مد اليها يده . . تحسس أصابعها الرقيقة ، فعلت ثغره ابتسامة شاردة ابتسامه ساخرة ، نظر الى ما حوله فرأى الاكف الغليظة تمتد اليه ، تصفق فتشتد . . . وتثقب أذنيه أصوات حادة صاخبة . . أصوات الفلاحين الممتزجة . . يصيح الأطفال ويهلل الرجال وتزغرد النساء . . وتمتد اليه الأعناق . . أعناق طويلة تحمل " كبابيس " حمراء قد اسودت حواشيها، فعادته ابتسامته الساخرة ، وود لو يصرخ فى وجوههم جميعا :
- اذهبوا كلكم الى الجحيم . . انتم كلاب - كلاب . .
ونظر اليها . . فلاحظ ابتسامة ملائكةية ترتسم على شفتيها . . فابتسم مرة أخرى ثم ضحك
- انها من سليقة هؤلاء الكلاب.
دخلا الغرفة . . فاستقبلتهما رائحة طيبة . . واستلقى منهكا على أريكة ملقاة فى ركن من اركان الغرفة . . وأخذت نظراته الشاردة تمتد الى كامل الأثاث الجديد . . الى السرير الذى سيحمل جسدين . . الى الخزانة الجديدة . . والمنضدة التى تحمل المرآة والعطور . . ثم استقرت نظراته على عروسه فى ثوبها الأبيض الشفاف ، وذابت فيها نظراته التائهة ثم كأنه عاد الى رشده:
- مالك واقفة يا سعاد . . أنت الآن فى بيتك . . افعلي ما تشائين
وأدار زر المذياع فاندفع نم عذب يترنم بأغنية جميلة . . أروح لمين.. وأقول يا مين . . فامتعض وأدار الزر مرة أخرى بعصبية فصمت الجهاز ؛
- روحى الى الشيطان . . العرب وأم كلثوم . . عضوان لا ينفصلان . .
وراحت نظراته تتيه عبر أرجاء الغرفة . . وكانت عروسه واقفة قد بدا عليها الوجوم والخجل . . ومرة أخرى استقرت نظراته على ثوبها الأبيض الشفاف.
- ألم تسمعي ما قلت . . اخلعي ثيابك ونامى ان شئت
انزلقت هذه الكلمات الى أذنيها غريبة . . انه قد جن هذه الليلة . . فتمثل " سارتر " أمام مخيلتها . . لا سامحه الله . . لقد استتبت العدوى .
ظل جالسا . . ثم انتفض واقفا وقد بدا على وجههه شحوب . . واتجه نحو النافذة فأزاح الستار وأرهف أذنيه الى الاصوات المختلطة الآتية من الخارج . . مازالت دقات الدربوكة تختلط بتصفيق الاكف وزغردات نساء الفلاحين . ونسى نفسه لحظة فغاب فى خيالاته . . مر ردح من الزمن اذا به يعود الى نفسه عندما خيم الصمت خارج الغرفة . . ثم بعض الهمسات تصل اليه لقد وقفت بعض النسوة خلف الباب يتحدثن بصوت خافت . فابتسم ثم أطلق قهقهة عنيفة :
- لقد ملت الجماعة الانتظار . . اسمعي هذه الهمسات . . انهم ينتظرون ..
وفجأة كف عن الضحك فعاد اليه وقاره:
- انهم كلاب . . انظرى الى هذه الرؤوس الصغيرة التى تطل علينا بأعينها الضيقة الثاقبة . . انها تكاد تثقب الجدار . . انهم كلاب . . كلاب . .
سألته عما به فقاطعها :
- لا شئ يا عزيزتى . . انهم ينتظرون . . ابعدى هذه الكلاب عنا . . انهم جياع . . جياع ولكنها لم تفهم ما قال لها . . فظلت واقفة وفى عينيها حيرة عميقة .
- لم تفهمى بعد . . طيب ارمى لهم قطعة قماش بيضاء.
وعندئذ فهمت ، فانفرج الباب وألقت منديلها الأبيض . . فعاد الهرج والمرج . . عادت الزغاريد ودقات الدربوكة تملأ ساحة المنزل الفسيحة ..
خلعت سعاد فستانها الأبيض وأبدلته بثياب النوم . . ثم استلقت فوق الفراش :
- وانت . . ألا تريد أن تنام - لماذا ؟ نحن ضذان
انتهت ليلة " الدخول " فبدا الاعياء على كل أفراد الاسرة ، فغاصوا فى نوم عميق بعد ثلاثة أيام قضوها متعبين . . كان السكون قد خيم على فناء المنزل عندما انزلق أحمد فى زقاق القرية . . وكان الليل قد انتصف اذ ذاك أو كاد . . فلم يكن فى الزقاق الطويل ما يثير انتباهه رغم أن الليلة ليلة صيف . . لقد نام سكان القرية سوى بعض المارة الداخلين الى منازلهم بعد أن أنهوا جولة طويلة فى لعبة الورق أو الخارجين منها الى الواحة المطلة حيث يقضون بقية الليل فى السواقى الطويلة الممتدة يتتبعون مسيرة الماء الى غاباتهم التى أتت عليها حرارة الصيف.
مضى فى الزقاق الطويل ، لا يكاد يلتفت الا ليرد على تحية أحد المارة.. وكانت افكار سوداء عنيفة تجول فى مخيلته . . لم يدر لماذا خرج من داره في هذه الساعة تاركا ملاكه مضطجعا فى ثوبه الابيض . . ومرت به جماعة من الفلاحين ، وعلى اكتفهم مساحيهم الحادة . . ولكنه لم يتفطن اليهم الا عندما انقطعت ضحكاتهم . فقال أحدهم.
- أليس هذا سى أحمد ولد الحاج عبد الله فأجابه صاحبه :
- انه بعينه . . انه يمشى راجلا . . وأين السيارة . . . فقال ثالث مستفهما
- وماذا يصنع هنا . . . أليست هذه ليلة . . دخوله ؟ فأجاب رابح متهكما
- انه قد جن . . لقد ترك عروسه تضاجع الوسائد .
وابتعدوا يتفكهون . . فلم يعد يسمع منهم سوى ضحكات طليقة فتوقف قليلا ثم عاد يمشى وعلى شفتيه كلمات مبهمة : - اذهبوا الى الجحيم . . انتم مجانين .
غاص فى الواحة الكثيفة ، فشعر براحة عميقة تملأ كيانه . . ولاح له نور مصباح ضئيل يكاد يموت بين النخلات المتناثرة . . فاتحة البه . . وبدأت تتضح له الطريق . . وعرف مكان المصباح انه كوخ العم ابراهيم . . فقرر أن يدخله . . نبح الكلب الرابض فخرج العم ابراهيم بعصاه الطويلة .
- من الآتى ؟
خير ان شاء الله
شعر العم ابراهيم بقشعريرة تسرى فى جسده . . ولكنه أجابه بعد أن استعاد شجاعته :
- ما وراءك الا الشر يا سى أحمد . . طبعا أتيت بالحرس الوطني .. . هذه المرة أيضا ولكن سوف لن تجد شيئا . . لن تجد شيئا ..
لقد تعود " أحمد " أن يأتي بالحرس ، فيفتشون الكوخ الحقير حتى يعثروا على " خابية الاقمي الميت " التى تدير الرؤوس . . ويمضى العم ابراهيم الى السجن ويظل فيه أسبوعا . . أو شهرا ثم يعود الى كوخه فيملأ الخابية مرة أخرى ماء نخيل مسكر . . ويعود يسكر الجماعة . . ولكن الخابية هذه المرة فى مأمن . . انها تحت الأرض
وذهب ما به من خوف وفزع عندما رأى على شفتى أحمد ابتسامة لاحت عريضة من خلال النور الشاحب المنبعث من المصباح الصغير
- هل عندك ما أشرب ..
لم يصدق أذنيه ولكنه تمتم فى ذهول :
تفضل ... تفضل ...
دخل " أحمد " الكوخ الصغير فوجد جماعة من الرجال جاثين بوجوههم الكالحة وأمامهم قلة " اللاقمي " وقطع لحم كلب ناضجة . . فجلس صامتا ثم طلب شرابا ولحما - فانطلقت قهقهاتهم تصم أذنيه :
- قلت لكم أريد أن أشرب مما تشربون . . ألم تسمعوا . مد احدهم اليه القلة وأضاف آخر قطعة لحم ..
شرب جرعة - ثم أخرى - وأدخل فى فمه قطعة لحم . . وحرك أضراسه . . اضراسه تطحن قطعة لحم كلب . . ثم توقفت عن الحركة . . فتذكر ما كانت تقوله أمه عندما كانت تحذره من مشاركة ابناء الفلاحين من أكل لحم الكلاب وقد كان صغيرا .
- اياك أن تأكل لحم الكلاب . . فانك ستبقى أسبوعا كاملا كلبا . . .
حرك أضراسه بشدة فأحس بقطعة اللحم تذوب . . ونظر الى الكسوة التى
يرتديها - لقد اشتراها منذ اسبوع فقط لتكون كسوة (( العرس )) فتذكر كلام أحد الفلاحين يحادث صاحبه عندما كانت سيارته تعبر زقاق القرية :
- انه برجوازى كلب . فابتسم وأخذ القلة حتى أتى على ما فيها . . ثم ضحك ضحكة قوية : - أنا كلب يا جماعة . . وانتم كلاب . . نحن جميعا كلاب وغاب عن الوجود . . فضحكت الجماعة . - مت كما تموت الكلاب ..
وجد نفسه يسير فى نفس الممر الملتوى المؤدى الى القرية . . كان النسيم يمر على النخلات المتناثرة فيحدث السعف نغمات رقيقة متماوجة . . ولمس بطنه المكتنز فأحس بقطع اللحم - لحم الكلب - تجول فى مصارينه . . ثم نظر الى كسوة الترقال التى يرتديها فعلت شفتيه ابتسامة ساخرة وتمتم .. برجوازى كلب . . حقا لقد صدق الرجل .
أحس بالتعب يلسع ساقيه ، فمال الى المقبرة القريبة . . ولاح له قبر أمه عندما بدأت ستر الظلام تنفجر عن فجر جميل . . فأحس بقدميه تجرانه اليه ، فأتاه متعبا وجلس على حافته ينشد الراحة ورفع يده الى مقلتيه فاحس بدمعة تنزل حارة على خده . . كم ودت أمه أن تراه عريسا . . لقد قالت له مرة : أعز أمنيتى يا ولدى أن أزوجك بنت حلال ثم أموت .
ورفع منديله فمسح عينيه الدامعتين وحاول أن يقف لكنه أحس بقطع اللحم تجول فى جوفه تغلى ثم تصعد الى حلقه . . وأحس بدوار فى رأسه فانحنى قليلا وأخرج ما فى جوفه . . وبعد دقائق شعر ببعض الراحة والهدوء . . فقام متثاقلا ثم التفت الى قبر أمه متمتما :
- سامحك الله يا أمى . . لماذا حرمت على أكل لحم الكلاب
وأخذ طريقه . . فأحس براحة عميقة تدخل كيانه . . واستعاد نشاطه عندما بدأت القرية تقترب شيئا فشيئا تحت نور الفجر الطالع . . بدأت جماعات الفلاحين تملأ الطرقات الملتوية وعلى أذرعهم السمر مساحيهم الثقيلة . . فشعر أحمد بطمأنينة تدخل روحه وكيانه وحياه الشيخ صالح وهو راكب حماره تحية الصباح . فرد عليه أحمد :
- صباح النور يا عم صالح . .
ودخل غرفته فوجد عروسه قد ذهب بها النوم . . فأثار فيه جسدها شهوة عارمة فأتاها وكان التحاما وذوبانا . .
م - ب
