الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

الكتب الجديدة، , تيجان تهاوت

Share

١٣٩ صفحة من القطع الصغير - مطبعة دار المعارف بمصر

( اهدنا الاستاذ الاديب محمد عبد الغني حسن نسخة من كتابه هذا فدفعنا بها الى الصديق الأديب الاستاذ السيد محسن احمد باروم ليحلله للقراء ، وقد كتب عنه هذا المقال التحليلي الممتع )

هزت الأحداث السياسية الأخيرة التى توالت على مصر الشقيقة - اذ هان كثير من المفكرين والمؤرخين ، ودفعتهم الى التعمق بين طوايا التاريخ القديم والوسيط والحديث والتنقيب بين جنباته الرحيبة ، والبحث فى أغواره الدفينة المتلاطمة الأمواج لاستخراج حوادث تاريخية تضارع الحدث التاريخي الاكبر فى تاريخ مصر الحديث .

وقد مشاق الآديب الرصين والمؤرخ الكبير الاستاذ محمد عبد الغني حسن أن يجوب فى بطون كتب التاريخ الاسلامى وأسفار التاريخ الاوروبي الحديث ، ليرسم لقرائه بريشته البارعة الصناع صورا أدبية وتاريخية ممتعة تفيض بالحيوية ، وتنبض بالقوة والرواء على الرغم من صغر حجمها وتركيز مادتها وضيق مداها . . ويرجع ذلك كله الى سعة علم المؤرخ الكبير ، وغزارة معارفه التاريخية والادبية ورصانة أسلوبه ورهافة ذوقه التاريخي ، وحسن اختياره وجودة انتقائه .

ولا غرابة فى ذلك ، فالمؤلف الكبير ، قد اطال مصاحبة كتب التاريخ ومصادره فأحسن المصاحبة ، ونقب فى كنوزها الدفينة وخباياها المستورة فأجاد التنقيب ، وعاد ذلك عليه وعلى المكتبة العربية بأجل الفوائد وأعظم الآثار فهو يؤلف كتبا ذات قيمة فنية فى ميدان التراجم والسير والدراسات التاريخية الرصينة مثل " معرض

بالادب والتاريخ الأسلامى " و " أعلام من الشرق والغرب " أو ينشر ويحقق بعض المراجع التاريخية الهامة تحقيقا علميا ممتازا يقوم على أدق أصول المنهج الحديث في التحقيق والنشر العلمى مثل " حلية الفرسان وشعار الشجعان " للمؤرخ الاندلسي ابن هذيل ، أو يذيع على صفحات مجلتى الثقافة والناشر المصرى فصولا قيمة تعالج بعض مناحي التاريخ الاسلامى سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو حربية . . وهكذا استطاع المؤلف بمقالاته الادبية الكثيرة وأبحاثه التاريخية المتنوعة أن يصل الى مكانة عالية فى دنيا مؤرخي المعاصرين .

أماكتيبه الذي نحن بصدد دراسته واستعراضه فهو حلقة من سلسلة " اقرأ " الشهرية وثمرة ناضجة حلوة من ثمار انتاجه التاريخي الخصب - يجد الانسان لذة روحية ومتعة نفسية فى تناولها واساغتها ؛ فهى خفيفة لا تكلف القارئ كثيرا من بذل الجهد واضاعة الوقت .

وان كان يجني من وراء ذلك كله فائدة تاريخية ولذة فكرية لا تقدر بثمن . ويضم الكتاب أزاهير موثقة ، وصورا تاريخية مؤسسية جمعت من مختلف عصور التاريخ الانسانى يستعرض شريطا سينمائيا حيا ، مختلف على لوحه أحداث تاريخية محزنة مرت على الانسانية ، فى عصورها المتطاولة ، وأزماتها الغابرة والحاضرة فهو يرى انسياح جيوش المسلمين الفاتحين فى أنحاء شبه القارة الهندية تحت لواء قائدها المظفر محمد بن القاسم الثقفي فى أزهى فترات الخلافة الاموية ، ويرقب غروب شمس تلك الخلافة بمصر ع آخر خليفة أموي هو مروان بن محمد فى مصر طريدا لا ناصر له وانبثاق فجر الخلافة العباسية التى تقوضت دعائمها وانهارت أركانها على يد الغازى التترى الطاغية" هولا كوخان " الذي قتل آخر خليفة عباسى أشنع قتلة فى تاريخ مقاتل الملوك ومصارع السلاطين ، ولم يرق فى سبيل ذلك قطرة دم .

وتتوالى المشاهد التاريخية بعد ذلك حية مؤثرة فى حس القارىء ووجدانه كل التأثير ؛ اذ يري مصرع طاغية القوط " لذريق " وانتحاره غرقا بعد فقدانه لعرش اسبانيا ، ويشهد موت آخر خلفاء الفاطميين بمصر " العاضد لدين الله " وهو يجود بأنفاسه كمدا ولوعة على زوال ملكه ، ويبصر مقتل آخر سلطان مملوكى مصلوبأ على باب زويلة .

وينفعل القارئ العربي أعظم الانفعال ، وخالط عواطفه الحزع والشفقة اذ يرقب

زوال السلطة الاسلامية من الاندلس ، وخروج اخر ملوك المسلمين منها " بعد أن هوى التاج الاندلسي من فوق رأسه إثر هزيمته أمام المسيحيين "

ويقرأ القصيدة الشعرية الرائعة التى نظمها الشاعر الاندلسي المبدع أبو البقاء الرندى فى رثاء بعض مدن الاندلس التى تهاوت فى أيدى أعداء الاسلام مدينة إثر مدينة ، وكان ذلك ايذانا بانتهاء عصر اسلامي زاهر أشرقت شمسه على أنحاء الاندلس فترة من الزمن فبثت فيها الحيوية والتمدن وكل مظاهر الحضارة الاسلامية العظيمة .

يقول الرندى فى مقطوعة له من تلك المرثية الشعرية المؤثرة :

لكل شئ اذا ما تم نقصان                 فلا يغر بطيب العيش انسان

هى الامور كما شاهدتها دول               من سره زمن ساءته أزمان

أعندكم نبأ من أهل أندلس                فقد سرى يحديث القوم ركبان ؟ !

كم يستغيث بها المستضعفون وهم         أسرى وقتى فما يهتز انسان

ماذا التقاطع فى الاسلام بينكمو           وأنتم يا عباد الله اخوان ؟

وينتقل القارئ بعد ذلك الى العصر الحديث فيمر أمام ناظريه مشهد الانقلاب الكمالي في تركيا الحديثة ، وانتهاء نظام الخلافة الاسلامية وتحوله الى نظام الحكم الجمهورى .

وهكذا يسير المؤرخ الكبير فى كتيبه ، يرسم الخطوط العريضة لمشاهده الخلابة ، وصوره الانسانية القوية المنتزعة من بين بطون التاريخ في لمسات سريعة موحية مؤثرة فيفرح القارئ ويحزن ، ويضطرب فؤاده ثم يسكن ، وتجيش نفسه ثم تهدأ ، ولكن فى نهاية الأمر ، يدرك الاهداف الاخلاقية والعظات العملية التى يرمى اليها المؤرخ الجليل من وراء رسم هذه الصور ، وابداع تلك المشاهد .

فللصديق المؤرخ الكبير والاديب اللامع أعظم الشكر وأصدق الثناء على طرفته الفنية البارعة التى اتحف بها قراءه ومحبيه ، ومع ذلك فهم يطلبون المزيد من انتاج فكره الخصب ، وعقله القوي ،

اشترك في نشرتنا البريدية