صحيح . انها ملكى انا . انها زوجتى . ومهما حالت الايام بيني وبينها فانها لى تعيش بروحها فى روحى . هى لا تحب السكينة الا فى منزلى . أما الآخر الذى لا أكاد اعرفه فهو لا ينال غير ما تفرزه الغريزة الحيوانية )) .
يطول الانتظار بالزوجة الجالسة وتحس بنوع من السأم الذى يبلغ حد الغثيان . انها تنتظر ان يقول شيئا . ان يتغلب فيه الانسان الحى بكامل غرائزه وانفعالاته على هذه الدمية التى صنعتها أفكار باردة مظلمة والتى تتحرك فى الظلام كما يتحرك الانسان الالى . ويبدو زوجها الفيلسوف بقناعه السميك الذى يغشى وجهه ويكاد يمتد الى كل اطرافه وكأنه يقاوم ضغطا داخليا يزداد به توترا فى كل ثانية . وفجأة يسقط القناع ، كما تسقط الصخرة الكبيرة تحت ضغط الانفجار الشديد لعشرات من اصابع الديناميت . ها هو على حقيقته . الحمرة القاتمة تكسو وجهه . القشعريرة تسرى فى كل جسده . انه يتحرك من على مقعده . فهو لم يعد قادرا على الاحتفاظ بسكونه . ها هو يقف ولكن دون ان يدرى الى أين يتجه . او ان يعلم ماذا يصنع .
ماذا بك يا عزيزى ؟ هل غيرت رأيك ؟ هل تشعر انك سعيد مرتاح ؟ لقد منحتنى الحرية التى طالما كافحت من اجل ان تحصل المرأة عليها . وها قد حصلت عليها . والليلة التى قضيتها مع رفيق الطفولة كانت استجابة لشئ لم أكن أطيق التغلب عليه . كنت بين عدد من المحتضرات فى المستشفى اعالجهن وأحاول التخفيف عنهن وأنا أعلم يقينا أن الموت أقوى من كل المراهم والأشربة والحقن التى بين يدى . كانت الواحدة وراء الاخرى تموت فلا تكاد تلفظ نفسها الاخير حتى يزول انقباض الالم عن وجهها ويعود اليها هدوء غريب .
ويستمر الدكتور الفيلسوف غارقا فى تأملاته بعيدا عن أفكار زوجته وما تسرده من حكاية المحتضرات اللواتى حملن الى المستشفى بعد ان التهمت النيران زهرة شبابهن . ويردد بينه وبين نفسه . انها ملكى أنا . . . فهى تحبنى كما لم تحب امرأة زوجها . ولست من السخف والتفاهة بحيث اثور وأهدم كل نظريات الحرية التى وضعت حياتى فى خدمتها . . وتعود الزوجة الى الكلام وكأنها تصر على ان يستمع زوجها اليها .
هل تسمعنى يا عزيزى ؟ نعم كنت اشعر بشئ طاغ قوى خفى يدفعنى لالقاء نفسي بين ذراعى رجل . احسست فجأة كأن الحياة تتسلل من امامى
كما تتسلل قطرات المياه من بين اصابع اليد حين تقبض عليها . كنت اشهد الموت يزحف كما تزحف العاصفة الصامتة . . يغتال الحياة بمنجله . . وكنت احس اننى يجب ان اقاومه . ان افعل شيئا للتغلب عليه . ان اقدم الى الدنيا ما يعوض عن الفراغ الذى يحدثه . وكنت انت بعيدا عنى كما هو شأنك . . . تستغرقك مشاغلك وتنأى بك عنى هموم كنت اظن انى افهمها وأقدرها حق قدرها . . ثم لم تلبث هذه الهموم وتلك الافكار حتى أخذت تتلفع بالغموض . لقد أصبحت خرافة تافهة . لقد بدت لى فجأة وكأنها أكذوبة كبيرة . أكذوبة بدت لى من ورائها حقيقتى انا . وسعي عبثا اليك . بل قل سعيت اليك فى شخص أول رجل رأيته .
وانفجر الدكتور الفيلسوف قال : - كفى . . اسكتى . . وراح يضرب المنضدة امامه بقبضة يده ، ثم أضاف : هذا الشئ الخفى القوى الطاغى لا افهمه . ولا اريد ان افهمه . ان ما فعلته هو شئ غير معقول . غير منطقى انه يضغط على . . يخنقنى . . يفتت روحى . . يسحق كرامتى . . الم تفهمى بعد ؟
قالت الزوجة وقد وقفت أيضا وتراجعت قليلا الى الوراء : غير منطقى ؟ غير معقول ؟ والحرية التى صنعتها عقلانيتك ؟ والحقوق التى منحت لى بفضل هذه الحرية ؟ وهل هناك غير المنطق والعقل اللذين عهدتهما عندك ؟
واتجه الزوج الدكتور الفيلسوف نحو زوجته . كان يحس بالرغبة فى ان يحطم التجربة التى تقف امامه مكسوة باللحم والعظم ، وعلى صورة هذه المرأة التى هى زوجته . كان يشعر انها غريبة عنه . وانها وحدها التى تسحق كرامته وتهدم رجولته . انها تقف امامه تماما كما يقف الضمير امام صاحبه يدينه ويذكره بما قدمت يداه ويعرض عليه مواطن التشوه والاورام التى أحدثتها قوالبه الفكرية الخانقة . كانت كفاه ترتجفان وتنطويان على نفسيهما كما لو أنهما تستعدان لتسديد ضربة قاضية . ولكنه لا يلبث حتى يمتنع عن تسديد الضربة ليتوجه مرة أخرى نحو المنضدة يضربها ويضربها بكلتا قبضتيه على امل ان يتخفف من الضيق الذى أصابه .
لكن الزوجة لاتخافه . او لعلها كانت تتمتع بهذا النوع الجديد من الارهاب المخيف . فهى تريد ان تستثيره . ان تخرجه من التزاماته الفكرية الخاصة . ان تحرره من عزلته . ان تنمى فيه غيرته حتى ولو كانت الكدمات فى وجهها وجسدها هى الثمن الذى ستدفعه مقابل خروجه من عزلته الباردة ونمو الغيرة الساحقة فى نفسه .
قال الدكتور الفيلسوف وقد هدأت اطرافه شيئا ما . ولكن لماذا اخترت هذا الرجل بالذات كان فى وسعك ان تتحررى من أزمتك مع مجهول غيره ؟ الا تعلمين انك جرحت كبريائى حين اخترت انسانا اعرفه ؟
وما يهمك انت من ذلك ؟ وهل يسعنى ان التقط اى رجل فى الطريق مع الحفاظ على بقية كرامة لى ؟ هل أكون - لو فعلت ما تقترحه - اكثر من انسانة ساقطة ؟ كنت اسعى الى تحقيق شخصيتى . الى مواجهة الموت بالحياة التى استطيع ان اقدمها . ولا يسعني ان افعل ذلك مع مجهول . فالحياة الخصبة تحتاج الى الحب الشريف النظيف . هذه الحياة ليست افراز للغريزة . ولكنها معنى كريم يتجسد فى لحم وعظم . وحين لا يتوفر للحياة التى أريد صنعها هذا المعنى الكريم مع مثل الزوج الذى احب فلا اقل من أن ابحث عنه عند من تشدنى اليه ذكريات طفولة حميمة . وتابعت الزوجة تقول وقد بدا زوجها امامها مجمد الاطراف ثابت النظرات : انا اعلم انك لم تفهم بعد - ولكن ما حيلتى امامك . لقد فقدت كل ما من شأنه ان يهب الحياة سرها الخفى العظيم . لقد وهبتنى الحرية بعد أن افرغتها من المسؤولية . واعطيتنى الشرعية بعد ان نزعت عنها الحب . وزعمت انك اعطيتنى الكرامة وكل الذى فعلت انك وضعتنى فى الوحدة والضياع والعزلة .
واندفعت الزوجة كما تندفع العاصفة قالت : اتعرف ما هى أفكارك ؟ أفكار النصف الثانى من القرن العشرين ؟ انها جملة من الأسقاط . جثث من لحم وعظم . ولكنها عظم ولحم ميتان خاليان من الجمال والقوة والحب .
أفكارك هذه سأتركك لها . سأدعها لك . سأذهب بعيدا عنك . بحيث لا أعود احس ببرد الموت كلما وجدتك امامى . لقد اصبحت ميتا ايها الزوج العزيز . ذلك انى لم اعد اعانى ضغط العنفوان عندك ولم اعد اجد متعة الرجولة التى تملكنى مع كل ما احمل من غريزة الانوثة .
وهنا احس الدكتور الفيلسوف ان كل هذا البناء الضخم من الافكار الذى صنع به حياته قد أخذ يهتز . واخذت الارض تنسحب من تحته . انها تبتعد . وهى كلما زادت ابتعادا ضاقت امامه اطرافها ثم لم تترك وراءها غير الفراغ . وراح البناء يتزلزل ويتأرجح ثم لم تلبث الهوة التى بدت من تحته بعد انسحاب الارض ان ابتلعته مرة واحدة . وفى فترة قصيرة جدا كأنها اللمح الخاطف شعر بالوحدة ولكنها وحدة مريحة عجيبة غريبة . لقد احس ان نفسه تعود اليه . ان الثقل الشديد الذى كان يرزح تحته قد ذهب عنه . فهو لم يعد فى حاجة الى الهرب من المأساة التى كان يعانيها مع حمله القديم الذى زايله .
وارتفعت من اعماقه معان لم يكتشفها من قبل ابدا . ولكنه لم يكد يعيها حتى أدرك انها قطعة من روحه . وفكر فيما يصنع ! هل يعتذر ؟ هل يضرب ؟ هل يحطم كل شئ حوله ؟ كان راغبا فى شىء واحد . فى ان يخرج من عالمه القديم . من افكاره كلها ومن الدنيا والأشياء التى رافقت هذه الافكار . حتى البيت الذى يسكنه والغرفة التى يقف فيها الآن والمقاعد التى تبدو امامه . وضروب التحف والزينة التى تنتشر حوله . هذه كلها تذكره بعالمه القديم وبأفكاره التى ذهبت فى الهاوية .
كل هذا والزوجة تقف امامه وكأنها تنتظر مفاجأة عنيفة قاسية ولكنها تستعد لاستقبالها بمتعة غريبة خفية . يرافقها قلق عميق كهذا القلق الذى يجتاحها حين تجد نفسها امام المرأة التى تمزقها آلام المخاض . انها وحدها كطبيبة وكأنثى قبل ذلك تدرك العلاقة الصحيحية بين الالم والحياة . انها تنتظر الوليد الجديد عند الزوج الفيلسوف الذى يعانى مخاضا رهيبا قاسيا فى اعماق ذاته . وهى لا تبالى كيف ينتهى هذا المخاض حتى ولو كان الموت هو النهاية المكتوبة له . فهى على الاقل تشعر امام هذا الموت بانها قد تحررت من الزيف الذى كانت تعيش فى صميمه .
وكم كانت المفاجأة المنتظرة عنيفة قاسية حين انقض عليها زوجها يضربها بكلتا يديه . فلم تقاوم ولم تقل شيئا بل راحت تبكى بكاء لا يدرك متعته المؤلمة غيرها هى . حتى اذا هدأ الغضب عن زوجها . وبدا لها انه يحاول ان يلملم افكاره ويقرر رأيه فى الموقف الجديد قالت له وهى تشرق بالدمع : الآن ادركت انك تحبنى . لقد نجحت التجربة يا عزيزى . ان ما زعمته من قضاء الليل مع رفيق الطفولة لم يكن غير الكبسولة التى أوقظ بها حبنا الذى برد حتى كاد يلفظ انفاسه . لقد كنت جديرة بالانتحار لو انك لم تفعل ما فعلت . وكنت حرية بقتلك قبل ان اواجه الموت .
وساد صمت ثقيل لم يخرجهما منه غير رنين الهاتف . ورفع الدكتور الفيلسوف السماعة فوضعها جانبا ثم جلس الى جانب زوجته ليكتبا معا قصة حب تصنعه فلسفة الاحياء من الرجال والنساء .

