الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

الكفاح الاخير

Share

تتعلق هذه القصة بالقصة التى نشرت سابقا فى جزء السنة الثانية الممتاز من مجلة " المنهل " تحت عنوان : " الاديب الاخير "

كانت شمس الصيف الحارة ترسل أشعتها الالماسيه المحرقة على أديم الارض

فتسوده ، فلا يبقى حى على سطحها الا وفر من جنودها الجبارة ، واجتنب أسلحتها النارية الباطشة . فذهب كل يبحث عن ظل يقيه سهامها الحادة ، وأوى كل مخلوق إلى مسكنه مستسلما مقهوروا . فالانسان إلى داره ، والطير إلى وكره ، والوحش إلى دغله وحجره ، ولم يبق سوى هبوب هذا النسيم العليل الذي ترسله تلك البحيرة النائية فى فترات متقاطعة يكافح وحده " ملكة النهار " وكلما مسح هذا النسيم بيد الحنو على أوراق هذه الاشجار المحترقه ، وأراد انعاش تلك الازهار الذابلة بعذوبته ونطاقته . ضاعفت الشمس قواها ، وتجمهرت جنودها ، حتى إذا لم يبق حي ولا جامدا لا وستسلم متقهقرا أمام عظمتها الشامخة ، وأخذت تطل عليهم من عل . مزدرية لضعفهم ، معجبة بما وهبها الله من قوة !!

وفى هذه اللحظة نفسها كان أحد مقهوريها ، وهو أحد بنى الانسان ، يستمتع بظل شجرة بارد ، ويتنعم بنسيم لطيف ، يخيل اليه أنه منبعث من مياه هذا الجدول الصافية .... وكان هذا الشخص يتعجب من كفاح هذه المخلوقات !! وحكمة الله فى تنازع هذه العناصر الكونية على البقاء ، فلو لا حرارة الشمس لقتلنا البرد بصره وقره . ولو لا عذوبة النسيم اللطيف لأحرقنا هذا الكوكب النهاري بأشعته النارية !! فسر حياتنا إذن هو . كفاح " هذه العناصر الكونية ، وتنازع بعضها مع بعض !!..

وكأن هذا الشخص الغريب ارتاح هذه النتيجة . ووجد فيها ضالته المنشودة إذ ارتسمت على محياه علامات الاطمئنان . واتمحى عنه فى تلك اللحظه أثر اليأس الذى استولى عليه " وعلت شفتيه ابتسامة النصر والانشرح . وأخذ يردد هذه العبارة :

الحياة كفاح !!. الحياة كفاح !!.

ومن هو - يا ترى - هذا الشخص العجيب الذى استطاع أن يتغلب على اليأس الفتاك ( الذى لم يستول على أحد إلا وأهلكه ) بهاتين الكلمتين اللتين تصورهما فكره ، فنطق بهما لسانه؟ " الحياة كفاح "

ويتبين للشاخص فى هذا الانسان أنه شاب فى العقد الثالث من عمره  طويل القامة نحيف الجسم . خائر القوى . مرتديا ملابس بسيطة ولكنها فى غاية النظافة ويظهر من ملامحه انه كان جميل الصورة ، ذا نعمة وثراء . فعبثت الايام بنعمته وثرائه ، وفتك البؤس بجماله فمحاه ، ولم يبق منه إلا اثرا بسيطا . فأصبح كالقصر المندرس ، تدل اطلاله على عظمته وشموخه الزائلين !.. ولو سالنا هذا الشاب عن اسمه لقال بلسان فصيح : " نا ابراهيم !! مجنون الأدب وضحيته " ذلك الشاب الذى غذا تلك السنين الطوال يجاهد فى سبيل أحياء الادب ، ويحاول ارجاع شيخوخته شبابا !! حتى إذا ما نضبت قواه المادية والمعنوية ، وكاد اليأس يستولى عليه وبفتك به . تبين له فى اللحظه الاخيرة ، " ان الحياة كفاح "

الحياة كفاح !!. كم أثرت هذه الكلمة الساحرة العجيبة فى هذا الشاب الغر المنهوك القوي ؟!. فانه نسي ماهو فيه من البؤس والشقاء ، وسبح فى بحر خضم من الاحلام الذهبية فاخذ يتصور من هذه الصخرة الصلبة التى تمثل مقعده أريكة لينه وثيرة  !.. ومن هذه البقعة الصغيرة التى تقيها هذه السدرة نيران الشمس قصرا شامخا !. وطفق يتخيل خرير مياه هذا الجدول الصغير الذي يسيل بهدوء ، بقرب منه ، انغاما موسيقية عذبة يعزفها اشهر الموسيقين ، اتوافى هذه اللحظة يقدمون له التحية بمناسبة جلوسه على عرش الأدب الموهوم !!..

وأي شئ هو الأدب سوى عالم من الخيالات والاوهام ؟؟! . . وما اعذب تلك الابتسامة التى كانت تعنو شفتى ابراهيم الذابلتين . فتكسو وجهه المصفر حمرة كحمرة الورد حينما يوقظه نسيم الصباح الباكر من رقدته .... ولم تفارقه هذه الابتسامة العذبة . ولم ينجل عنه هذا السرور الموقوت ، ولم ينأ

عنه هذا الحلم الكاذب ، الا حينما سمع اصواتا مزعجة كاصوات الشياطين تصبح فى وجهه ، ولعلها اصوات البؤس الذي كان حليفه : -

- قم استيقط ايها المغرور ، فمن اباح لك الاستمتاع بهذه الاحلام المعسولة ؟!! فهى ليست من شأنك ، وانت المحكوم عليك بالأخفاق ابدا فى هذه الحياة !! ألم تكن اديبا ؟! اما اتخذت الادب مهنة لك ؟! . فقم اذن وافتح صدرك للالآم !! واستعد لاصابات سهام البؤس والشقاء . فانه محكوم على كل اديب ان يعيش فى هذه الحياة كالشمعة تحترق لتضئ غيرها ، هذا اذا كانوا فى حاجة اليها اما إذا اغتنوا عنها بالكهرباء كما اغتنوا عنك فان مصير كما الى الأهمال.... وانت أيها الاديب ! هذا مصيرك قد أخترته لنفسك فلم تكن أول ضحية للأدب المشؤم ، ولكن عمى ان تكون آخرها !!! ...

قام الأديب " ابراهيم " من مكانه متكاسلا ، بعدما انهار صرح احلامه الذهبى بهذه السرعة المدهشة ، واختفت من اسارير جبينه علامات ذلك السرور الكاذب ، وتوجه نحو البلدة برغم حرارة الشمس التى كانت تلح عليه بالمكث فى مكانه ، حتى يأذن الله لها بالرحيل ، وسار يقطع تلك المسافة الجهنمية بخطوات وئيدة ، ولما وصل الى البلدة توجه الى بائع صحف ، واشترى منه جريدة يومية واخرج من جيبه قطعة معدنية ، ودعها بنظرة قبل ان يناولها صاحبها فانها آخر ما بقى معه من النقود ، ثم قصد غرفته الصغيرة باحثا فى اعلانات الجريده ، علة يعثر على عمل يناسبه ، واخذ يجوب هذه الاعلانات الرتبة واحدا بعد واحد : - " نريد شابا نشيطا فى الميكانيكا " . " شركة كذا تريد مهندس..." :  مدرسة كذا تريد استاذا فى علم الكيمياء " . ولم يجد - وياللاسف - من بينهم من يبحث عن رجل عبقري ينظم درر القصائد الرنانة ولا عن شاب متفوق يحرر لمقالات الادبية اللامعة !. حتى إذا ما وصل آخر اعلان ، وكان ناشره صاحب فندق كبير يريد شابا نشيطا يقوم بخدمات فندقه من تظيف وتكنيس وخلافهما

رمي الجريدة من يده . واخذ يفكر فى هذه الحياة التعسة التى فرضها عليه الأدب ... واغمض عينيه ، واخذ يقول بلهجة توسل وتضرع : - رحماك ربى ! أحقا قد حكم على بالتعاسة والبؤس ؟!. احقا قد حكم علي بالفشل فى هذه الحياة ، والحرمان حتى من العيش البسيط ؟!. ما أباسك ايها الادب ! فما احتك بك احد واسلم لك قياده الاقدته الى البؤس وطبعت حياته بطابع الأفلاس والفشل والأخفاق ! رحماك اللهم !!. ابن ذلك العصر الذي كان الاديب برفع فيه القبيلة إلى ذري المجد ويحط الاخري الى حضبض الهوان ، بيت واحد من الشعر ؟!! اين ذلك العصر الذى كانت فيه كلمة الأديب موضع الاعجاب ومهبط التقدير ، فلا تخرج منه الا وتناقلها الرواة من لدالى بلد ، ورددتها الالسنة فى كل مجتمع وناد ؟!. اين ذلك العصر الذي كان الاديب فيه زهرة الحياة ؟!. السعيد الذي يحظى منه بكلمة مدح تخلده والتعيس الذي يصاب منه بكلمة ذم تخذله طول حياته ؟!.

الله اكبر !! قد مات الأدب الذي كنت اظنه خالدا !! ... ابن خلودك المزعوم ايها الأدب ؟ . فها انا اتحدى العالم كله واهجوه فلا يلتفت لى احد ؟! وها انا امدح العالم كله غاليه ورخيصه ، فلا يعبأ بقولى احد ؟! .

فأين انت ايها الأدب الذى كانت الكلمة منه تهزا رجاء العالم ؟! واين انت ايها الادب الذي كان يصبح فى الشرق فيردد الغرب صداه ؟!. أحقا قدهرمت ؟!!. أحقا قد ذبلت ؟!. أحقا قد فنيت ؟؟ . فالى رحمة الله اذن وفى ذمة التاريخ !!.

وبعد هنيهة كان الشاب " ابراهيم " ماسكا بذراع مكنسته ينظف بها قاعة الفندق الذي انخرط فى سلك خدمته , المدينة المنورة - احمد رضا حوحو

اشترك في نشرتنا البريدية