الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

الكعبة مركز الأرض

Share

كان قيام دولة الهند والباكستان فى الأعوام الأخيرة مصدر قوة وتجديد حيويين فى المحيط الدولى كله . وقد اكتسب العالم الاسلامى بوجه خاص دولة جديدة من الطراز الأول تمتاز إلى جانب تفوقها فى عدد السكان والعلوم والفنون ، بتحمسها لكل مظاهر الثقافة الاسلامية ونشاطها الخصب فى تقوية الصلات بين بلاد العالم الاسلامى .

وبين يدى وانا اكتب هذه السطور مقال لاستاذ فاضل من علماء باكستان يقترح فيه ان يكون للعالم الاسلامى خط طولى رئيسى بمر بالكعبة ، ومن أجل تأكيد هذه الفكرة جعل عنوان المقال " الكعبة سرة الأرض " وقد أورد هذا العنوان على انه حديث شريف

ولا بد لنا لكى ندرك مغزى هذا الرأى ، ان نذكر ان خطوط الطول والعرض هى الوسيلة التى توصل بها الجغرافيون منذ العصور القديمة لتحديد الأمكنة والأقاليم او مقارنتها بعضها الى بعض . . فيقال ان القطر المصرى مثلا يمتد من الجنوب من الدائرة الثانية والعشرين فى دوائر العرض الشمالية الى ما وراء الدائرة الواحدة والثلاثين فى الشمال ، اى ان دوائر العرض التى ترسم حول الكرة الأرضية قد حددت بأرقام من خط الاستواء الى القطب الشمالى من جهة ، ومن خط الاستواء الى القطب الجنوبى من جهة أخرى . وكل خط من خطوط العرض عبارة عن دائرة كاملة ، فما عدا القطبين ، اذ المفروض انهما نقطتان فقط

ولم يكن من الصعب تحديد الخط الرئيسى لخطوط ( العرض ) فقد انتهى العلماء الى ان هذا الخط هو خط الاستواء وهو أكبر دائرة من دوائر العرض ويقيم الكرة الأرضية الى قسمين متساويبن تقريبا . فاصبح هذا الخط الرئيسي هو خط الصفر تليه خطوط العرض التسعون شمالا وجنوبا بالترتيب .

ولم يترتب على اختيار خط العرض الرئيسى اية مشكلة ، ولم يثر احد عليه اعتراضا أما خطوط الطول فأسرها لم يكن بهذه السهولة . . فان خطوط الطول عبارة عن أنصاف دوائر تمتد من القطب الشمالى الى القطب الجنوبى وهى جميعا متساوية فى الطول

لو عددها ٣٦٠ خطا . وليس من السهل ان نميز واحدا منها على الآخرين فنجعله خط الصفر او الخط الاوسط يليه ١٨٠ خطا طوليا فى الشرق ومثلها فى الغرب . كان الجائز ان يصطلح العلماء فى العصور الوسطى على ان يكون الخط المار ببيت المقدس هو الخط الرئيسي او خط الصفر ، نظرا لما كان لهذا المكان من الحرمة والقداسة . . غير ان المشكلة قد نشأت قبل ان تظهر اهمية بيت المقدس كمركز ديني عظيم . واول من عالج هذه المشكلة هم قدماء الجغرافيين الذين سبقوا بطليموس الجغرافى ، وان كان بطيلموس نفسه هو الذى جمع هذه الآراء ونقحها ووضع النظام النهائى لخطوط الطول والعرض ، وتبعه بعد ذلك الجغرافيون العرب ، فظل هذا النظام القديم سائدا الى العصور الحديثة .

لم يكن القدماء يعرفون شيئا عن القارات البعيدة مثل امريكا واستراليا ولم يعرفوا الا القليل عن المحيط الاطلسي ، ولا يكادون يعرفون شيئا عن المحيط الهادى ، فالعالم الذى عرفوه وعاشوا فيه هو العالم القديم الذى يشتمل على قارات آسيا واوربا وافريقية وكانت معلوماتهم عن الشرق الاقصى قليلة جدا . أما المغرب الاقصى فكانوا يعرفون تمام المعرفة ، ويعرفون انه ينتهى الى المحيط الاطلسي ، وان وراء افريقية من جهة الغرب جزرا سموها جزر الخالدات ، وهي فى الغالب الجزر المعروفة اليوم باسم جزر كاريا ومادبرا . وليست كما يزعم بعض الناس جزر الأزور . التى لم يعرفها الجغرافيون الاول .

كانت جزر الخالدات فى نظر الجغرافيين القدماء أمثال ايراطتين ومار يانوس وبطليموس هى نهاية العالم من جهة الغرب ، فجعلوا الخط الذي يمر بهذه الجزر من الشمال الى الجنوب هو خط الصفر أى خط الطول الرئيسي . وجعلوا للخطوط التى عليه ارقاما تدل عليها يزداد من الغرب الى الشمال ولم يكن يعنيهم ان يجعلوا على الخرائط خطوطا تمتد غربا من جزر الخالدات لأن العالم كان ينتهى فى نظرهم عند هذه الجزر فلا معنى لتحديد الموقع الذى لا وجود له فى غرب هذا الخط .

وتبدلت الحال بعد الاستكشافات الحديثة ، وبعد الكشف عن قارتي امريكا واوستراليا وعن المحيط الهادى ، واصبح للناس علم بأقطار عديدة واقعة الى الغرب من حزر الخالدات . ومع ذلك ظل خط الصفر فترة من الزمان فى المكان الذي اصطلح عليه القدماء .

وبدأ التحول يظهر فى القرن السابع عشر فقد بنى الانكليز مرصدا ضخما فى بلدة

( جرينوتش ) الواقعة شرقى لندن بنحو ثلاثين ميلا ، واخذوا يرسمون خرائطهم جاعلين خط الصفر هو الخط الذى يخترق هذا المرصد من الشمال الى الجنوب وقد اتخذ الانكليز سياسة منذ ذلك الحين لم يحيدوا عنها ، وهى تنمية القوة البحرية ، والاستكثار من السفن وكانت بحريتهم أول الامر لا تعدو ان تكون اساطيل قرصنة للاغارة على تجارة اسبانيا وهولنده . وقد انتهى الامر بتفوقهم فى الملاحة وعدد السفن على كل من الدولتين . وكانت فرنسا فى شغل بالتوسع فى قارة اوربا لم يمكنها من التفرغ لمنافسة بريطانيا فيما وراء البحار . وبعكس ذلك لنصرفت بريطانيا الى السياسة الاستعمارية فى الاقطار الجديدة . ولم تحاول التوسع فى اوربا : اللهم الا ما تقضي به الضرورة من اقتطاع موقع خطير مثل جبل طارق

وهكذا خلا الجو فى مدى قرنين من الزمان تقريبا أى من منتصف القرن السابع عشر الى منتصف القرن التاسع عشر - للبحرية البريطانية . فاتقن الانكليز فنون الملاحة ، ورسم الخرائط التى يهتدى بها الملاحون . وصار تحديد خطوط الطول والعرض للاماكن المختلفة امرا حيويا وكانت الخرائط الانكليزية من احسن الخرائط التى تعنى بهذا الغرض وخط الطول الرئيسي فيها هو خط جرينوتش ، وانتشر هذا الاصطلاح بفضل تفوق الملاحة الانكليزية وانتشارها فى جميع البحار

وفى القرن التاسع عشر ظهرت دول تنافس انكلترا فى ملاحة البحار وهي المانيا وفرنسا وامريكا واخذت كل منها تتقن صنع الخرائط الجغرافية ولم تجد امريك ما يدعو لأن تغير من وضع خط الطول الرئيسي فقبلت ان يكون الخط المار بجرينوتش هو خط الصفر أما فرنسا فجعلت خط الصفر هو الذى يمر بباريس . وظلت فرنسا زمنا طويلا مصرة على ان يكون خط باريس هو خط المطول الرئيسى بالنسبة للعالم كله .

ولكن بدأت فرنسا - كما بدأت المانيا من قبل - تعدل من موقفها هذا ، لأن صناعة الخرائط التى ازدهرت فى المانيا وفرنسا ازدهارا عظيما هي مثل سائر الصناعات فى حاجة الى الاسواق . وكان لا بد لها ان تنافس الخرائط الانكليزية فى اسواق العالم بما فى ذلك اسواق انكلترا وامريكا واسكندناوة وهولندا وغيرها من البلدان التى قبلت خط جرينوتش . فقبلت فرنسا والمانيا هذا الخط على انه خط الصفر ، وان كنا لا نزال نجد بعض الخرائط الفرنسية تلتزم خط باريس

وهكذا بالتدريج اصطلح الناس على قبول خط جرينوتش بانه خط الصفر او خط الطول الرئيسي

واليوم يطالعنا هذا الاستاذ الباكساني الفاضل بهذا الرأى الجديد ، وهو ان يكون للعالم الاسلامي خط طول رئيسي خاص به ، وهو الخط الذى مخترق الكعبة من الشمال الى الجنوب كما اوضحه فى خريطتة ولا شك ان لهذا الرأي نصيبا عظيما من الوجاهة من الناحية الجغرافية والتاريخية ، حتى لو صرفنا النظر عن الاعتبارات الوطنية والسياسية فان هذا الخط يتوسط الشرق الاوسط كما يتوسط القارات ويخترق البلاد التى كانت مهد الديانات العظيمة كما كانت مهد الحضارة والمدنية ، ويتوسط الاقطار التى نشأت فيها اللغات السامية والآرية ، وهي اوسع لغات العالم انتشارا . ويمر بالبلاد التى اخترعت فن الكتابة ، ونشرت في العالم نور العلم والمعرفة والعرفان بل يمر بالبلاد التى كانت مهد النوع البشرى نفسه

هذه كلها اسباب وجيهة ولكن لكى نضع هذه الفكرة موضع التنفيذ يجب علينا ان ننمى صناعة الخرائط وان نبلغ بها درجة الاتقان ، وان تكون هذه الخرائط خاصة بالعالم الاسلامى ، يدرسها طلابنا فى المدارس فى المراحل الاولى من التعليم حتى تقوى فى أنفسهم روح الشعور بمركز بلادنا الممتاز وسط حميع اقطار العالم . اما فى الدراسات العليا فلا غنى للطلاب عن استخدام الخرائط الجغرافية ، التى تستخدم فى جميع البلاد ، لأن العلم لا وطن له ولا بد للتعمق فيه من متابعة الدراسة طبقا لما اصطلح عليه الناس فى مختلف الاقطار

اشترك في نشرتنا البريدية