من هو العربي ؟ كل من تكلم العربية وتثقف بالثقافة العربية وشارك فى العواطف العربية فهو عربي . العروبة فى عصرنا لا تمثل عنصرا واحدا من البشر . إنما رابطة ثقافية مفتوحة لكل العناصر البشرية . فمن نحو المائة والخمسين مليون عربي في العالم اليوم الاقلية هم الذين يحملون الدم العربى الخالص . وقد نجد عربا من أصل غير عربي أكثر تحمسا للعروبه وللعربية من عرب من أصل عربي . أى إن القومية العربية تحتوى على شعوب من عناصر مختلفة انصهرت في البودقة العربية . فبين العرب اليوم من هو من اصل تركي أو كردى أو فارسي أو قفقاسى أو يونانى أو عبرى أو بربري او فينيقي أو قبطي أو هندى أو حبشي الى غير ذلك من الاصول . ثم ان بعض العناصر الغربية ربما تكون قد دخلت العروبة عن طريق التزاوج أيام الحروب الصليبية قديما وعن طريق الاتصال الثقافي بين الغرب والعرب فى عصرنا هذا .
فالعروبة اليوم يمكن ان تقاس بالتأمرك فى الولايات المتحدة الاميريكة ، فالتأمرك مفتوح لكل من يستوطن الولايات المتحدة ويتثقف بالثقافة الامريكية من جميع أجناس الكرة الارضية . كذلك القومية العربية فهى مفتوحة لكل من يريد ان يصبح عربيا بقطع النظر عن الاصل او الرس . ان مقومات القومية العربية هي اللغة العربية ووحدة الوطن والايمان المشترك والثقافة المشتركة .
ان انتشار اللغة العربية والقومية العربية بين اقوام ليسوا من أصل عربي انما يرجع الفضل فيه الى الاسلام . ويصدق هذا بصورة خاصة على اقوام شمال افريقية . فأبناء شمال افريقية يعتبرون العروبة والاسلام كلمتين مترادفتين تقريبا . هذا وإن أى قطر من أقطار العالم يمكن اعتباره عربيا فيما إذا قرر أكثرية سكانه التكلم بالعربية .
ان العالم العربي يمتد اليوم جغرافيا من خليج البصرة (*) شرقا الى المحيط
الاطلسي غربا ، ومن البحر المتوسط وجبال طورس شمالا الى المحيط الهندى والصحراء الافريقية جنوبا .
العروبة والاسلام : لقد ظهر الاسلام فى جزيرة العرب كرسالة لبني الانسان فى كل مكان . كما نزل القرآن الكريم باللغة العربية ، وهذا جعل العديد من الشعوب غير العربية تختار اللغة العربية كلغة لها بعد اعتناقها الاسلام . ولذلك فان الحضارة العربية فى أوج ارتقائها وعزها مدينة الى الاسلام . والاسلام ذاته جاء معترفا بتعدد الشعوب والاقوام وهو يدعو الى التعارف والتآلف بين بني البشر . وليس فى الاسلام تفوق لشعب على آخر الا بالتقوى . فقد جاء فى القرآن الكريم قوله تعالى : " يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم . . " ) ( الحجرات 13 ) ان المجتمعات الاسلامية تتكون فى معظم الحالات من عناصر متعددة والاسلام يؤلف ويؤاخي فيما بينها اذ لا تمييز عنصرى فى الاسلام .
وكان أكثرية المسلمين حتى بعد الحرب العالمية الاولى يجمعهم ويوحدهم الولاء " لخليفة المسلمين الذى كان يحكم نيابة او خليفة عن الرسول عليه الصلاة والسلام . وكان الخليفة يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية اذ أن الاسلام لا يفصل الدين عن الدولة . وفي عهد الامبراطورية العثمانية كان الخليفة العثمانى من أصل تركى وكان العرب كسائر شعوب الامبراطورية العثمانية شركاء فى الدولة العثمانية ومنهم من أشغل أعلى المناصب فى تلك الامبراطورية . وكانت اللغة العربية محترمة ومقدسة ذلك لانها لغة القرآن الكريم . وكان المسلمون يتعلمونها بدافع ديني لا بدافع قومى . وكان الانسجام سائدا بين الدين والدولة وبين العروبة والاسلام حتى بداية هذا القرن . ثم قامت حركة الشباب التركى الداعية الى القومية التركية قبل الحرب العالمية الاولى فقضت على ذلك الانسجام . ثم جاء مصطفى كمال ( اتاتورك ) بعد الحرب العالمية الأولى فالغي الخلافة الاسلامية التى كانت اسطنبول آخر عاصمة لها. وبذلك أصبحت الدولة العثمانية شعوبا ودولا متفرقة وحتى متباعدة احيانا.
نشوء القومية العربية الحديثة
على اثر قيام الحركات القومية فى اروبا فى القرن التاسع عشر جيء ببذور الفكرة القومية الى الدولة العثمانية وبدأت هذه البذور تنمو بسرعة اذ قامت
حركة الشبان الاتراك فى أوائل هذا القرن تتحمس للقومية التركية وتحاول " تتريك " الشعوب المختلفة التى تتكون منها الدولة العثمانية ومن ضمنهم الشعوب االعربية . فقام جماعة من الشباب العرب الذين كانوا يدرسون في اسطانبول بتاليف جمعيات سرية تدعو الى القومية العربية كرد فعل ازاء القومية التركية .كما قام الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون في باريس بعقد مؤتمر عربي فيها قبل بداية الحرب العالمية الاولى .وفى بيروت ( لبنان) قامت المعاهد الأجنبية ولا سيما الفرنسية والامريكية منها بنشر الثقافة العربية وتشجيع القومية العربية .كل هذا حدث قبل الحرب العالمية الاولى . ولما انتشر هذا الوعى القومى العربي في سائر انحاء الدولة العثمانية وجدت آراء تدعو الى الأخذ بمبدأ اللامركزية على اساس البقاء ضمن الدولة العثمانية تقابلها آراء تدعو الى الانفصال والاستقلال عن الدولة العثمانية وذلك بعد ان تحكمت فيها القومية التركية .
تغلبت الدعوة إلى الاستقلال والانفصال عن الدولة العثمانية كرد فعل للحدة التى اتخذتها حركة " التتريك " التى قام بها الشبان الاتراك وجمعية الاتحاد والترقى العثمانية . وقد قامت كل من بريطانية وفرنسا بتشبجيع حركة الانفصال عن الدولة العثمانية مستغلين العواطف القومية عند الشباب العربى . خلال الحرب العالمية الاولى . وجد القوميون العرب الفرصة سانحة لتحقيق آمالهم القومية ووجدوا في شخص الشريف حسين حاكم مكة وحامي حرمها الشريف زعيمهم المنشود . اذ اعلن الثورة على الدولة العثمانية والتف حوله العديد من الشبان العرب الذين يمثلون عدة اقطار عربية كالعراق وسورية ولبنان وفلسطين ومصر . وكان الشريف حسين قبل إعلانه الثورة العربية قد تبادل الرسائل مع السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في القاهرة . وتم الاتفاق بينه وبين السير هنرى على ان تعترف الحكومه البريطانية بقيام دولة عربية كبرى تتكون من شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب (العراق وسورية والاردن وفلسطين ولبنان ) بزعامة الشريف حسين . وبعد أن أعلن الشريف حسين الثورة أصبح ملكا كما نودى باسمه خليفة للمسلمين ولكن ذلك النداء لم يدم طويلا . قامت فى البلاد العربية حملة دعائية واسعة تدعو لبعث أمجاد الامة العربية . وقام ابناء الشريف حسين : على وعبد الله وفيصل وزيد بقيادة الجيوش العربية التى طاردت الاتراك العثمانيين فى الحجاز وسورية وسيناء . ودخلت الجيوش التى قادها فيصل سورية . فتأسست في سورية دولة عربية واصبح فيصل ملكا عليها . وكان فيصل قد
جمع حوله نخبة من الشباب القومى المثقف من سائر انحاء العالم العربى ، وبذلك أصبحت سورية أول مركز للاشعاع القومى العربى فى التاريخ المعاصر . ولكن الفرحة بهذا النصر لم تدم طويلا . ذلك لان حلفاء العرب بريطانية وفرمسا قامتا بعمليتي غدر ونكث للعهود المقطوعة للعرب لا يمكن أن تغتفرا :
الأولى هي اعلان وعد بلفور الذى صدر فى 2 نوفمبر ( تشرين ثانى ) 1917 وهو عبارة عن رسالة فى صفحة واحدة حررها اللورد بلفور ( وزير خارجية بريطانية ) الى اللورد روتشايلد يقول فيها :
" ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين الرضا الى تأسيس " منزل قومي " فى فلسطين للشعب اليهودى وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف . على ان يفهم بوضوح بألا يحدث شئ يمكن أن يعتبر متحيزا ضد الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود فى فلسطين . أو أن يضر بالحقوق أو الاوضاع السياسية التى يتمتع بها اليهود فى أى بلد آخر " .
وعملية الغدر الثانية هي اتفاقية " سايكس - بيكو " السرية والتي بموجبها اتفقت فرنسا وبريطانية ) خلف ظهر العرب ( على تقسيم الهلال الخصيب فيما بينهما . ففرنسا تبسط هيمنتها على كل من سورية ولبنان . وبريطانية تبسط هيمنتها على كل من العراق وشرق الاردن وفلسطين . هذا وكان لثورة اكتوبر 7191 الشيوعية الفضل فى كشف أسرار هذه الاتفاقية .
من المعروف ن العرب تحالفوا مع بريطانية وفرنسا فى الحرب العالمية الاولى معتمدين على التصريحات التى اعلنها الحلفاء أيام الحرب والتى ادعى فيها الحلفاء بأنهم جاءوا للبلاد العربية كمحررين وليس كفاتحين . ثم ان الرئيس ولسن رئيس الولايات المتحدة الامريكية أعلن مبادئه التى تتضمن مبدأ حق الشعوب بتقرير المصير الذاتى وهو المبدأ الذى تمسك به العرب في المطالبة بحقهم في الحرية والاستقلال . هذا وقد مثل الامير فيصل ابن الحسين امام مؤتمر الصلح فى فرساي سنة 1919 مطالبا بحق الامة العربية فى الحرية والاستقلال . وقام رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسن بايفاد بعثة كنغ - كراين الى سورية التى كانت تشمل فلسطين للتحقيق عن رغبة سكان هذه البلاد في نوع الحكم الذي يرتضونه . فطلب الجميع الحرية والاستقلال . ولكن كل هذه الامال والاحلام تضعضعت اذ تأسست عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى وأقرت انتدابا فرنسيا على سورية ولبنان انتدابا بريطانيا على
على العراق وشرق الاردن وفلسطين كما تضمن الانتداب على فلسطين صيغةاعلان بلفور المشؤوم ، فبدأ العرب بعد هذه الخيبة بكفاح جديد ضد حلفاء الأمس وذلك لتحقيق أمانيهم القومية فى الحرية والاستقلال .
الكفاح العربي من اجل التحرير فى حقبة ما بين الحربين العالميتين :
1 - كل ن اعلان بلفور صدمة عنيفة صدم بها الملك حسين ملك الحجاز . اذ قاومه مقاومة عنيفة واختلف مع الحليفة اختلافا اساسيا الامر الذى ادى الى ان يتنازل عن عرشه فى الحجاز وأن يعيش غريبا فى جزيرة قبرص حتى وافته المنية .
2- ان الملك فيصل ابن الحسين لم يجلس طويلا على عرش سورية ذلك لان فر نسا احتلت سورية ولبنان بالقوة العسكرية وفرضت انتدابها على كل من سورية ولبنان حتى نهاية الحرب العالمية الثانية . فما كان من الملك فيصل الا ان يغادر سورية الى لندن .
3 - خلال الحرب العالمية احتلت بريطانية معظم اجزاء القطر العراقي الذي وضع بعد الحرب تحت الانتداب البريطانى تنفيذا لاتفاقية سايكس - بيكو فقام القوميون في العراق بالتعاون مع علماء الدين فى كل من النجف وكربلاء والكاظمية وقبائل الفرات الاوسط فأشعلوا ثورة عارمة ضد الحكم البريطاني . ولما وجدت بريطانية ان حكم العراق المباشر يكلفها تمنا باهضاا قررت أن تمنح العراق الاستقلال وان تلبى رغبة العراقيين بأن يصبح احد أبناء الشريف ( الملك ) حسين ملك الحجاز ملكا على العراق . وقد سمى الملك فيصل الذي كان قد خسر عرشه على سورية ملكا على العراق . وسافرت بعثة من زعماء العراق الى مكة المكرمة موجهة الدعوة للملك فيصل وطالبة موافقة والده الملك الحسين على هذا الاختيار . قدم الملك فيصل الى العراق وتوج ملكا في سنة 1921 .
ومع ان العراق كان خاضعا للانتداب البريطانى الذي اقرته عصبة الامم الا انه كان مرتبطا فى الوقت ذاته بمعاهدة ثنائية مع بريطانية العظمى . ولما كانت المعاهدة مع بريطانية هي معاهدة القوى مع الضعيف . فكان العراقيون يكافحون المعاهدات المتتالية التى تبرمها بريطانية مع الحكومة العراقية . فقد كانت المظاهرات والاحتجاجات الوطنية مستمرة . وفى سنة 1929 انتحر رئيس
فالخلاف الذى دب بين المهاجرين والانصار يومئذ يمكن اعتباره مجرد نزاع على النفوذ السياسي وفيه مشابه قوية من المنازعات القبلية المعهودة فقد كانت كل من الطائفتين تستظهر من أجل استحقاقها الخلافة بما قدمته فى سبيل الدين الجديد .
أما المعارضة الدينية فلا تعدو في الحقيقة موقف على بن ابي طالب - رضه - وان كان لم يشهد اجتماع السقيفة ، غير ان موقفه لم يكن ليخفي على الحاضرين ، ولا يبعد ان يكون له من بين أعضاء السقيفة أكثر من مؤيد ،
ولا نعتقد ان فكرة الوصية بالخلافة ظهرت متأخرة عن زمن الرسول أو هي فكرة آل البيت وحدهم ، فقد كانت على الاقل احتمالا قائما فى الاذهان آنذاك الى جانب فكرة الاختيار فى دائرة الشورى .
ونعلم ما أفضى اليه اجتماع السقيفة ، فقد بويع لأبى بكر بعد نزول الانصار للمهاجرين عن الخلافة ، وحسبت المعارضة بينهما لكن لم يحسم مشكل الخلافة أصلا . فقد ظل تفكير طائفة من المسلمين منصرفا الى وجوب رد الخلافة بالوصية فى آل بيت النبيء قطعا لاسباب الخلاف السياسى بين الاحزاب ، سواء بين المهاجرين وبين الانصار كما حدث فى السقيفة أو بينهم وبين غيرهم . لكن فكرة الوصية لو ظلت بهذا المفهوم لكانت تدبيرا سياسيا صرفا لا يشفع لها بالغلبة على التيارات السياسية الاخرى المتعددة ولذلك فهى ليست هى فكرة آل البيت ، لان الوصية عند هؤلاء ليست فكرة سياسية أو فكرة المقصود منها التبرك بالنبوة بل هي فكرة دينية خالصة ، قوامها أن الهداية الالهية ضرورية للاجتماع البشرى . وهاته الهداية تكون بواسطة الانبياء والمرسلين وتكون من بعدهم بواسطة الحواريين والائمة ، فهم الاوصياء، وكل امام ينص عمن بعده الهاما من الله وحكمة .
ولذلك فالتفكير الشيعى ، وهو أكثر تدينا من هذه الناحية ، قائم على كون على هو الذي اختاره النبى ( ص ) للامامة بعده ، ونص عليه نصا صريحا فى حديث غدير خم المشهور : "كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ، وربط الشيعة هذا الحديث بقوله تعالى : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم " ، وقالوا قرن الله عز وجل طاعة الائمة عليهم السلام بطاعته وطاعة رسوله ، فلو كان للناس أن يقيموا اماما تجب طاعته باقامتهم اياه ، لوجب كذلك ان يقيموا نبيا والها كما فعلت الجاهلية !
ونحن نعتقد أن الشبعة كانوا ولا يزالون أتقى وأقوى اعتقادا من سائر المسلمين لتفكيرهم ذاك بالامامة .
وقد يقال كما قيل في الرد على فكرة الامامة لو كان الله سبحانه وتعالى أراد الامامة بعد النبوة لوضح ذلك توضيحا ما بعده توضيح ، ولما وقع خلاف بين المسلمين فى الامامة بعد وفاة الرسول . لكن الرد على ذلك القول يمكن أن يكون بسيطا فى ساطة الاعتراض ، وهو ان ارادة الله أسمى من كل افتراض منطقي ، ومن يدرينا أنه جعل فى ذلك الخلاف وفي الامور الخلافية الأخرى سعادة المحقين وشقاوة المبطلين .
ولذلك قلنا ان اجتماع السقيفة وقع تهويل كثير لما حدث فيه ، واتخذ باطلا حجة للتشنيع على الصحابة وعامة العرب والمسلمين طوال تاريخهم، بينما فى الحقيقة لا يعدو اجتماعا سياسيا ، وككل اجتماع سياسي يمكن أن نخرج الاطراف المتقابلة منه باتفاق عام او بنصف اتفاق أو بالانفضاض منه على غير اتفاق .
وقد وقع الخلاف والافتراق حتى بين الشيعة أنفسهم دون أن يمس ذلك بمبدأ الامامة في جوهره ، مما يدل على ان اجتماع السقيفة ليس بدعا من الاجتماعات ولا أسوأ أثرا .
ولقد ولد ذلك الخلاف في الحقيقة حركة فكرية قوية ، يشبه أن يكون ذلك الاجتماع منطلقا لها وبداية لظهور الفلسفة السياسية فى الاسلام . ولم تكن كل الاحداث المتصلة بقضية الخلافة وما صاحبها من ثورات الا احداثا زادت الفكر الاسلامي حدة ونفاذا لتعمق مشكلة الحكم ، تلك القضية الدائمة التى شغلت جميع المجتمعات فى جميع الاقطار والازمان .
ذلك ان نظام الحكم ليس هدفا في حد ذاته وانما سعادة الشعب هي الهدف ، ولما كانت الشعوب فى تفاعل مستمر مع نفسها ومع غيرها ويعتريها ما يعترى الكائن البشرى من التطور والنمو والانبعاث ، لزم ان تختلف النظم التى تتعاقب عليها لصلاحها بحسب أحوالها وأزمانها .
ولقد قرر ابن خلدون بحق ان العصبية الدموية وما التحق بها من ولاء وحلف وارتزاق تنزع بطبيعتها الى الغلبة ، والغلبة تكون الملك فالدولة، والدولة لا تستقر الا بتأييد العصبية التى كونتها ، او بعصبية جديدة تستعيض بها عن عصبيتها القديمة .
وزراء العراق انذاك السيد عبد المحسن السعدون ذلك لانه لم يستطع الحصول من بريطانية على ما يريده الشعب العراقي ألا وهو الاستقلال التام .
وفي سنة 1930 عقدت معاهدة عراقية - بريطانية ينتهى بموجبها الانتداب البريطاني على العراق فيصبح العراق دولة مستقلة ويدخل عصبة الامم سنة 1932 كعضو مستقل . ومع أن هذه المعاهدة اعترفت بالكيان العراقي المستقل الا انها لم تحقق كل مطامح القوميين ذلك لانها ضمنت لبريطانية قواعد جوية فى العراق ومنحتها امتيازات سياسية واقتصادية .
ولما استقل العراق واصبح عضوا فى عصبة الامم اتجهت السياسة القومية العراقية إلى خدمة الاقطار العربية الاخرى والتعاون معها فى سبيل تحقيق الاستقلال والوحدة القومية . وقد دأبت الحكومة العراقية على استقدام المعلمين والاساتذة وقبول الطلاب من سائر الاقطار العربية بقصد ان يصبحوا رسلا يحملون رسالة العروبة فى الحرية والاستقلال والاتحاد بين الاقطار العربية .
وقد بذل العراق اهتماما خاصا ) فى الثلاثينات من هذا القرن ( لكسب مصر والتعاون معها فى سبيل نشر الفكرة القومية . كما اصبح العراق فى الحقبة ذاتها قاعدة للعمل من اجل فلسطين ويغذى الثورة الفلسطينية التى كان من قادتها فوزى القاوقجى . ثم ان الملك فيصل الاول بدأ باقناع الفرنسيين ليمنحوا الاستقلال لسوريا كما فعلت بريطانيا مع العراق . ولما لم تثمر تلك الجهود اصبح العراق قاعدة للسوريين الذين كانوا يجاهدون فى سبيل التحرير والاستقلال فى فرنسا .
4 - لم تنضم مصر الى الثورة العربية فى الحرب العالمية الاولى . ولكنها وقد كانت محمية بريطانية قامت تطالب باستقلالها وتناضل من اجل ذلك بقيادة الزعيم سعد زغلول باشا الذى اصبح رئيسا لحزب الوفد المصري ثم خلفه فى رئاسة الحزب مصطفى النحاس باشا الذى استمر فى زعامة الكفاح من اجل استقلال مصر . وفي سنة 1936 تعاقدت مصر مع بريطانية فعقدت معاهدة بينهما شبيهة بالمعاهدة العراقية - البريطانية وبموجبها اصبحت مصر عضوا فى عصبة الامم .
5 - قامت سورية بثورات دموية متكررة ضد الانتداب الفرنسى ما بين
وقررت كذلك ان الدين وكل دعوة حق بصورة عامة تكسب العصبية قوة الى قوتها الطبيعية وتزيد فى اتساع ملكها والتمكين لها فى الارض ، وقرر ايضا أن الدول العامة الملك تستمر وتطول أعمارها بتجدد العصبيات فيها ، أى القوى السياسية التى تعضدها ، ولا تزال نظريته فى انتقال الخلافة فى الاسرات التى حكمت العالم الاسلامى أو أطرافا منه صحيحة . فقد رد استقرار الخلافة في العرب طيلة قرون عديدة ببقاء الغلبة لفريش فى العرب ، وبذلك علل صاحب المقدمة ما وجده من اشتراط النسب القرشي في كتب الاحكام السلطانية فى باب الامامة والخلافة .
ونفى أن يكون ذلك الشرط من باب التبرك بقبيلة النبىء ) ص ) وعليه فقد اعتبر ذلك الشرط هو شرط العصبية بصورة عامة واداه استقراؤه للتاريخ الاسلامى الى ان عامل العصبية كان وراء كل الانتفاضات والثورات والدول التى قامت فى الاسلام . ولذلك حمل محمل التهور خروج كل داعية أو ثائر دون حساب لقانون العصبية قبل الاعلان عن دعوته أو القيام بثورته .
اذن ، فعلاقة العصبية بالخلافة او علاقة الخلافة بالعصبية هى علاقة طبيعية قديمة قائمة بينهما بصورة جدلية منذ بداية الحكم فى الاسلام ، وليس فى تقرير ذلك أدنى غضاضة على منصب الخلافة ، اذا النبوة نفسها على ذلك ، فقد قضى الله سبحانه وتعالى الا يبعث رسولا الا فى منعة من قومه أى فى عصبية وقوة .
وقد تقرر من الوهلة الاولى فى أذهان المسلمين ان الخلافة هي خلافة رسول الله على رأس الدولة الاسلامية فى شؤون الدين والدنيا معا . ولم يقم كما نعلم تفريق فى البداية بين الامامة والخلافة أو فصل بينهما .
الا ان الشيعة بعدما تبلورت عقيدتهم فى الامامة جعلوها - أى الامامة - اعم من الخلافة وتصوروا امكانية ان تخرج الخلافة من الشيعة دون أن تنقطع الامامة عنهم أى عن آل البيت .
ونحن نعتقد أن الخلافة والامامة لو ظلتا أمرا واحدا قبل التفكير الشيعى وبعده لما سقطت الخلافة كنظام ، ولما قام التصور في الفكر الاسلامي عامة بانفصال الامامة عن الخلافة . لان نظرية الحكم فى الاسلام ارتبطت بالدين من البداية ، وحتى بعد سقوط الخلافة العثمانية وظهور دعوات فصل الدي عن الدولة لم تستطع المجتمعات الاسلامية ان تخضع لمنطق فصل الدولة عن الدين .
وفي الحقيقة يمكن أن نعتبر ، لا من باب التصور ولكن من باب الواقع ، أن الخلافة لم تسقط بسقوطها على يد مصطفى كمال أتا ترك ، وانما سقط لفظها فقط أو مفهوم من مفاهيمها الكثيرة لدى الفقهاء . ذلك ان الشيعة الزيدية ، فضلا عن أهل السنة ، جوزوا امكانية قيام اكثر من خلافه فى بلاد الاسلام ، كما جوزوا خلافة المفضول مع وجود الافضل . ولما قام حكم الشيعة هنا بالقيروان ، ظل حكما بدون خلافة طيلة نصف قرن تقريبا.
ولذلك فالتلقب بالخليفة او الامير او الامام او السلطان أو غيره جائز ولا عبرة إلا بما وراءه وهو اعتبار الصفة الدينية والسياسية للحاكم المنتصب على رأس الدولة كما هى فى نفسه وكما يراها له دستور بلاده .
ولو ذهبنا نستقرىء الانظمة السائدة فى البلاد العربية والاسلامية الحديثة لوقفنا على سيطرة العامل الدينى فيها ، سواء فى مستوى القيادة او فى مستوى التشريع ، وكذلك فى الرؤيا المستقبلية التى تراها تلك النظم للعالم .
فالزعامات السياسية التى عرفتها تلك البلدان فى مضمار كفاحها ضد الاستعمار لم يظفر منها بقيادة الجماهير وتعبئتها للحصول على الاستقلال الا الزعامات الدينية او المعتضدة بالدين ، بينما الزعامات الشيوعية واللائكية ظلت هامشية وقليلة التأثير .
وفي عهد ما بعد الاستقلال بادرت كل القيادات السياسية الحاكمة بالاعلان عن تأكيد انتمائها للامة الاسلامية وارتباطها عضويا بمجموعة من مجموعاتها القومية .
وعادت من جديد الى السطح فكرة الوحدة العربية او الوحدة الاسلامية كاختيار أساسى فى سياسة تلك البلدان لمجابهة التكتلات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والمذهبية السائدة فى عالم اليوم . بينما كانت الوحدة حلما يراود بعض الزعماء والمصلحين ايام فترات كفاحهم العصيبة . وكل الحكومات القائمة اليوم فى البلاد الاسلامية ملتزمة فى تشاريعها بمبادئ الدين الحنيف ، وأخشى ما تخشاه هو ظهور معارضات دينية فى وجهها لسبب من الاسباب .
وما تأقلم الشيوعية في كثير من البلدان العربية والاسلامية وانكفاؤها عن مناهضة الدين الا دليل على تجذر الوازع الديني وقدرته الخارقة على احداث كل تغيير حاسم فى المجتمعات الاسلامية .
وكل الاشتراكيات التى ظهرت فى العالم العربى والاسلامي كان عليها قبل كل شئ أن تعرف نفسها بالنسبة للاسلام ، ولعل فيما حدث أخيرا لحزب البعث من تراجع الى ايمان صريح بالاسلام بعد تجاربه المريرة فى الحكم أبلغ دليل على حتمية أن يستلهم كل حزب ، يريد لنفسه النجاح ، القيم الاصيلة والمتجذرة فى وجدان أمته .
ان عددا من الزعماء السياسيين اليوم فى البلاد الاسلامية الحديثة عهدا بالاستقلال يدركون أن الاستعمار قد تخلى عن الكثير من مستعمراته مناورة لا هزيمة ، حتى لا ينتظر بحركات الكفاح الشعبى الاصيلة ان تجتثه من جذوره فى تلك البلدان ، وحتى لا يترك فرصة للشيوعية للتغلغل فى صفوف المقاومة الوطنية ، ولو كمجرد تكتيك واستراتيجية ، وحتى يمهد لعهد جديد من الاستعمار المقنع فى تلك البلدان .
واصبحت صورة الاستعمار الجديد واضحة مكشوفة فى أكثر من بلد من بلاد العالم الاسلامى ، ومن قال : " الدين أفيون الشعوب " ؛ فبالنظر للاستخدامات الرأسمالية والامبريالية له ، هو على حق ، ذلك أن من أسلحة الصراع الدائر اليوم بين الشيوعية العالمية والرأسمالية الدولية هو تدعيم الرجعية الدينية من قبل هذه ومقاومة التخدير الديني من قبل تلك .
ولذلك فان رد الفعل لدى تلك الشعوب المسلمة لم ينتظر طويلا . فقد ظهرت قيادات سياسية حديثة أسست حركة عدم الانحياز ، وتطور رد الفعل ، على يد قيادات ثورية أحدث عهدا ، الى الاعلان عن قيام نظرية ثالثة بين الشيوعية والرأسمالية هى النظرية الاسلامية . وذلك لوضع حد للعبة الدين فى أيدى الرأسمالية هى النظرية الاسلامية . وذلك لوضع حد للعبة ثوريا فى تقدم المجتمعات وتجديد الحضارة .
وليس من قبيل الصدفة ظهور تلك الزعامات السياسية الدينية الجديدة فى دول بترولية غنية ، ذلك ان كل الدعوات بما فيها الدعوات الدينية تتطلب مناخا ملائما للظهور فيه والنجاح والا فانها تبقى رهينة فى الاذهان والكتب حتى يقدر لها من ينهض لتنفيذها من المتحمسين لها ، وحتى يقدر الله لهم سببا يقوون به على عدوهم .
لقد تطلبت الدعوة الاسلامية نفسها أموالا لنشرها ، وكان عدد من الصحابة من كبار أغنياء قريش وكلهم نزلوا عن أموالهم ومكاسبهم
للرسول (ص ) لاقامة دعوته وتجهيز الغزوات وتمويل جيوش الفتح ، مصداقا لقوله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. "
ومعلوم من ناحية أخرى أن الهدف الذى تسعى اليه العصبية هو القوة والمنعة والغلبة ، وهذه كلها أمور لا تكون الا بالمال ، فالمال هو قوام الاعمال !
ولذلك فليس من باب الصدفة كذلك أن نرى القيادات السياسية الدينية الحديثة تبادر أول ما تبادر به بعد انتصابها بالسيطرة على موارد الثروة فى بلدانها وتأمم الاحتكارات البترولية العالمية فى أرضها وآخر ما حدث من هذا القبيل ما صرح به منذ أيام أحد مساعدى الزعيم الايرانى الامام آية الله الخميني بانه سيبادر اذا وقع تعيينه وزيرا للاقتصاد بتأميم الشركات البترولية في ايران ..
ولم تتردد الزعامات الدينية المعاصرة ، سواء كانت امامية او غير امامية ، من احتضان او استقطاب المعارضات السياسية التى تسعى مثلها الى اقامة مجتمع العدالة والاشتراكية .
وتشهد المجتمعات الاسلامية الحديثة تغييرا جذريا فى أنظمة الحكم التى أسلمتها اليها عصور الانحطاط والتدخل الاجنبى ، فبعد المحاولات الاولى التى قامت في سبيل تقييد الحكم المطلق دون الرجوع به الى الخلافة ، لان الخلافة كما يعتبرها بحق الوزير المصلح ابن أبى الضياف صورة استثنائية قامت وانتهت فى مدة وجيزة هي مدة الخلفاء الراشدين ، أما ما ظهر بعدها فقد اتخذ اسمها فقط - بعد تلك المحاولات فى تقييد الحكم الملكى المطلق تقلص عصر الملكيات الاسلامية بقيام ثورات عديدة أعلنت الحكم الجمهورى ، وهي صورة من الحكم احترز بشأنها المصلحون القدامى مثل خير الدين وابن ابى الضياف باعتبار ان النظام الجمهورى فى أصل تعريفه لا يعتبر غير القوانين الوضعية ، لكن ذلك الاحتراز زال بزوال مقتضياته ، وشهدنا قيام جمهوريات اسلامية اسما ودستورا .
وجابهت الزعامات السياسية الجديدة فى الأنظمة الجمهورية العربية والاسلامية الحديثة مشكلة انتقال الحكم بدون انتفاضات وانتكاسات .
ويظهر ان مبدأ الوصية هو المبدأ الذى نال ثقة أغلب الزعماء مؤسسى الجمهوريات الحديثة عهدا بالاستقلال ، لضمان الاستمرارية لمذهبهم بعدهم ،
الحربين العالميتين وكانت فرنسا تسحق هذه الثورات فى كل مرة . وبعد ان حققت كل من العراق ومصر الاستقلال ودخلا عصبة الامم . قامت سورية بالتفاوض مع فرنسا سنة 1936 في عهد وزارة " ليون بلوم " للحصول على الاستقلال وتوقيع معاهدة شبيهة بالمعاهدة العراقية - البريطانية . ولكن فرنسا لم تستمر بالتفاوض بعد سقوط وزارة ليون بلوم . فبقيت سورية تحت الانتدات الفرنسى ما بين الحربين العالميتين .
6 - وضعت عصبة الامم شرق الاردن تحت الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الاولى واصبح الامير عبد الله ثانى انجال الملك حسين اميرا على شرق الاردن .
7- ان اعقد قضية جابهت الامة العربية بعد الحرب العالمية الاولى هي القضية الفلسطينية وان برياطانية بوصفها الدولة المنتدبة على فلسطين ( الانتداب المتضمن اعلان بلفور ) شجعت الهجرة اليهودية والتوطين اليهودى فى فلسطين الامر الذى جعل الكثير من المزارعين العرب يجلون عن أراضيهم . قام عرب فلسطين بعدة ثورات وانتفاضات وكثير من المراجعات والاحتجاجات ونذكر على سبيل المثال ثورات سنة 1922 وسنة 1929 وسنة 1936 . وكانت ثورة 1936 من أوسع الثورات وأكثرها عنفا اذ جاءت نتيجة لتدفق السيل اليهودى الى فلسطين على اثر قيام هتلر فى المانية النازية . وكانت الحكومة البريطانية توفد " بعثات ملكية " الى فلسطين لتدرس الحالة واقتراح الحلول . واقترحت احدى هذه البعثات تقسيم فلسطين بين العرب واليهود . ولما هب العرب مقاومين بعنف اقتراح التقسيم أوفدت الحكومة البريطانية بعثة اخرى فأوصت هذه بأن فكرة التقسيم ليست عملية . وهلم جرا ..ونظرا لبروز هتلر على المسرح السياسي واحتمال وقوع حرب عالمية فكرت الحكومة البريطانية فى حل نهائى للقضية الفلسطينية فقامت بدعوى ممثلى الدول العربية المستقلة انذاك مع ممثل عن عرب فلسطين الى مؤتمر الطاولة المستديرة الذى عقد فى لندن سنة 1939 . وبعد ذلك المؤتمر نشرت الحكومة البريطانية وثيقتين هامتين :
الاولى تتعلق بالمراسلات التى تمت بين الشريف حسين ( شريف مكة انذاك ) والسير هنرى مكماهون المندوب السامي البريطانى فى مصر خلال الحرب العالمية الاولى . وقد ثبت من نصوص المراسلات ان فلسطين لم تستثن من المملكة العربية التى وعد بها الشريف حسين . فقد ورد فى المراسلات أن
فيجعلون الدستور ينص بالصفة على من يريدونه لخلافتهم ( الوزير الاول كما فى حالة نظامنا البورقيبي ونائب رئيس الجمهورية كما فى أنظمة أخرى .. ).
ومذهبهم ذاك في الوصية قريب جدا من المذهب الشيعى ، ذلك أن الامام يوصى بالامامة من بعده لاحد أبنائه ممن يختاره منهم ، ويعتبر اختياره الهاما من الله لا حرية له فيه .
وهنا ينتفي كل احتمال للنزاع بين ولده - أى بين أبناء الامام - وينتفي كذلك كل احتمال للاختلاف بين أتباع الامام فيمن يولى من ولده بعده ، ويعوض القداسة والعصمة فى مبدأ الوصية الشيعية أمران مقابلان فى الوصية الجمهورية هما حرمة الدستور وسداد نظر القائد .
وقضية تولى الرئاسة مدى الحياة نفسها هي صورة لا نجدها الا فى الامامة مدى الحياة ، واذا كان الزعيم الذى يمنح هذه الولاية هو حالة استثنائية فى نظر شعبه وفي الدستور ، فالامام هو بالاحرى حالة استثنائية فى نظر أتباعه وبمقتضى الدين .
واذا كان حب الرئاسة غريزى فى البشر ، فهو فى العرب أقوى وأشد للانفة التى تميزهم بسبب عراقتهم فى البداوة ، وقد أدرك ذلك ابن خلدون قبلنا ، ولذلك قرر أنهم لا ينقادون الا بسبب الهى كالنبوة أو الامامة او نحوها .
ولذلك فالزعامة الدينية اليوم قد بدأت في عدد من بلدان العالم الاسلامي تستعيد اعتبارها القديم بعد ان فشلت ألوان من الزعامات السياسية فى تحقيق مطامح الجماهير ورغائبها ، وفشلت كذلك فى تأمين مستقبل الدول والشعوب من الانتفاضات العسكرية ونحوها .
ولذلك فقد يكون أخطأ الرئيس السنغالى ليوبولد سنغور عندما وصم الزعامة الدينية الثائرة اليوم فى ايران بالرجعية والعودة بالبلاد الى حكم العصور الوسطى . وقد يكون خطره صادرا عن جهل بالاسلام ، ولا يعيبه ذلك رغم ثقافته الواسعة ، لانه قبل كل شئ رجل مسيحي مطبوع بالثقافة الفرنسية ، أو قد يكون تقديره راجعا الى أسباب تتعلق بميزان القوى السياسية فى بلاده ذات الاغلبية المسلمة .
وربما لا يختلف موقفه كثيرا عن موقف بعض الحكام العرب ممن لا يرتاحون لما يجري في ايران ، ذلك ان التعارض بين الزعامة الدينية والزعامة السياسية هو تعارض قديم مزمن ، ولم يستطع الحكام فى العالم العربي والاسلامى امكانية تصور حركات دينية غير ذات هدف سياسي ؛ لان امكانية الفصل بين الدين والسياسة امكانية غير قائمة الا فى عقول الزعماء عندما يصحون حكاما والا على لسان الزعماء الدينيين عندما يكونون فى المعارضة السياسية .
ومن الامثلة على ذلك من تاريخنا القومى بعد الاستقلال ما حدث فى لواقعة المشهورة بانتفاضة القيروان . وما تشهده فى السنوات الأخيرة من قصائد الحركات الدينية وخشية الحزب من احتمال وجود علاقة بينها وبين المعارضات السياسية فى الداخل والخارج واحتمال تأثرها بما يجرى على الساحة الدينية فى ايران وغيرها .
ولا تزال القيروان العاصمة الدينية لبلادنا ، ولا تزال كعبة افريقيا المسلمة ,ولا يزال رئىس الدولة يخصها بزياراته الدينية وممثله بها يشهد بحرص صلاة الجمعة وصلاة العيدين والمواسم ، حتى ليبدو وكأن ذلك أصبح من واجباته الرسمية ، ربما دونه فى ذلك بعض ولاة جهات اخرى من الجمهورية .
وبينما الحكومة لا تفتأ تؤكد تمسكها وتعلقها بمبادئ الاسلام وباشرافها على الشؤون الدينية ، بواسطة ادارة ملحقة بالوزارة الاولى ، تعمد بعض المجموعات من المواطنين الى خرق رزنامة الاعياد الدينية المسطرة وفق الحسابات الفلكية .
ولم تسكت الحكومة عن ذلك بل أكدت عدم تنازلها عن تحمل مسؤوليتها ، باعتبارها وحدها المتولية شؤون الدين فى البلاد ، بحكم النص فى الدستور على دين الدولة ، ولذلك فهى تعتبر أنه من واجب المسلم أن يلتزم بأوامرها ، فهي بمثابة امامه ، ومخالفة المسلم امامه تلزمه عقابه .
هذه بعض قضايا ومشاكل تتعلق بالزعامة الدينية فى القديم وفي عالم اليوم في البلاد الاسلامية بسطناها بقدر اجتهادنا والله أعلم .
المنطقة التى تقع غرب مدينة حمص تعامل معاملة خاصة نظرا لما لفرنسا من المصالح فيها . ومن الواضح والأكيد ان فلسطين لم تكن هي المنطقة المقصودة لانها لا تقع غرب حمص . فجاءت هذه الوثيقة دليلا ساطعا على عدم شرعية اعلان بلفور .
والوثيقة الثانية كانت الكتاب الابيض حول فلسطين الذى صدر سنة 1939 . وفيه محاولة لحل نهائى للقضية الفلسطينية على اساس منح فلسطين استقلالها بعد خمس سنوات على ان يدخلها خلال هذه المدة ( 75000 ) يهودى اى بمعدل ( 15000 ) سنويا . ان هذا الكتاب الابيض أقض مضاجع الصهيونية فقد قاومته الصهيونية العالمية بكل قواها . وما خفف من مخاوف الصهاينة هو ان العرب بدورهم لم يقبلوا بمحتويات الكتاب الابيض ! وبذلك بقيت القضية الفلسطينية بدون حل وجاءت الحرب العالمية الثانية .
8 - إن عرب شمال افريقية تحركوا بدورهم بين الحربين العالميتين فقد قام الزعيم المغربي عبد الكريم الخطابى بثورته العارمة ضد الاستعمار الاسبانى والفرنسى للمغرب كبدت الدولتين المستعمرتين خسائر فادحة قبل ان يتمكنا معا من التغلب عليها . كما قامت أحزاب وحركات وطنية تقاوم الاستعمار فى كل من الجزائر وتونس والمغرب . ففي الجزائر قام مصالي الحاج بتأسيس حزب وطني وكذلك جمعية علماء الجزائر . وفي تونس قام الحبيب بورقيبة يقود النضال الوطني على رأس الحزب الحر الدستورى وقام فى المغرب علال الفاسى يناضل على رأس حزب الاستقلال . وفي ليبيا كانت ايطالية الفاشية قد استخدمت أشد أنواع القسوة فى سحق المجاهدين الليبيين .
الحرب العالمية الثانية :
حين استعرت نار الحرب العالمية الثانية كانت أربع دول عربية تتمتع بالاستقلال النسبى هى : العراق ومصر والسعودية واليمن . ولكن الوعى القومى والكفاح من اجل الحرية والاستقلال كان قد سرى فى كل انحاء العالم العربى وكان للدين الاسلامى اثره البليغ فى اعداد ابناء الشعب للجهاد في سبيل تحرير بلادهم ولا سيما فى شمال افريقية . ثم تأسست منظمة الامم المتحدة ووضع ميثاقها الذي يعترف بحق تقرير المصير الذانى لكل الشعوب . ثم نشطت الشيوعية فى مكافحة الاستعمار الغربي ثم ان الاستعمار الغربي
نفسه ضعف وانهكته الحرب فلم يقو على مجابهة القوى العالمية الجديدة . كل هذه عوامل ساعدت الشعوب العربية التى كانت خاضعة للاستعمار أن تحقق استقلالها الواحدة تلو الاخرى . ولم تشذ عن القاعدة سوى فلسطين اذ ان احوالها تردت باستمرار بدل أن تتقدم منذ الحرب العالمية الثانية . وها نحن فيما يلي تعدد الدول العربية التى حققت استقلالها السياسي مند الحرب العالمية الثانية الى يومنا هذا :
1) لقد حققت كل من سورية ولبنان استقلالهما عن فرنسا فى نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة . وقد ساعدت كل من بريطانية والولايات المتحدة الامر يكية السوريين واللبنانين على تحقيق استقلالهم وذلك على اثر سقوط نظام فيشي في فرنسا . وقد وجها دعوة للقطرين للمشاركه فى مؤتمر سان فرنسيسكو الذي عقد لتأسيس " الامم المتحدة " وقد ضمن استقلال هاتين الدولتين بالمادة ( 78 ) من ميثاق الامم المتحدة والتي نصها :
" لا يطبق نظام الوصاية على الاقاليم التى اصبحت اعضاء فى " هيئة الامم المتحدة اذ العلاقات بين اعضاء هذه الهيئة يجب أن تقوم على احترام مبدأ المساواة في السيادة " . وبذلك لم يعد لفرنسا حق الهيمنة على هدين القطرين وقد تم جلاء فرنسا عنهما سنة 1946 .
2 ) فى سنة 1946 اعترفت بريطانية باستقلال شرق الاردن واصبح الأمير عبد الله بن الحسين ملكا على شرق الاردن .
في سنة 1949 جئ بالقضية الليبية الى منظمة الامم المتحدة وكانت ليبيا احدى المستعمرات الايطالية السابقة وقد أقرت الجمعية العامة للامم المتحدة استقلال ليبيا باقاليمها الثلاثة طرابلس وبنغازى وفزان كدولة اتحادية بعد ثلاث سنوات تقوم الامم المتحدة خلالها بالاشراف على اعدادها للاستقلال . وقد شهدت سنة 1952 ولادة دولة ليبية مستقلة .
4 ( فى سنة 1949 حين أقرت الجمعية العمومية وضع الصومال تحت الوصاية الايطالية لمدة عشر سنوات تحقق بعدها استقلالها .
(5 في سنة 1949أقرت الجمعية العمومية استقلال اريتريا على ان تدخل فى
اتحاد مع الحبشة . ولكن الحبشة استولت عليها فيما بعد واعتبرتها اقليما من أقاليمها . فهى ما تزال تكافح من اجل الاستقلال شانها فى ذلك شأن فلسطين .
6 ) كان السودان خاضعا للسيادة المصرية - البريطانية منذ سنة 1899 فى سنة 1951 منحته بريطانية الحكم الذاتى وفى سنة 1956 اصبح جمهورية مستقلة .
7 ) ان كلا من شعوب المغرب وتونس والجزائر قد ثار على الاستعمار الفرنسى مطالبا بالحرية والاستقلال . وفي سنة 1951 جىء بقضية المغرب الى اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة المنعقد فى باريس . وفى سنة 1952 جىء بالقضية التونسية . وفي سنة 1954 جيء بقضية الجزائر . وكنتيجة لكفاح شعوب هذه الاقطار منحت فرنسا تونس الحكم الذاتى سنة 1955 والاستقلال التام سنة 1956 ، وقامت فرنسا باعادة الملك محمد الخامس من منفاه فى مدغشقر ومنحت المغرب الاستقلال سنة1956. أما الجزائر فقد استمرت الثورة فيها مستعرة حتى سنه 1962 حين حققت استقلالها بعد ان ضحت بما يناهز المليون من ابنائها .
3 ) فى سنة 1960 حققت موريطانيا استقلالها .
9 ( فى سنة 1961 حققت الكويت استقلالها بعد ان كانت محمية بريطانية . واصبحت عضوا فى الامم المتحدة سنة .1963
(10 فى سنة 1967 اعترفت بريطانية باستقلال اليمن الجنوبي ( عدن وحضرموت ( بعد صراع دموى داخلى فى المنطقة .
11 ( فى سنة 1970 شهدت " عمان " حياة جديدة على اثر خلع السلطان قابوس والده عن العرش وحل محله ، فقد كانت سلطنة عمان معزولة عن العالم تعيش تحت جناح بريطانية . وبفضل السلطان قابوس خرجت من عزلتها .
12 ( فى نهاية سنة 1971 أنهت بريطانية حمايتها على مشيخات الخليج وبذلك ولدت ثلاث دول مستقلة هى البحرين وقطر واتحاد الامارات الذى يتكون من المشيخات السبع الباقية .
القضية الفلسطينية :
لو لا حرمان الفلسطين من حقوقهم المشروعة فى وطنهم لقلنا ان الاستقلال السياسي للبلاد العربية قد تحقق تقريبا . ولكن القضية الفلسطينية قد عكرت الاجواء السياسية لكل الحكومات العربية . ذلك لان الدول العربية كلها تعتبر نفسها مسؤولة عن تحرير فلسطين . هذا وان علاقات الدول العربية بالدول الاجنبية قد تأثرت سلبا او ايجابا بموقف هذه الدول من القضية الفلسطينية . ان عرب فلسطين وقد يزيد عددهم على الثلاثة ملايين هم أهل للاستقلال كأى شعب من شعوب العالم ان لم نقل اكثر أهلية من العديد من الشعوب المستقلة اليوم . ان الصهيونية العالمية استطاعت بمساعدة القوى الدولية الغاشمة ان تقلع الفلسطينيين من وطنهم فاصبحوا نازحين بدون وطن يعيشون في المخيمات وفي الغربة او خاضعين للاحتلال او الاستعمار الاسرائيلى . ان قضية فلسطين تشكل ولا شك تحديا صارخا للضمير العالمى فقد حرم الفلسطينيون من حقوقهم الشرعية والطبيعية فى وطنهم وحرموا من نعمة الحرية والاستقلال وديست مبادئ ميثاق الامم المتحدة ولائحة اعلان حقوق الانسان ولم يراع القانون الدولى كما انتهكت القواعد الاخلاقية و المقدسات الدينية فى كل ما يتعلق بالفلسطينيين . ثم ان القضية الفلسطينية تشكل خطرا دائما على السلم في الشرق الاوسط خاصة والسلام العالمى عامة
هذا ونود ان نوضح فى هذا المجال بأن عرب فلسطين ليسوا مناهضين لليهود من حيث هم يهود . فان اليهود قد عاشوا قرونا عديدة مع العرب بسلام وانسجام . فلو كان اليهود قد جاءوا الى فلسطين كلاجئين ليعيشوا بسلام مع سكان فلسطين الشرعيين لما وجدت مشكلة . فها ان الارمن الذين استقروا بعد الحرب العالمية الاولى فى كل من سورية لبنان يعيشون مع اخوانهم في هذين القطرين بوئام وسلام على قدم المساواة . اذ من المعروف ان العرب أناس كرماء عادة . وليس لديهم مركبات نقص او استعلاء ازاء الغرباء ولكن ما حدث هو ان معظم اليهود الذين قدموا الى فلسطين منذ الحرب العالمية الاولى هم صهاينة جاءوا يقصد الاستيلاء والاستعمار . انهم قدموا فى البداية تحت الحراب البريطانية ثم ما لبثوا ان تسلحوا بأحدث الاسلحة الفتاكة . وبأزقى ما انتجته العلوم الحديثة من تقنيات أروبية وامريكية . وانا لمن المعتقدين بان السلام فى الشرق الاوسط لن يستتب ما لم يحصل عرب فلسطين على حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها حق العودة الى وطنهم والعيش بحرية وسلام وفق ما يمليه حق تقرير المصير الذاتى .
وهذا يتطلب تخلى الاسرائيليين عن اطماعهم وعن مخططاتهم العدوانية والتوسعية فى قلب الوطن العربي . فالفلسطينيون مسلمين كانوا أم مسيحيين أم يهودا ينبغى أن يعيشوا معا كاخوة فى فلسطين . بلد المحبة والسلام البلد الذى يقدسه ابناء الاديان السماوية الثلاثة . هذا وان التحرير العربى من ربقة الاستعمار لن يكمل حتى يسترد الفلسطينيون حقوقهم المشروعة فى وطنهم فلسطين ويعيشون فيه عيشة حرة ديمقراطية
التوحيد العربى : هدف قومي أساسي
الى جانب مبدأ تحرير البلاد العربية وملازم له يقوم مبدأ توحيد البلاد العربية . فالوحدة العربية هى مثل أعلى يطمح الى تحقيقه كل قومى عربى . فالعالم العربى يشكل جغرافيا وتاريخيا وحضاريا كلا متكاملا . وان معظم الحدود السياسية القائمة بين الدول العربية اليوم هى حدود مصطنعة خلقها الاستعمار وليست حدودا طبيعية . فتقسيم سوريا الطبيعية مثلا الى سورية ولبنان والاردن وفلسطين لا يمثل واقعا حضاريا او جغرافيا . ثم ان الحدود بين العراق وسورية ليست بالحدود الطبيعية وكلاهما يشترك بالفرات والصحراء والعشائر البدوية . ويصدق القول ذاته على الحدود القائمة فى الجزيرة العربية بين لسعودية واليمن وبين اليمن الشمالى والجنوبى وبين هذه ودول الخليج كما يصدق القول ذاته على الحدود بين مصر والسودان وبين دول المغرب العربى الكبير .
ان وحدة العرب اليوم هى ضرورة حضارية تاريخية جغرافية اقتصادية وسياسية . وان من تشرب المبدأ القومى العربى لا يشعر بأن الوضع القائم فيما بين الدول العربية اليوم هو وضع صحيح أو انه يصح أن يدوم الى الابد . فالقوميون العرب متفقون على مبدأ التوحيد ولكن الاختلاف يظهر عند مجابهة الواقع السياسى العربى وعند التفكير فى التنفيذ . وها نحن فيما يلي نشير الى بعض نواحى الاختلاف .
(1الاختلاف حول المركزية : هناك من يعتقد بأن العالم العربي من الخليج الى المحيط يجب ان يكون دولة واحدة وله عاصمة واحدة ورئيس واحد . أي ان الامة العربية تكون موحدة المركز.
وهناك من يعتقد بأن العالم العربي يمكن أن يشكل أربع وحدات كبرى على
الاقل وهذه هي : الهلال الخصيب ، الجزيرة العربية ، وادى النيل وشمال افريقية ( اي المغرب العربي الكبير) . وبذلك تتعدد العواصم ويتعدد الروساء ثم تلتقي هذه الوحدات فى جامعة الدول العربية التى تبقى همزة الوصل بين جميع دول العالم العربى .
وهناك من يعتقد بتعدد الدول العربية بتعدد اقطارها وحكوماتها على أن يكون للجميع مركز للتنسق والتعاون فيما بين الدول العربية اقوى مما عليه جامعة الدول العربية القائمة اليوم وان يؤدى هذا التنسيق بالنهاية الى كونفدرالية عربية كبرى تضم كل الدول العربية .
2) الاختلاف حول اتباع الطريقة الصاعدة ام الطريقة النازلة فى الاتحاد : هناك من يؤكد على ضرورة توعية الشعوب والسير فى توحيد التربية والثقافة والمصالح الاقتصادية والنظم الاجتماعية والسياسية فيما بين الاقطار العربية قبل تحقيق الاتحاد . وهذا ما نسميه بالطريقة الصاعدة . وهناك من يرى ان يفرض الاتحاد من فوق فرضا من قبل رؤساء الدول او الحكومات عن طريق التشريع الذي يتفق عليه بين الحكومات وهذا ما اصطلحنا عليه بالطريقة النازلة .
(3 الاختلاف حول مبدأ التدرج : فهناك من يرى ان اى اتحاد يقوم بين البلاد العربية ينبغي ان يشملها جميعا ودفعة واحدة وهناك من يرى الاخذ بسياسة المراحل فى السير فى طريق الاتحاد فقد يبدأ الاتحاد بين دولتين او ثلاثة من الدول الراغبة فى الاتحاد ثم تنضم الى الاتحاد دولة رابعة وخامسة وهلم جرا وقد يبدأ الاتحاد في الحقل التربوى والاقتصادى ثم التشريعى والسياسي . فالفرق هو فى المرونة وفي التدرج .
ان طريقة توحيد الامة العربية يمكن ان تصبح موضوع جدل حي بين المثاليين والواقعيين من ابناء الامة العربية . وها نحن فيما يلى نقدم نماذج من المحاولات التى قامت بها بعض الحكومات العربية وهي تفكر وتسير فى طريق التوحيد وكيف أنها كلها باءت بالفشل . ونأمل ان يؤدى ذلك الى تقارب وتفاهم بين المثالين والواقعيين الذين يشتركون جميعا فى ايمانهم بمبدأ التوحيد :
1) ان الوحدة التى استهدفها الشريف حسين ( الملك حسين ) يوم اعلن
الثورة لعربية الكبرى فى مكة لمكرمة خلال الحرب العالمية الاولى منيت بالاجهاض نتيجة غدر الحلفاء ونكثهم لعهودهم .
2 ( فى سنة 1921 عقد مؤتمر فى سورية يضم زعماء قوميين من سورية والعراق ترأسه هاشم الاتاسى الذى أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية السورية . ان ذلك المؤتمر أعلن فى حينه وحدة سورية والعراق ولكن تلك لدعوة ذهبت أدراج الرياح بتسلط فرنسا على سورية وبريطانية على لعراق .
3 ) فى سنة 1943 قام نورى السعيد وكان رئيسا للورزاء فى العراق باعداد ما يدعى " بالكتاب الازرق " وهو كتاب سرى قدمه للمستر " كيسى" وزير الدولة البريطانى المقيم فى القاهرة ايام الحرب ، واقترح نورى السعيد فى الكتاب الازرق هذا قيام وحدة الهلال الخصيب الذي يضم العراق وسورية الطبيعية ( سورية ولبنان والاردن وفلسطين) . ان دولة الهلال الخصيب الموحدة تعترف بالحقوق الثقافية والمدنية الخاصة لكل الجماعات غير العربية وغير المسلمة التى تقع ضمن هذه الوحدة . وذلك يشمل مسيحي لبنان ويهود فلسطين بالطبع ولكن ذلك المشروع السرى لم يؤخذ به وبقى طي الكتمان .
4 ( فى سنة 1945 تأسست جامعة الدول العربية ولكن الجامعة العربية لم تحقق مطامح القومية العربية فى حقل التوحيد . صحيح ان المادة التاسعة من ميثاق جامعة الدول العربية تفسح المجال للدول التى تريد السير فى طريق التوحيد ان تفعل ذلك . ولكن هذه المادة بقيت حبرا على ورق الى يومنا هذا .
5 ) فى سنة 1946 دعا الملك عبد الله ملك الاردن السوريين الى تحقيق الوحدة مع الاردن . وهو المشروع المعروف بـ " سوريا الكبرى " وكان يؤمل جلالته ا ن يصبح ملكا على سوريا الكبرى ولكن هذا المشروع لقى احتجاجا شديدا ومقاومة عنيفة من قبل الحكومة السورية فى حينه .
6 ) فى سنة 1951 قدم ناظم القدسى رئيس وزراء سورية يومئذ مشروعا لجامعة الدول العربية يدعو فيه الى تحقيق وحدة عربية شاملة دفعة واحدة . ولكن هذا المشروع كان مفرطا فى المثالية فلم يجد له أساسا فى الواقع .
7 ) فى سنة 1951 طرح الملك عبد الله ملك المملكة الاردنية الهاشمية
مشروعا يدعو بموجبه الى توحيد المملكتين العراقية والاردنية تحت تاج واحد . ولكن ذلك المشروع لم ير النور اذ قتل الملك عبد الله قبل الاتفاق عليه مع الجهة العراقية .
8 ( فى سنة 1954 قدم كاتب هذه السطور بوصفه رئيسا للوزراء فى العراق انذاك مشروعا لجامعة الدول العربية تتحد بموجبه الدول الراغبة فى الاتحاد تدريجيا وبالطرق الديمقراطية . على ان يبقى الباب مفتوحا لكل الدول التى ترغب في الانضمام الى الاتحاد . لقد استهدفت فى بادئ الامر اتحاد سورية والعراق والاردن . وقد لقى المشروع مقاومة شديدة من داخل الاقطار العربية ومن خارجها .
9) فى سنة 1958 توحدت سورية ومصر وحدة اندماجية واصبحا يشكلان الجمهورية العربية المتحدة . واصبح الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة . وما حدث هو قيام حركة انفصالية فى الجيش السورى ادت ١ لى انفصام الوحدة سنة 1961 بحجة طغيان النفوذ المصرى على سورية .
10 ) دخلت المملكة اليمنية فى اتحاد مع مصر بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة وانتهى الاتحاد بانهيار النظام الملكى فى اليمن وقيام مصر بتأييد الحركة المناوئة للنظام الملكى عسكريا.
(11) فى سنة 1958 اتحد العراق مع الاردن فكونا الاتحاد العربى الهاشمي وذلك مقابل الوحدة بين مصر وسورية . وانتهى الاتحاد بعد انهيار النظام المكى فى العراق فى 14 جويلية تموز ( 1958 .(
12 ( في سنة 6319قامت محاولة لتحقيق اتحاد بين مصر والعراق وسورية ولكن المحاولة لم تثمر .
13 ( فى سنة 1964 فى عهد رئاسة عبد السلام عارف للجمهورية العراقية جرت محاولة اتحاد مصر والعراق ولكن المحاولة أخفقت .
14 ( فى سنة 1971 دخلت كل من مصر وليبيا وسوريا فى نظام اتحادى ولكن هذا الاتحاد سرعان ما اضمحل .
15 ( ان دول المغرب العربى الكبير الكبير ) ليبيا ، تونس ، الجزائر ، المغرب وموريطانيا ( كلها تتطلع الى وحدة المغرب العربى الكبير على اساس التعاون والتكامل بدون اندماج وعلى اساس السير فى هذا السبيل بتوادة واطمئنان فى شتى عناصر الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية . لقد فكر بعض الزعماء فى هذه البلاد بتحقيق وحدة فورية ثنائية او ثلاثية . ولكن هذه المحاولات لم تكن ناضجة ولم يهيأ لها .
(16 لقد بدأت سنة 1978 محاولة جديدة للاتحاد بين سورية والعراق مايزال يخطط لها ونرجو لها النجاح .
يظهر مما سردناه من محاولات الاتحاد أن الطريق الى التوحيد العربى ما يزال طويلا . وهناك فجوة واسعة بين المثاليين والواقعيين في هذا الصدد . وفى رأينا ان تحقيق الوحدة يتطلب تربية قومية أصيلة وتوعية فكرية نيرة . كما يتطلب تنمية العلاقات بين الشعوب فى شتى مناحى الحياة وعلى جميع الجبهات . وهذا يعنى اخضاع المصالح الانانية شخصية كانت او اقليمية للمصلحة القومية العليا.
ان العالم العربى غنى بالموارد الطبيعية وبالثروات المادية ولكن هذه الموارد وهذه الثروات لم توزع توزيعا عادلا بين الدول العربية ولو حصل ذلك وسادت روح الاخاء والتعاون لحققت الكثير من التقارب والتلاحم بين الشعوب وبين الحكومات . وهذا هو اساس الوحدة واقعيا.
ولكن القضية ليست بهذه البساطة فالقوى المعادية للعروبة والكتل والقوى السياسية الخارجية شرقية كانت أم غربية تقوم بدور التآمربالدس فيما بين الدول العربية التعرقل أية محاولة لتحقيق وحدة عربية صادقة .
فعلى العرب ان يتقووا اخلاقيا وروحيا ليحققوا الوحدة وبالوحدة يحققون القوة ولا شك !
الرقي والتنمية والتجديد كهدف قومي اساسي
يتفق القوميون العرب جميعا على ضرورة اعتبار الرقي والتنمية والتجديد قاعدة اساسية من قواعد نهضتهم الى جانب التحرير والتوحيد ، فقد دخل العالم العربى القرن العشرين وهو يعيش فى اساليب اجتماعية واقتصادية بدائية او ترجع الى القرون لوسطى . وقد بدأ العرب بتقدير التربية الحديثة
والاخذ بها علي نطاق واسع منذ الحرب العالمية الاولى ولكنهم ما يزالون في بداية الطريق . فالمهم ان ينتقلوا من عهود ما قبل العلم فى اساليب الحياة الى عهد تطبيق العلم على الحياة .
ليس للعلم لو التقنيات حدودا سياسية او عقائدية فهى واحدة لبني الانسان في كل مكان . ولكن ما يتعلق بالعلاقات الانسانية وبالمثل العليا والاهداف قد يختلف من حضارة إلى اخرى ومن أمة الى أمة . فلا يجوز لأمة ما تحترم ذاتها ان تستورد عقائدها وفلسفتها من الخارج . ولذلك فقد حصلت البلبلة فى العالم العربي في هذا الباب وبرزت انقسامات وتحزبات تضر مبدأ التوحيد أبلغ الضرر . وها نحن فيما يلى نشير الى اهم هذه الانقسامات :
أ) هناك من يعتقد بان البعث الاسلامى هو اسلم الطرق واصحها لنهضة العرب الحديثة . فبالاسلام بلغ العرب الذروة في المجد وفى الحضارة فيما مضي . وبالاسلام ينهض العرب اليوم كأمة حية نامية .
ب) هناك من يعتقد بأن المدنية الغربية بعجرها وبجرها هي المثال الذي يجدر بالعرب ان ينسحوا على منواله . فالاخذ بالعلم الحديث وبالنظم الديمقراطية العلمانية والاصلاح الاجتماعى المستمر كما هو معمول به في عربي أروبا والولايات المتحدة الامريكية هو ما نحتاج اليه ,
ج) هناك من يعتنق الماركسية ويدين بالمادية كعقيدة . هؤلاء يتجهون نحو الشرق وهم يقتدون بنمط من انماط الشيوعية : السوفيتيه او الماوية او التيتوية .
ومن المؤسف حقا ان الحوار الحر والتفتح على الحقيقة الشاملة فى الحياة وفي الوجود غير متوفر بين هذه الاتجاهات الثلاثة المتضاربة الا فيما نذر وفى الواقع لا توجد دولة عربية واحدة لحد يومنا هذا استطاعت ان تطبق حرفيا اى نمط من هذه الانماط الثلاثة : الاسلامية أو الغربية أو الشيوعية . وكل دولة تقبس قليلا أو كثيرا من منابع مختلفة ، والنتيجة تضارب وتباعد بين الدول العربية وفي داخل كل دولة عربية باسم العقائدية . ووراء هذه الفوضى العقائدية تكمن أمراض الجهل والتعصب والفساد والاستبداد الذي ورثه العرب من عهود الانحطاط .
نحن نرجو ونأمل أن تقوم النهضة العربية الجديدة على قواعد الايمان والاخلاق والعلم والعمل . على هذه القواعد يبنى المجتمع الديمقراطى الحر العادل وفيه تسود الرحمة والاخوة والكرامة والانسانية . ان العرب لا يجوز ان يقلدوا تقليدا سطحيا ببغائيا الشرق أو الغرب . بل عليهم ان يبدعوا وان يحتفظوا بشخصيتهم الحضارية ويقتبسوا ما هو خير ونافع من الشرق ومن الغرب بدون تعصب أو مركبات نقص أو استعلاء .
وأخيرا : فالكفاح العربى فى سبيل التحرير والوحيد والتجديد عملية حياتية مستمرة . نرجو ان يدأب العرب على استمرارية الكفاح لتحقيق أهدافهم بدون انقطاع .
" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله مع المحسنين (1) "
