الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الكفاح السياسي والثقافة

Share

ان تناول موضوع الثقافة فى العالم الافريقى الاسيوى الحاضر ، يقتضى أولا البحث عن الكيفيات والخطط التى تفيد استكمال القيم المغتصبة من عهد الاستعمار والرجوع بها الى الاصل الذى تتكون منه شخصية كل امة بما فيها من تراث قديم ومكاسب جديدة وعزائم خلاقة تنبئ عن المستقبل القريب البعيد .

ويقتضى ثانيا النظر الثورى الثاقب فى مفهوم الثقافة ودورها الفعال فى انشاء المجتمع الافريقى الاسيوى والذود بكل تيقظ عن كيانه الفتى المهدد ، طبقا للمبادئ التى تعتبر الثقافة بفضلها لا كمجرد متعة وترفيه بل كطاقة حيوية تكمن فيها وتنعكس حاجيات الشعوب ومطامحها نحو التحرر الكامل المستمر .

ولكيلا يقع أى التباس فى الاذهان لا بد لنا أن نتساءل عما اذا كانت الثقافة فى البلاد الافريقية الاسيوية القريبة العهد بالاستقلال قد تحررت هى الاخرى من بقايا الاستعمار القديم وحتى من نفوذ الاستعمار الجديد ذي الاساليب اللبقية الفتانة ؟ ولا بد لنا أن نتساءل عما اذا كان من صالح الامم الافريقية الاسيوية ومن صالح قادة الفكر فيها ان يركنوا الى حالة نفسية تجعلهم يقتنعون بوضع خلاب مبهم يتظاهر بالاستقلال الايجابى غير انه يفقد فى الغالب مميزات ذلك الاستقلال ما دامت تربطه بالاستعمار الجديد قيود خفية جبارة وما دامت تغرى العقول والمشاعر ولو اشباح ضئيلة من تلك العقائد والزخارف التى طالما تبثها تعاليم المستعمرين فى الضمائر المتغافلة ، ولا سيما بين المثقفين الذين افسدت عليهم مركبات النقص فهم الكثير من الاوضاع المرتبطة بمصيرهم القومى العسير المنعش فى آن واحد كأنهم يرتجون القدوة المثلى والصلاح ممن أذاقوهم فى الماضى القريب أقسى الهوان وأشد العذاب .

ولما كان الاحتلال الاجنبى لبلادنا الافريقية الاسيوية قد أثر فى جوانب الحياة كلها أسوأ تأثير وأخل بجميع القيم فشتتها شذر مذر وجعلها فوضى فلا بد لنا ان نرجع الى نظمها الاصيل وترتيبها اللازم وأشلاء تعز علينا ويعز

علينا استكمال مكوناتها حسب ضرورة العصر ولكن عملنا هذا لا يخلو من أن يكون فى البدء وفي النهاية عملا سياسيا بأتم معناه لان الاستعمار وان تظاهر بالانسحاب فانه يسد علينا الافق ويغتنم من تساهلاتنا العقائدية وميوعة موقفنا فرصة العودة إلى سيطرته القديمة باسلوب خفى ، وها هو فعلا يثبت خطاه الواهية لما يراه من تخاذل واضطراب فى سير الامم الافريقية وحكوماتها نحو استكمال السيادة والاستقلال ، ولا يخلو عملنا من ان يكون سياسيا لان العدوان الاستعماري في الماضى والحاضر كان ولا يزال يرمى الى أهداف سياسية بخلال سيطرته على ميادين الثقافة والاقتصاد واسمحوا ان آخذ من قضية الجزائر دليلا واضحا يؤكد لنا ان هناك لفرض النفوذ الثقافى الفرنسى المتصف بمظاهر النزاهة مصدرا سياسيا صريحا هو مبدأ السيادة الاستعمارية التى تنزع بشتى الوسائل وحتى بالعنف الى هدم المدارس واغلاقها واضطهاد العربية والتنكيل بأدبائها ومعلميها ، وكان من البديهى ان يشعر الجزائرى توه بجدة ذلك الباعث السياسى الاجنبى المسيطر على حياة الفكر بأسرها اذ انهم جعلوا من نضالهم الثقافى الواسع النطاق سلاحا سياسيا يعمل هو الاخر فى سبيل التحرير القومي ، وفى رد الفعل هذا ، حتمية تتعدى حيز الارتجال او العناد لان الامر يرجع  كله الى اليقين الحاسم بما يهدد المصير الجماعى ولو بسبب الحوادث التى تتراءى فى شكل ثانوى لمن يحسب لها حسابا زائفا كطوارئ لا صلة بينها وبين المبدأ الفتاك ، ولكن من ذا الذى يعمه عن الواقع وهو واحد لا يتجزأ في نظر المستعمر وعقيدته ، واحد لا يتجزأ فى وطأته القاسية التى ان داست الشعوب سحقت في نفس الوقت وبدون تمييز جميع ما تتكون منه شخصيتها وجميع ما تهفو اليه مطامحها نحو مستقبل خلاق محمل باسباب الترقى والحرية . ومن بين الخراب الشامل الذي تحدثه عربدة الاستعمار بعثها في حياة الشعوب المغلوبة على أمرها ، ومن خلال تلك العراقيل الجبارة الخانقة التى تتراكم كالجبال على عزة الشعوب المستعمرة ، سرعان ما ينبثق نفس ضئيل يتغلغل في ثنايا الاطلال ويتسرب الى الاعماق الكثيفة ويعمل عمله الخفي في أرض الوطن المشوهة بالدمار والدماء فيبدو فى أول وهلة للمستعمر المغتر بغلبته كأنه آخر رمق يردده الاموات ، ثم يزداد النفس قوة  فيتحول شيئا فشيئا الى وعي مشترك لا تنفصل فيه الحاسة الوطنية عن  عبارتها الاصيلة ، وهي لسان الثقافة بأتم المعنى ، ثقافة الاضطراب و النضال الخارجة عن نطاق الكتب الممزقة المحرقة وعن نطاق المدارس بالدراسات فيعملها في طيات الصدور وتلهج بها السنهم بين صفوف المحاربين وفى زمرة المعذبين وكأنها روح البعث المصفاة عنه ترجع الى اصل الكون لتحدده

وليس هذا من باب المجاز والتصوير الرمزى فانه وقع بالفعل تقريبا فى الجزائر منذ أكثر من قرن حينما شن الاستعمار غارته الشعواء على البلاد وتوغل بعدوانه الشنيع في صميم الشعب طوال اربعين عاما من حرب طاحنة وعشرات السنين مما يسمونه فى استعاراتهم الملفقة " بالسلم الفرنسية"

وهي عبارة عن نهب مستمر وافقار منهاجى وضغط وابادة لا مثيل لهما فى تواريخ الامم الاخرى وبالرغم من ذلك كله فان العنصرين المعنويين الوحيدين اللذين واجها العدوان الاستعمارى من البداية الى حد الآن وكانا سببا فى خلق الكفاح المسلح وتكملة له معا ، هما الباعث السياسى والثقافة الوطنية حسب المفهوم العام الذى تتلخص فيه كالذخيرة والعتاد ، والنبع مشاعر القوة وتعاليمهم المأثورة وسلوكهم التقليدى واقتدائهم الواعي والغير الواعي بقيم التراث المشترك وحتى تأثرهم بعبر التاريخ القومى وان كانوا اميين الا ان هناك حالة روحية تشمل الاجيال وتوحد بينها وتكون من الشعب ظرفا امينا يحتفظ في أعماقه بكبائر الاحداث وأبلغها درسا ويسجل فى احساسه المتوارث على ممر العصور وفي مذكرته الزكية ، حصة بارزة من أصدق الانطباعات والانفعالات التى تنشأ عن كنه المصير الجماعى فى اطواره الحاسمة واصبحت تمتزج سليقة بالذات والفكر وتنوه كلها باباء القيم والنعرة العادلة والتضامن الفعال وايثار الحق على الباطل والقيام بالتضحيات فى سبيل الحرية والاستقلال وفي جهاد الجزائر اثناء القرن الماضى دليل كما قلنا على وحدة العاملين الاساسيين اللذين اثارا الشعب فى وجه الاستعمار الفرنسى اذ كانت هناك طبقة من الاقطاعيين تسعى الى التقرب من المستعمرين ومساهمتهم فى الحرب العدوانية والنهب وكانت هناك فى الارياف نخبة من المثقفين كانوا قد اوقفوا حياتهم على خدمة الفلاحين بالتعليم والنصيحة وساقتهم ظروف المعيشة والنشأ وتأثير الوسط يومذاك الى ان يتعودوا كذلك على مواجهة أشد الاخطار الطبيعية وغيرها فكانوا فى طليعة من ترأس حركة المقاومة فى ابادة العدوان الفرنسى ويكفى بالذكر عبد القادر بن محيى الدين وكان أكبر شعراء العربية فى عصره مع الاحاطة الواسعة بالثقافة التقليدية والتاريخ والالمام الكامل بما كان يجرى فى وقته من حوادث سياسية فى الشرق وحتى فى الغرب وبعدما عينته جماهير الفلاحين والمجاهدين اميرا على الحرب وشؤون الجماعة شرع فى انشاء الدولة الجزائرية من جديد فاختار لها اطارات وقادة من بين ابناء الشعب المثقفين الذين كانوا مثله يبغضون الاقطاعية والاستعمار على حد سواء وهكذا قد تبينت فى أول الامر بدون تلبيس ولا ريب ملامح الحالة السياسية فى الجزائر تجاه العدوان الاجنبى وكان ذلك بفضل رجال جعلوا من ثقافتهم الحقة العاملة السابقة العهد بخدمة الجماهير ومن وطنيتهم الواعية التى غذتها تلك الثقافة نفسها ، جعلوا من ذى وذيك اداة شاملة نادرة الحدة يحاربون بها فى آن واحد أعداء الشعب والحرية سواء كانوا من خونة الداخل أو من الغزاة النازحين الى البلاد وكان الاستعمار قد تيقن من حقيقة الوضع الاجتماعى فى الجزائر حسبما أحدثته ظروف الحرب وسطرت مذهبيه الرئيىسيين أغراض الاقطاعية المرتزقة من جهة وأهداف الشعب وقادته المجاهدين من جهة أخرى فراح يسعى وراء هدم الاسس التى نشأت عنها نخبة المثقفين وصغار

الفلاحين والصناع فاغتصب الاراضى الخصبة الشاسعة المدى ومنع من العمل جميع النقابات المهنية التقليدية ذات الانتاج الصناعى المتقن وشن الغاره على اللغة العربية وأحرق خزائن الكتب وخرب المدارس كما قلنا ولم يقتصر على ذلك فتتبع فيما بعد شعراء الملحون والزجالين والقصاصين الدين اضطروا للتعبير باللغة  الدارجة عندما اصبحت الفصحى مضطهدة غريبة فى وطنها .

و هناك ظاهرات بليغة تستلفت النظر في ميدان الثقافة لانها من أهم الاحوال والمواقف التى تمت الى علم الاجتماع بصفه اكيدة ، وخلاصتها ان حاجة الادب فى البلاد المستعمرة المناضلة فى سبيل استقلالها ، العديمة الامكانيات اللائقة ، أمر ماس لا بد من التعبير عنه ولو بلغة خام غير مهذبة ولو بلغة اجنبية ، يدل هذا على ان مفهوم الثقافة لا يعنى الشكل وتنميق اللفظ فحسب بل يتعداهما فى غالب الاحيان الى افصاح كلى عن اللب ، مصدره ضرورة الحياة المندفعة بوظائفها الجسمانية والروحية كالتغذية والتنفس والتفكير

واذا رجعنا إلى الثقافة الجزائرية من بدء العهد الاستعمارى الى الآن شاهدنا فيها تلك الظاهرات ورأيناها تخضع لحكم الضرورة الجبارة ليس فى التعبير فقط بل و في لهجة الاداء نفسها كلسان الحال السائد المهيمن على الخواطر الاحساس وهو الوضع الوطنى فى مقاومته الشاقة للعدوان الاجنبى , و بالفعل قد وجدت هناك ظاهرة أولى برز فيها شعراء شعبيون ينوهون بالكفاح والحرية كانوا يحظون عند الامير عبد القادر ويبجلون بالرغم مما عرف عنه من  شاعرية حقة واعتزاز باللغة الفصحى الا انه كان يحسب للموقف حسابه ويؤثر كمجاهد ومسير سياسى لحركة تحريرية تلك الصيغة من التعبير و النضال الفكرى عن السكوت الذي اراد منه المستعمرون القضاء الساحق على الروح الجزائرية ، ثم نرى تلك الظاهرة الشعرية ، وليدة الاضطرار والحرمان ، و هى تشتد قوة أثناء الثورات المتوالية فتوقظ العزائم وتطلق صرختها المدوية فى مقدم الرايات السود التى كانت ترفرف فوق صفوف المحاربين ايام الحاج محمد المقرانى ، وتخمد شيئا ما بعد ذلك شعلة القومية تحت وطأة الاستعمار المتزايدة العنيفة ويخيم على البلاد صمت طويل يوهم بالعدم والموت وهو بالعكس صمت تتكون فيه مرحلة انتقالية عويصة عجيبه ستفرج عقب الحرب العالمية الاولى عن ظاهرة أخرى تبشر بالرجوع الى الفصحى ولا سيما بتبديل ثقافتها الدينية المحضة وأساليبها التقليدية البالية الى أدب جديد اللهجة يغلب فيه الشعر القومى والمسرح ذى النزعة الاجتماعية والمقالة السياسية المكافحة و كان السبب في ذلك كله عودة الروح الوطنية ونشاة الوعى الصريح فى الاحزاب السياسية التى صارت تخرج بالتدريج من نطاق الهيئات البرجوازية الى فسحة الجماهير العاملة ، وان كانت الثقافة عرضة للاضطهاد والعراقل , محصورة الرقعة ، فان الروح الوطنية والكفاح السياسى بتطورهما المستمر ،

هما اللذان حملاها على الثبات فى اداء رسالتها وحتى على التجديد الثورى فى العبارة والمعنى .

اما الظاهرة الثالثة والاخيرة فكانت أدل من غيرها على حاجة التعبير التى تخالج الشعوب عند ما تضطر قهرا لفقد الامكانيات الطبيعية اللائقة بثقافتها ، وتلت الظاهرة نصيب وافر من السخرية اذ تصبح لغة المستعمر سلاحا بين أيدى المستعمرين العزل وكأنك بالسهم المسموم يرد الى نحر رامية !

فأننا نلاحظ زيادة على دافع الضرورة أن هناك فى التعبير المحتوم لهجة خاصة ليست في شئ باللهجة المعهودة عند ذوى اللغة المستعارة ، طغاة كانوا أو تقدميين وانها تفصح عن وضع بذاته وروح أصيلة يغذيها الاحساس المشترك وتغذيتها الوطنية وتزيدها أصالة شتات وملامح من حكمة الشعب وعزيمته الثورية المندفعة نحو قلب الاوضاع الاستعمارية وتبديلها بوضع سليم ايجابى فلا غرابة اذن أن يكون الادب الجزائرى المكتوب بالفرنسية أدبا مستقلا عن اللغة التى يعبر بها ، متخلصا من روابطها العاطفية والعنصرية ، فأنه بضرورة الحال وبفضل الباعث القومى الذى أخرجه فى ظروف ما الى الوجود كائن ثقافى تتلخص فيه معانى الثقافة المناضلة .

ان كل ما سبق من عرض تلك الظاهرات الثلاث وتحليل عبرها لجدير حقا بأن يكفل للثقافة الجزائرية ولمثلها اداء متزايد الحدة فى خدمة الشعب ونيل ما تهدف اليه الثورة منذ قيامها فى وجه الاستعمار وسوف تنشأ ظاهرات اخرى تبرهن فى المستقبل عن مكاسب تلك الحركة التاريخية التى ترمى قبل كل شئ الى التحرر والترقى وسوف تتوحد الثقافات الافريقية الآسيوية لتجعل من تجاربها المتبادلة ومن قوة تعبيرها ومن روح الكفاح التى تمتاز بها نوعا جديدا من القيم الانسانية العالمية وبعد ان كانت عبارة عن تيقظ مستمر تجاه العدوان الاستعمارى القديم ستصبح الآلة الحاسمة الكبرى لتصفية البقايا الاستعمارية القذرة التى تكمن الى حد الآن في الكثير من البلاد الافريقية الآسيوية .

اشترك في نشرتنا البريدية