غريب أمر الكتاب تدعوه إليك - إن دعوته وفقك الله - لموضوع خامر ذهنك وألح عليك إلحاحا ، فاذا به يفتح عليك من المسائل أبوابا ، ويثير بين يديك من المشاكل ما وقف الفكر دونها ، يستحث الذهن وينتظر الفرصة قبل ذلك .
لقد قرأت للعالم الاتنولوجى كلود ليفى ستروس (Claude Levi-Strauss) بعض الكتب ولكن الفرصة لم تسنح لقراءة أشهر كتبه وأولها ألا وهو كتاب : مؤسف أمر دوائر الانقلاب (Tristes tropiques) . وحرصت على الاطلاع عليه لا لشئ إلا لما احتواه من نقد لاذع للاسلام ، أظنه صدر عن جهل له أو على الأقل لخلطه بين الاسلام وحال المسلمين ولكن هذه مسألة أخرى قد تأتى الفرصة للحديث فيها . ووجدت الكتاب بعد لأى لا فى المكتبات ، لأن الكتب فى تونس تسير حسب الرزنامة القمرية ، يغيب الهلال ثم يظهر ثم يمتلئ ويستدير قمرا ثم يتضاءل ليتلاشى ، وجدته اذن عند من لا يبخل به كان الله له ، وللكتاب فى تونس أرجل طويلة وسريعة وهذه قضية أخرى أيضا . وبدأت القراءة لأصل الى ما عليه عزمت ولكنى ارتحت لجملة تؤيد ما كنت صدعت به عن شهادة التبريز ، قال العالم الاتنولوجى : " تعتبر مناظرة التبريز فى العادة محنة لا إنسانية ، فى نهايتها يخلد المرء ، بمجرد أن يأنس إلى ذلك ، إلى الراحة بصفة نهائية " (I) .
وهذا أيضا موضوع آخر يفسر الراحة التى أخلد إليها الكثير من الجامعيين عندنا وقد أنهكهم طول السير فى متاهات هذه الشهادة مما صدهم عن متابعة البحث والانتاج وبالتالى النشر وهو أمر جعل الحياة الخلاقة النشيطة المستوعبة
الدؤوبة تكاد تكون مقصورة عندهم على فترة التطلب ثم بعد ذلك كما قال : ك . ل . ستروس : " تكون الاعادة والتكرار باقى العمر " (2) . إلا بطبيعة الحال من رحم ربك .
ولكن ، وإن كان هذا الموضوع ليس موضوعنا فانه يمت إلى قضية الكتاب والقراء فى تونس . إذ أن هذه الراحة وهذا التعب من البحث عند الجامعيين بوازيهما أيضا تعب أغلب مثقفينا بعد الطلب وعزوفهم عن المطالعة . وإلا كيف نفسر قلة القراء فيهم وكثرتهم بين الطلبة . وعلى كل ، فنحن مضطرون إلى الافتراض والتخمين وقد عدمنا كل إحصاء فى هذا الباب .
إن ما يشكو منه أصحاب الجرائد والناشرين للكتب من قلة القراء له أسباب عديدة فى بلادنا منها الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية . ولكن هذا يعزى فى أغلب البلدان إلى إنتشار الأمية واستفحالها غير أن الذى يلاحظ فى بلادنا هو أن أغلب المثقفين لا يقرؤون وأنهم عندما ينتهون من فترة التلمذة والتطلب يكفون عن كل مطالعة حتى الجرائد أو الجريدة الواحدة ( وأعرف منهم الكثير ) وهؤلاء لم يضنهم فى الواقع تعب الدرس لأنه لم يطل عندهم ولكن ماذا إذن ؟
إننى حدبت منذ سنوات على البحث عن مقومات الشخصية التونسية وتطرقت منذ أشهر الى الحديث عن مقوم هام وهو حب التعلم عند التونسيين منذ الأحقاب والاحقاب (3) ووصلت إلى أن طغيان هذا المقوم وارتباطه بالغربة اللغوية المنهكة الماسخة عند استفحالها ، يجر إلى جعل هذه الظاهرة مرتبطة أشد الارتباط بأنفع أى البحث عن لقمة العيش وقصر الهمة على توفير أسباب المعاش .
ولهذا فان فترة التعلم والتطلب كلها يطغى عليها واعز النفع ويتضاءل أمامه واعز آخر وهو حب التطلع والتثقف والوقوف على حقائق الامور ووقائعها
وهذا ينتج عنه بالطبع إنكماش عند أغلب المثقفين وعزوف عن المطالعة ورغبة عند عدد منهم لطلب الراحة فى أحداث بلدان أخرى لأن مشاكل المجتمع المحيط بهم عديدة متنوعة لا تدعو الى الاطمئنان والاراحة من وخز الضمير ولا تكون مجالا كبيرا لأن يركض فيها فرسان النظريات خيول الخيال المريض .
ولهذا السبب أيضا نجد بعض الأساتذة بعيدين عن واقع مجتمعهم منكمشين فى نظرياتهم غير عابئين بحالة شعبهم من حيث السعى فى الرفع من شأنه والخروج به مما يعانيه من مشاكل ، وهذا له انعكاس على الطلبة الذين يتتلمذون عليهم مما يجعلهم عرضة لشعوذة كل مشعوذ . فهم ليسوا فى حصانة تامة من شعوذة المشعوذين وعبث العابثين والصائدين فى الماء العكر لأنهم لم يقدروا على حماية أنفسهم من ذلك ولأن محتوى البرامج وروحها لم يحصناهم من الترهات .
ولعل هاتين الظاهرتين : انسياق بعض الأساتذة فى تيار بعيد عن واقع البلاد وخلو البرامج سواء الجامعية منها أو الثانوية من روح التونسة والتعريب هما السبب الأصلى فيما شاهدناه من هيجان الطلبة والتلامذة .
وإن ما يمكن أن نرجوه فى سياق حديثنا عن القراء فى تونس هو أن تكون هذه البرامج حافزة على المطالعة والتثقف بعد التتلمذ والتطلب بالاضافة إلى ما يجب أن يكون فيها من روح قومية كما أن ما نرجوه فى هذه السنة العالمية للكتاب هو أن تقوم السلط المعنية باحصاء لعدد القراء فى تونس بانواعهم المختلفة وأن تنظر إلى واقع الكتاب تأليفا ونشرا وتوزيعا وبيعا وأن تبحث عن أسباب الأزمة كلها ويا حبذا لو انكب مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية (C.E.R.E.S.) على مثل هذه المواضيع الحيوية واراحنا وأراح نفسه مما يتخبط فيه من تبلبل وتذبذب .
فما أغرب الكتاب إذن وما أعجب أطواره !
