اقتنعت بأوان نشر هذه الفصل اثر اطلاعى على فصلين نشرا بمجلة ((الفكر)) فى الصحيفة : 44 من العدد : 6 . والصحيفة : 77 من العدد : 7 من السنة : 17 بعنوان : ((مذكرات معلم أجيال)) .
ادرك فن الكتابة فى تونس ، سواء فى اللغة العربية او اللسان الفرنسى وان لم اعن هنا الا بمحاولة استقراء اهم الجوانب التى تتصل بجوهر صيرورة الانشاء فى لغتنا الام خلال العقد الحالى من القرن العشرين ، وابتداء بالذى قبله - ادرك - مرحلة هامة من التطور ، وحقق رقيا ملحوظا فى الاخذ بأصول الكتابة التى تمخضت عنها الحركات الادبية والفنية فى عالمنا العربي ، واستندت في صقلها وتطعيمها الى مصادر اصيلة من الثقافات التقدمية الحية .
وما كان ليثبت هذا الاتجاه القويم من النثر الفنى لولا انبثاقه من انشغال كتابنا باستكناه مضمون الاداة الفنية استكناها يستوعب الوسائل والمقاصد ، وانكبابهم على تنزيلها فى منازلها اللائقة بحرمة هذا المتنفس الفكرى والوجدانى كي يستمر الحوار البليغ بين الادباء المنشئين وشركائهم حملة رسالة الحضارة وبناتها ، وتخصب جدلية الانسان والكون بمزيد من حظوظ القدرة على الابداع واحقاق ديموقراطية الذوق السليم التى بدونها لن تهتدى الديموقراطيات الأخرى الى سبيلها نحو الاستتباب والرواج .
ورواد الاتجاه الجديد من الكتاب التونسيين الذين كرسوا مواهبهم ، ومؤهلاتهم للتبشير بالنزعة الجديدة فى النثر الفنى حتى اخذت تلوح ، فى العقدين الرابع والخامس ، تباشير نهضة ثقافية متينة - هؤلاء الرواد - اضافوا لجهود سابقيهم من حملة اقلام الاصلاح جهودا سديدة ظهر اثرها فى ذود المواهب الناشئة للتملى من اصول الكتابة ، وتوفير الثقاف الواعى الذى نفى عن هذا الفن الجميل الغلو الزائف ، والبهرج الاجوف ، والخداع المغرر ، والنوايا الآثمة والمطاعن المتطفلة على مواد الثقافة ورده - ردا سليما - الى
النظر الموزون ، والاعتدال السائغ ، والعجم النزيه ، والغوص على الجوهر لتتميزه عن الزيوف ، والاناة فى تعيين الحقيقة بعيدا عن الاهواء والمغالطة . . وسرت نزعة التبصر حتى الى المجالات التى يشق التريث فيها بحكم مقتضيات اضافية خاصة :
فالكتاب المرتبطون بمواقيت ضيقة لاعداد تحاريرهم لم يعيوا بالتوفيق بين متطلبات الاداة من الاتزان والانضباط والهدوء - من جهة - وبين مستلزمات التقيد باحكام خارجة عن مدلول الكتابة المجرد دعت اليها اقضية الصحافة اصدارا ، وترويجا ، ومواكبة احداث . .
اما فيما سبق - وقبل العقدين الاخيرين - فما اكثر الذين كتبوا منساقين مع المؤثرات الزائغة ، والانفعالات الطائشة ، والروايات المزيفة ، فنفذت الحمية عبر نزوة من نزوات الانانية الفاحشة حيث لا متسع لتسرية الحقد أو الغضب او التشفى ، بالروية ، والهدوء ، والترفع .
كنا فى الاربعينات ، والخمسينات ، معتادين الوقوف على الفصول الطوال من الشتائم الجارحة ، يحفل هواتها غير القليلين - آنذاك - لتدبيجها بأسف انواع التعيير والسباب ، والتراشق باقذع الوان الفواحش المخجلة علنا ، وعلى اعمدة الصحف اليومية او الاسبوعية ، واحيانا فى غضون ما تنشره المجلات الدورية ، والنشرات المخصصة لطرق قضية معينة . همهم فيما يتهاترون فيه التمتع بنشوة التواثب المسف ، والتشفى من اعراض بعضهم بعضا بترويج الفضائح ، وتلفيق التهم . ولا باس ان استمرت الخصومة سجالا لعدة اسابيع يهدر لها مداد غزير فى اللغو والبذاءة .
وكان جمهور كبير من القراء موزعا بين فرقاء اللجاج ، لكل انصار ينفحونه بالثناء والاغراء الرخيصين ، وقلما تصيب - عهد ذاك - من يقشعر ذوقه من قذاعة ما يتهاتك به المتشاتمون ، او من يشيح ببصره عن متابعة ما يفجر به المتخاصمون . وكم يسعى السعاة فى مثل هذه المناسبات الموقظة للفتنة بوقود التحريض لاذكاء نار العدواة والبغضاء .
بيد ان رواج هذا الصنف من النثر الرخيص لم يعمر طويلا ، وبأحرى ان لا يمنع من رواج الكتابة الرصينة شيئا فشيئا ، حتى تكاثر انصارها ، وكادت تسود بخصائصها القويمة على ما تنشره الصحف والمجلات ، ولم نعد نقف
الا ندورا ، على ذلك النهش العقور من نعوت القذف بقطع النظر عن مدى حظها من الصحة .
واكتسحت ثورة الكتاب العقلاء على التهويش والتهريج ، مختلف اغراض النثر الفنى فى الادب والاعلام ، والسياسة ، فتساقطت فلول المشاكسين ، وتوارى المصارعون من حلبة الحرف النير . ومن لم يزل يلهث من أشباه الكتاب فى متنفس عكر فلن تطول به الحشرجة حتى يستنفد الاجترار السخيف قلسه الكريه ، فيخرس الى الابد ، أو يتلاشى صخبه فى تيار الطلعيين الاكفاء .
وليس من الغلو ان نؤكد ان الكتابة فى تونس ، الادبية والصحافية والسياسية ، قد تخلصت ، الا ماشذ من كتابات من فى قلوبهم وعقولهم سخف او عته او مس او مرض او تبييت ، او جميعها ، - قد تخلصت - من اوحال الصفاقة ، وزكت من ارجاس البذاءة ، واتخذت لها من الوضوح والانضباط والتحرى دعائم رشد تذودها نحو المزيد من الموضوعية والنزاهة والدماثة والاستقامة والتجرد النسبى تلك الصفات التى ينبغى ان تتفر فى انتاج من يعيش عصره ، ويعى مسؤوليته ، ويسهم فى نشر التقدم ، وتطويره بالحد من مجازى الخرفين ، وتجاوز لغط المشعوذين ، والرثاء لمن قضوا العمر - وهم فى ارذله - بين الجبن والملق ، والتزلف والنفاق ، والطمع والخبل ، عبيدا اذلاء .
والمؤسف حقا ان هذا ما يزال ديدن كثيرين من الكتاب فى عدة بلدان عربية ، يتخذون من احتراف الصحافة سلاحا جائرا لابتزاز الاموال عدو بغير حق . وكسب الثروات على حساب الدول ولو كانت شقيقة ، والمتاجرة بمواقف القادة ولو كانوا مخلصين نزهاء ، وتشويه سير النبلاء والمصلحين بالافتراء والتلفيق
اما فى تونس فلا أرى بين كتابها الحاليين من يغمس قلمه في بؤر الشتائم ليتخذ مداده من دماء الاعراض . بل ليس لهذا الصنف من الاقلام الآثمة مناخ لرواج بضاعته إن وجد من تجمح به الجهالة والجهل الى شذوذ غريب . والا فللصحافى التونسى - عهدنا الراهن من التكوين والتجارب ، والتمرس بفن الكتابة الصحيفة الاصيلة استعداد خلقى ، ومستوى مهنى رفع من قيمة انتاجه الى مراتب الفنون البناءة ، التى لم تعد تكتفى أسرها فى الانتساب اليها بمجرد المحاولات الفردية التى لا تستند الى التثقيف والاختصاص ، بل تعنى المؤسسات
الصحافية التونسية - اكثر فاكثر - بحيوية الملكات ، ورقة الذوق ، وسعة الاطلاع ، وحركية الانتاج ، وقابلية المتابعة الشخصية للتخرج ، باستمرار ، على نهج الكبار من الكتاب .
ولئن لم يزدهر النقد الادبي فى تونس ازدهار بقية فنون الكتابة الاخرى - مقالة ، وقصة ، واقصوصة . . . - ولم يحقق نموا أفقيا فيما تنتجه الاقلام التونسية الناقدة ، ففي التزام النقاد بتناول الاثر من الوجهة الفنية والثقافية بعيدا عن الهجاء ما يعكس اهمية التطور الذى تحقق للنقد على ايدى القلة من النقاد التونسيين ، ومبلغ مسايرة الاقلام القيادية فى الادب والفن لطبيعة العصر الذى اعطيت الأولوية فيه للموضوعية والدقة والنزاهة الى أبعد الحدود .
