قد لا نعدو الحق ولا نجانب الصواب ، اذا قلنا ان هذا الكتاب هو كتاب السنة وذروة انتاج الأستاذ البحاثة احمد السباعي ، وقد سد به الاستاذ فراغا واسعا وفتح آفاقا مغلقة للباحثين ، وغرب مؤلفات ومباحث متفرقة فى شتى الامكنة والازمنة ، وجمع نتاج بحوثه وجهوده فى هذا السفر الضخم
ومن طبيعة الاستاذ السباعي دائما أن يهدف فيما يؤلف الى أن يسد فراغا فى ناحية من نواحي الثقفة والادب والتاريخ والاجتماع . . فهو من هذه الناحية - والحق فقال - يعتبر أحد رواد الادب والعلم الحديثين فى هذه البلاد . . أنشأ اول ما انشأ ) سلم القراءة العربية ( . . فسد به فراغا ملحوظا فى عالم المطالعة المدرسية للناشئين من طلاب المدارس . . وفتح بهذا الصنيع الباب واسعا لمن جاءوا بعده من المؤلفين ، حتى رأينا فيض كتب المطالعة المدرسية يغمر المدارس والمعارف والمكتبات وهكذا كان رائد الثقافة المدرسية . . واستهوته القصة واراد أن يكون فيها احد الرواد فأخرج لنا قصتى ) فكرة ( و ) فلسفة الجن ( فاذا بها نوع جديد من القصص الوطني الساخر ظاهره الخيال وباطنه النقد الاجتماعى اللاذع . . وقبل بضع سنوات استبدال به حلم حديد هو تأليف كتاب جامع من تاريخ مكة السياسى والاجتماعى
والعمرانى والاقتصادي . . وهو كما يعلم القارئ الحصيف ، حلم بعيد المنال . عسير التحقيق ، حمض العقبات ، مجهول المعالم ، فلم نسمع بمؤلف شرقى أو غربي ، منذ خلق الله مكة ، فيما تعلم ، حاول ان يؤلف كتابا واحدا فى كل هذا ، وانما كان ما ألف عن مكة من الكتب المستقلة الوفيرة يهدف الى الموضوعات الدينية والسياسية والأثرية . والسياسية هنا تنصرف فى الاغلب الاعم الى سياسة الملوك والامراء والباشوات . والولاة وحدهم دون النظر الى السياسات الاخرى . . فأما النواحى الاقتصادية لمكة ، والنواحي الاجتماعية والنواحي العمرانية والعلمية الواسعة فهذه نتف ورموز واشارات جاءت في غاية من البعثرة والتفرق والتباعد ، فلا رابط بينها فى كتاب او كتب بل هى شذرات تختفى بين جبال المؤلفات المعنية بشئون الدين والسياسة والمناسك والاثريات عن مكة . و ) تاريخ مكة ( للازرقى ، هو امام الكتب المؤلفة عن بلد الله الحرام ، وهو كتاب ديني اثرى . . وقلما تجد فيه نبذة عن السياسة أو العلم أو الاجتماع والباحث الحديث والمستطلع الحديث يريدان أن يريا مكة فى شتى صورها ماثلة أمامهما فى كتاب جامع حصيف . . وقد تصور الاستاذ السباعي كل هذا ، وتصور العقبات التى تقف حائلا دونه ودون الوصول الى هذا الروض الانيق . أو هذا المنجم الزاخر ، أو هذه الامنية الغالية ، أو هذا الامل الذهبى ، ولكن طبيعته كما قلنا . طبيعة الرائدين . والرائدون لا تقف العقبات مهما جلت دونهم ودون السير قدما إلى ما يريدون . واذن فليجرد الاستاذ عزيمته وليضع أمامه مهمته ، لا يريد عنها حولا . . وبدأ وسار ، واقتحم المغامرة الكبرى ، ومضى ينقب لا يكل ولا يمل ، يستنبئ المؤلفات ويدون الملاحظات ، ويجمع الاشتات ، ويضم النظائر واشباه النظائر الى بعض ، ولم يفته . أن يستطلع مخبآت افكار الشيوخ والمسنين ، ويتراجع مع نابهى الادباء ومثقفى الرجال والشبان ، ثم يعود الى مكتبه ، فيسجل ويكتب فصلا أو بعض فصل ، وهكذا حتى استوت له بحوث رأيناها شيئا جديدا اذ ذاك وشجعناه محقين على المضى فيها الى التمام . . فمضى غير متهيب ، واذاع بعض هذه الفصول احاديث فى محطة الاذاعة السعودية ونشرت
هذه المجلة لفيفا منها ونشرت صحف اخرى غيرها ، وتسمعنا احاديث المثقفين عنها ، فاذا هي التقدير وتأملناها فاذا بها اشراقات جديدة وأرهاصات عديدة ، وقد مضى الاستاذ فى مهمته موفقا جادا ، حتى تمام المسودة الاولى ، فما اكتفى الاستاذ بنفسه فان هذا الكتاب هو ملك للجميع فينبغي أن يحقق وأن يراجع وأن تقلب وجوه النظر فيه حتى يخرج اشبه ما يكون سويا ، بقدر الامكان . ثم قدمه للمطبعة ، وانتظرنا مليا ولبثنا طويلا ، ننتظر الوليد الجديد ، أن يظهر جبينه ، حتى رأيناه وطالعناه وقد صدق الخبر الخبر . وايقنا بنجاح المجهود وجمال الوليد
وانا اشهد ان الاستاذ السباعي لم يكن فى هذه المرة مستبدا فيما غامر فيه بل انه جد واجتهد ، وبحث بحث العلماء الصابرين واستأنى وعدل وبدل كثيرا من محتويات الكتاب وعنى بصيرورته على نهج الباحثين الحصفاء . وكان منصفا فى اغلب ما كتب . . لا يبالي بعداوة ولا صداقة ، ولا بحقارة ولا عظمة ، ولا بشخصية وشخصية . . كان هدفه الحقيقة إن اخطا أو أصاب وكان يدقق كثيرا فى الاسلوب الذي يصوغ فيه نتاج بحثه حتى يجىء سويا عدلا ، واذكر انى ناقشته فى عدة موضوعات واساليب ، فما رأيت من الاستاذ الا التزام العدل والانصاف ومسايرة المنهج العلمى الحديث فى نسجيل الحقائق التاريخية بغير نظر الى زيد أو عبيد ، وهذه احدى مزايا الكتاب الذي تحدثنا عنه . ومن مزاياه ان كشف لنا المخبآت فى التاريخ القديم . وجاء لنا بمدونات خطية لم نرها من قبل . . واستطاع ان يبحث بحثا منظما فى ألوان التاريخ المكى ) نسبة الى مكة ( . . فهذه بحوث علمية جميلة عن نشأة مكة فى عهد اسماعيل وقريش . . تشمل نواحى مكة العامة ، عمرانية واجتماعية ودينية وادارية . وهذا لا شك شىء طريف وهذه فصول منظمة عن النواحي العامة لمكة فى عهد النبى عليه السلام والخلفاء الراشدين ، اجتماعية وعلمية وعمرانية واصلاحية وسياسية وهذه فصول منظمة عن مكة فى عهد الامويين ، سياسية وعلمية وفنية ، وعمرانية واصلاحية ، وادارية . وقل مثل ذلك فى عهد العباسيين ومن
بعدهم حتى سنة ١٣٤٤ ه . . اليس كل هذا شيئا جيدا ، وجهنا ، موفقا سعيدا . وبحوثا علمية منسقة رائعة ؟ وقد جاءت فى اسلوب مشرق من البيان المجنح . وقد يستهوى الخيال المجنح الاستاذ احيانا فاذا به يحقق معه قليلا وما هو إلا لحظات فيتذكر أنه إنما يكتب تاريخا لا قصة ، وسرعان ما يعود ليساير الحقائق التاريخية الماثلة أمامه مركزا البحث فيها . والاستاذ السباعي رجل خيالي بذوقه الادبى فأعجب به وهو يزاول بحثا علميا متشعبا ثقيلا غير ممهد يحتاج الى اتزان وجلد وصبر ومسايرة للحوادث واستنتاج وتركيز مستمر ، وأعجب من هذا كله ان ينجح فى هذه المدرسة نجاحه فى مدرسة الخيال المجنح
ومن رأيي ازء هذا النجاح ، وإزاء هذا الجهد . أن نكرم الاستاذ المؤلف ، ليرتاح ضميره الى انه قد قدر كما يحسن ، ويرتاح العاملون من بعده الى أن جهودهم لن تذهب سدى ، ولن تكون طعمة النقد المر الذي لا يبقى ولا يذر ، ولن تضيع مع الرياح اننا بذلك نخلق روحا جديدة من البحث ومن الباحثين . . فليس كتشجيع العاملين المنتجين شىء يضاعف الجهود ، ويحقق الثمار المنشودة ، فلندخل من هذا الباب . ولنقم بهذه التجربة من الآن .
واننى لا اقول باخماد صوت النقد ، ولا أنادى بطمر قواعده وفوائده ، فان للنقد العلمي الممحص فائدة مزدوجة ، هو يفيد المنقود ، لانه ينير له ما وقع فيه من اخطاء فيصلحها ويتجنبها فيما بعد ، وهو فى الوقت ذاته ينير الطريق للباحثين ويفهمهم الخطأ من الصواب . . ويضع الأمور فى موازينها الصحيحة
وهذا النقد الذى تفيض منه هذه المزايا هو النقد النزيه المتزن الذي ينشد الحقيقة ولا ينشد غيرها . . وسواء لديه أكان المنقود اقرب قريب أو ابعد بعيد . .
واننا فى المقال التالي سنقوم ان شاء الله بتحليل الكتاب فنعطيه ماله تقديرا للحقيقة ، وتبين النقط التي يخالف المؤلف فيها . وملاحظتنا عليه ، جاعلين الحق وحده نصب اعيننا ، وهدفنا الاسمى معرضين عن كل شىء الا ابتغاء الحق ونشدان الحقيقة فيما نقول . وبالله التوفيق
