الثقافة الصحيحة فى الامة هى قوام حياتها ومحور نهضتها لذلك رأيت ان أتوجه بهذا الموضوع الى ادبائنا البارزين واقدمه لهم كاستفتاء تتبارى فيه اقلامهم الفياضة فتجود بما ينير ويرشد . وها نحن ننشر فيم يلى ما جاءت به قرائحهم السله مراعين تسلسل ورود اجاباتهم الينا ( المحرر )
هذا سؤال لا تسهل الاجابة عليه كما يبدو لأول وهلة . فليس هو من البساطة بحيث يمكنك أن تذكر اسمماء الصحف والكتب التى تنصح للناشئة بمطالعتها وتفهمها ولو أنت لجأت الى ذلك لما كان هذا سهلا ولا ميسرا فاى الكتب يمكنك اختيارها ؛ وأى الصحف تشير بمطالعتها ؟ وهذه المطابع تغزو العقول والافكار بمختلف الاسفار والمطبوعات التى يضيق وقت اكثر الناس فراغا عن الالمام بها والنظر اليها فضلا عن تأملها تأمل الدارس وفحصها فحص الباحث الذى يضع نفسه موضع الناصح والمشير .
وانها لورطة أوقعنى فيها نشاط الاستاذ الانصارى و لباقته الصحفية . وقد كان الأولى فى نظرى أن يتوجه بسؤاله هذا الى استاذ من أساتذة التعليم ومرب من أساطين التربية ليكون جوابه مؤيدا بالخبرة وهديه قائما على التجربة .
أما وقد وجه الى الاستاذ الانصارى سؤاله هذا واختارنى للاجابة عليه فليس من الخير اذا ان احجم وقد أحسن بى الظن . واذا فلا تمس من هذه الرابطة الفكرية والروحية التى تربطنى بالناشئة سبيلا للاجابة على هذا السؤال . لا أريد ان أسمى للناشئة كتبا بعينها ولا صحفا باسمائها فانا من أنصار المطالعة الحرة والثقافة المطبقة .
- ١ -
رأى الاديب محمد على مغربى
اريد للناشئين ان يطالعوا كلما يصل الى أيديهم من الوان الغذاء الفكرى والادبي على اختلاف ضروبه . لا احدد لهم نوعا من أنواع الثقافة ولا بابا من أبواب العلم .
فالثقافات والعلوم والآداب كلها تراث الانسانية الخالد وهدية الاجيال السالفة الى الاجيال الحاضرة والقادمة .
وليس كالمطالعة غذاءا للفكر ، وتنمية للمدارك ، وتوسيعا الذهن ، ولكنها المطالعة الحرة التى لا يقيدها قيد ، ولا يحدها حدود . فليدرسوا ما وسعهم الدرس وليحثوا ما أمكنهم الحث وليطلعوا ما توفر لهم الاطلاع على هذه التى نطلق لها الحرية فى أن تطالع وتدرس وتبحث غير مقيدة ولا محدودة هنا تظهر اهمية السؤال بل وتعقيده .
فانا افهم من معنى - الناشئة - ان المراد بها هؤلاء الشبان الذين تحللوا من قيود الدرس فى المدارس والذين خرجوا الى محيط الحياة العملية ينشدون الحياة بمعناها الواسع والمعرفة بالوانها المختلفة والذين بدأوا يفتحون اعينهم على شئ اسمه أدب ، وآخر اسمه علم ، وثالث اسمه فن ، وهكذا .
هؤلاء الشبان الذين فرغوا من الدرس وبرزوا الى ميدان الحياة مسلحين بتعليم دينى قوى واخلاقى ثابت احب أن يطلقوا لانفسهم (( حرية الثقافة والاطلاع ))
فالثقافة بعد الخلق عماد الشاب فى حياته المستقبلة وثروته الفكرية التى يستطيع بها أن يغزوا ميادين النشاط المختلفه فى الحياة .
والشاب المثقف تهيء له ثقافته ان يغامر فى مختلف انواع النشاط الحيوى وتفتح عينيه على حقائق الحياة ومشاكلها المعقدة .
وكما اننا لا نقيد المطالع بالوان مرسومة من المعرفة فانا لا نقسره على مطالعة ما لا تهواه نفسه أو تتجه اليه ميوله .
فالمعلومات العامة ضرورية لكل انسان فى الحياة لانها ملك مشترك للجميع يتم به التفاهم والانسجام .
ولكن هناك باب آخر هو ( الاختصاص ) فليس من الخير ( بل يكون من الضرر ) ان تقسر هاوي الادب على مطالعة الهندسة او راغب العلم مثلا على دراسة الرسم وهكذا ، ولكل ناشئ يرى من نفسه ميلا الى باب من أبواب الاطلاء أن ينمي هذا الميل فى ذهنه بالتوفر على مطالعة ما يختص به ودرسه دراسة وافية تشبع رغبته وتمكن له البروز فيه والتجويد .
صحيح ان فيما تنشره بعض الكتب من أفكار سوداء مالا يتفق مع حياتنا وتفكيرنا ولكنا نريد للنشء أن يكثر من المطالعة ليكون صحيح التفكير سليم الادراك نافد البصر ؛ لا ان يسير مغمض العينين يصدق كلما يلقى ويؤمن بكلما يقال له ، ومتى ما أطلق لنفسه حرية المطالعة أمكنه أن يميز الخبيث من الطيب والنافع من الضار والسليم من الاجرب .
نريد باطلاق حرية الثقافة له وتعميمها أن نقوم شخصيته ونشعره باستقلاله الفكرى ونجنبه ما أمكننا مغبة التقليد الاعمى والافكار الضاله .
نريد بهذا أن ننمي فيه ملكة التمييز ، وصدق النظرة وصحة الحكم ، ولن يتاح لنا هذا ان حددنا له العلم أو حصرنا له الاطلاع .
أما ان كان المقصود بالناشئة تلامذة المدارس ممن لم يتجاوز الحلم ، قيدي حلقات الدرس ، حلفاء المحابر والاقلام فاولئك اتضح لهم بالتفرغ لدراستهم والاطلاع على ما يقوم أخلاقهم ويوسع مداركهم وما لا يتنافى مع دينهم وما يهيء لهم سبيل الفهم الصحيح ويساعدهم على قطع هذه المرحلة الاساسية من مراحل العمر فى تفكير هاديء قويم وأخلاق حسنة محمودة .

