الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الكتاب التونسى

Share

إن وضع الكتاب التونسى لم يزل منذ سنوات محورا للنقاش والتأمل والتدبر والدراسة أحيانا ولكنه لم يدرس الدراسة الشاملة الكاملة رغم الجهود المبذولة . ولم يربط الساهرون عليه والمهتمون به والمتحمسون له عناصر وجوده بعضها مع بعض وهى لا تقل عن أربعة : الخلق والقراءة والنشر والتوزيع .

لقد دأب القوم على تناول الكتاب التونسى ووضعه بالتحليل والدرس والاقتراح كل حسب اختصاصه ، يشرحونه تارة ويلمون شتاته تارة أخرى ، ويحتضنونه طورا ويلقون به طورا آخر ، يحكمون عليه بالموت مرات ، وينتشلونه رأفة به مرة أخرى وهو مع ذلك كائن حى يتنفس بملء رئتيه وفى أشد عنفوانه يتحدى العراقيل ماضيا فى فرض نفسه لانه نابع من كيان الشعب معبر عن خلجات الجماهير ، مؤجج لآمالها مكافح لأعدائها .

إن الكتاب فى طول عمره وتجدده كائن حى خالد يتحدى العصور ويقف فى وجه الدهور صامدا لاينى يتطور ، سابقا للاحداث مزلزلا للأوضاع مفجرا لطاقات ، باعثا فى الانفس الطمأنينة عند لحظات حيرتها ، مزعزعا كيانها أثناء خنوعها وذلتها واستكانتها . ولكنه ككل الكائنات الحية يحتاج الى التأقلم والتوافق مع العصر والتآلف مع المستحدثات وعناصر الحياة المحيطه به المنازعة له فى سلطانه .

لذا فانه لا يمكن بحال من الاحوال أن تضبط فى تونس سياسة للكتاب لا تراعى فيها كل عناصر وجوده لاننا اهتممنا بالنشر والتوزيع وبذلنا جهودا فى ذلك ثمارها متفاوتة القيمة ، وشجعنا الخلق وزرعنا المكتبات فى أماكن عديدة من البلاد ، ولكننا لم نربط هذه العناصر بروابط متلائمة يتغذى بعضها من بعض ويشد الواحد الآخر فى قوة وصلابة حتى يقف الكتاب التونسى على سوقه ويؤدى رسالته بين المواطنين على مختلف أصنافهم وأعمارهم .

ولقد كان ملتقى الحمامات الاخير الذى نظمه اتحاد الكتاب التونسيين فرصة أخرى للتداول فى وضع الكتاب التونسى وخاصة فيما يتعلق بالنشر والتوزيع وحقوق التأليف ، وهى فرصة ذهبية ضمت الكتاب والناشرين والصحفين والمسؤولين من قطاعات عديدة ولكنها ، وان ختمت بلائحة احتوت على مقترحات عديدة من شأنها أن تنهض بالكتاب لا محالة ، فانها فى الواقع دلت على ظواهر لابد من الاشارة اليها بل الوقوف عندها ولفت النظر الى ما تكتسبه من أهمية بالغة بالنسبة للوضع الثقافى العام .

من أهم هذه الظواهر التشتت فى تصور الموضوع ونظرة المشاركين اليه واختلال صفوفهم .

فلئن اقتصر الملتقى على دراسة وضع الكتاب من حيث النشر والتوزيع وحقوق التأليف فان التصور كان من الواجب أن يلائم بين العناصر الاربعة الآنفة الذكر . ولقد أحس بذلك الاستاذ محمد مزالى رئيس الاتحاد فضمن كلمة الافتتاح ما يشير الى الإعتناء بجانب القراءة والمطالعة ومشاكلها فى تونس. وإن ما تزمع عليه وزارة الثقافة من بعث لمجلس ينهض بالكتاب التونسى لكفيل ، إذا نظر إلى الموضوع هذه النظرة الشاملة ، ان يعطى ثماره الطبية وأعنى بذلك ان تضبط سياسة للكتاب تراعى الميادين المتعددة المذكورة وتحاول أن تلائم بينها وتواجه جميع المشاكل معا حتى تكون الحلول مترابطة . اذ لا يمكن أن يكون نشر بدون توزيع ولا توزيع من غير حل مشاكل القراء والمطالعة ولا يوجد جمهور قارئ إذا لم تعالج ظروف الخلق التى بها يتنوع الانتاج ويزكو وأكثر من ذلك اذا لم يواز كل هذا ساسية تربوية وثقافية ملائمة كما جاء فى لائحة الاتحاد .

هذا التشتت فى التصور لازمه ايضا تشتت فى النظرة : نظرة الكتاب والناشرين خاصة . ولقد كان الحوار بين الطرفين شبيها بحوار الصم فالكتاب يشكون من قلة النشر وتعثره وقصور التوزيع وضآلة حقوق التأليف وشحها تعبيرا عن واقع مر ، وإن خشى بعضهم من الافصاح عنه فى الملتقى بينما الناشرون فى أغلبهم ألحوا على المجهود المبذول وعلى نجاحهم فى ذلك .

أما التشتت فى الصفوف ، صفوف الكتاب فقد برز فى تباين المواقف وتبلبل الافكار ظاهريا . وفى الواقع فان أغلب الكتاب متفقون على وجود أزمة مزمنة انتابت الكتاب التونسى ووجوب الخروج منها مهما كانت التكاليف

برسم سياسة محددة وتوفير الامكانيات والوسائل لها ولكن ضبط وسائل المعالجة تحتاج إلى تركيز فى البحث وتعمق فيه وهنا يجب على اتحاد الكتاب أن يعدد الفرص بتعاون مع الدوائر المسؤولة حتى تتوحد الصفوف ولا يؤثر تعدد المدارس الادبية والفكرية واختلافها فى وجود الكتاب التونسى وتمتعه بالحياة المتجددة والنهوض به حتى يساهم فى ازدهار جماهير التونسيين فكريا وأدبيا وفنيا ويعطيهم معنى لحياتهم .

لقد كان إذن ملتقى الحمامات ناجحا عندما مكننا من ابراز قضية الكتاب التونسى بهذا الوضوح وأعطانا الفرصة للخروج بمقترحات عملية لا بد أن تتحد فى شانها الصفوف للخروج من هذه الازمة والتقدم خطوة أخرى فى سبيل ثقافة عصرية متينة أصيلة ، يعد الكتاب دعامة قوية من دعائمها

اشترك في نشرتنا البريدية