ما أجمل الادب الممزوج بالتاريخ القريب المجهول . . و « صحيفة السوابق » للاستاذ أحمد السباعى ، من هذا اللون من الأدب الممزوج بالتاريخ القريب المجهول . . فى أسلوب شيق جمع بين سمات ذلك العصر فى لهجته التى تكاد تنقرض بما دخل على البلاد من مدنية ومصطلحات وادوات وأسباب معيشة
ولو شئنا ان نلخص قصة صحيفة السوابق فى بضعة أسطر لما اعيانا ذلك، لجمال أسلوبها ونصاعة تعابيرها وانسجام فصولها وتسلسل حوادثها فان ابنا ولدته أمه المنقطعة فى المستشفى تبناه رجل طيب النفس وتسلمه من المستشفى وجاء به الى منزله التى تقطنه معه زوجه الشريرة الشرسة الاخلاق المسيطرة على المنزل سيطرة عارمة فحنقت على الزوج اتيانه بهذا الآدمى ولكنه استعمل معها الرفق وحسن السياسة حتى قبلت على مضض تربيته بالمنزل واساءت معاملته منذ نعومة اظفاره ولم تشعره بمعنى من معانى الرحمة ، فلما شب عن الطوق وقد توفى مربيه وكافله
ارسلت به الى أشق الاعمال الجسمانية واعنفها . . العمل البنائى ، ولم ترحم له يتما بل ظلت تستغله أشنع استغلال . . والقسوة تولد الانفجار فانفجرت فيه خلائق الشر ولاقى قرناء من هذا القبيل فاحتفوا به وسهلوا له دروب السرقة واللصوصية حتى كان من أبطالها وسجن وعذب وطورد ثم أدركته رحمة الله فى السجن يوما على يد رجل عالم سجن ظلما فنبذ طرق الاثم من قرارة نفسه، فلما خرج من السجن خرج نظيف الطوية راغبا فى كسب العيش من طريق شريف ، ولكن المجتمع الذى عرف فيه لصا خطيرا تجنبه ولم يفهم ما طرأ على نفسيته من تحول ،
ولقد قاسى وكافح حتى خرج من بلده «مكة المكرمة» الى جدة فبدأ يعمل فى انكماش اذ لا يعرفه بها أحد ، وسعد سعادة فائقة ونجح نجاحا بارعا فصار من اثرياء البلد ، وعاد فتذكر تلك التى أحبها فى مكة فطلب يدها فوهبت له وعاد بها الى جدة . . فى منزله فوق دكانه ، وفى ذات يوم تعرف به لص زميل قديم خبيث الطوية فوشى به فى حادث قتل بجدة ، وما ان علم بقدوم الجند للقبض عليه حتى هرب
مختفيا ومارؤى الا فى ارض اندونيسيا مع استاذه القديم فى صنعة اللصوصية وهكذا جنت عليه «صحيفة السوابق» فى مركز الشرطة بجدة ومكة وقضت على مستقبله ومستقبل زوجه ظلما وعدوانا . .
هذه هى خلاصة القصة الجميلة ادارها الاستاذ السباعى بلباقة وتمكن يشكر عليهما ويشجع،وأملنا أن يستمر فى الطريق وان يجلو لنا وجوها جديدة مما طمره الزمان من تاريخ تلك الايام على اسلوبه القصصى الفليسوفى التقريرى الساخر ، وبذلك يكون عندنا بمثابة اكبر المؤرخين وفى الوقت نفسه يكون فى الرعيل الاول من القصاصين الذين يمكن ان تخرج قصصهم اللامعة على الشاشة للعظة والاعتبار ، وللدراسة والاستيعاب

