الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

الكوميديا الالهية بين دانتي والاسلام

Share

. . العالم المستشرق " آسين بلاسيوس . استاذ اللغة العربية في جامعة مدريد اعلن في كتاب ظهر في سنة ١٩١٩ بعنوان الاسلام والرواية الالهية . ان الشاعر الفلورنسى الشهير " دانتى " قد حاكى التقاليد الاسلامية في الكوميديا الالهية

وقد أثار ظهور هذا الكتاب جدالا حادا في الاوساط الادبية في الغرب ، فاشتد الخلاف بين كبار النقاد والباحثين . . كما كان وثيقة هامة واضحة الادلة على ان الآثار الأدبية الخالدة في الثقافة الغربية قد استمد - معظمها مقومات وجوده من فروع الثقافة الاسلامية والشرقية القديمة . . لهذا . . وما للموضوع من مساس بحياتنا الفكرية وثقافتنا الاسلامية . . انقل للقارئ على هذه الصفحات مجمل افكار المستشرق الحر وبراهين بحثه النزيه الذي ترجم الى الانكليزية حديثا ، وتتناوله ايدى المثقفين في الغرب الآن .

فالاستاذ بلاسيوس أحد الاعلام المتخصصين فى فلسفة الاسلام وطرقه الصوفية . . وله فى الشاعر دانتى رأى مخالف لمذهب العلماء في موضوع الرواية الالهية . . فلا عجب بعد ذلك ان اثار كتابه الجدل فى عالم الفكر الغربى . لانه ذهب الى ان الشاعر العبقرى مدين فى كثير مما كتبه للثقافة الاسلامية عامة . . والتقاليد  الصوفية على وجه الخصوص .

وبلاسيوس ليس اول من فكر فى هذا الامر الخطير . . ولكنه أول من برهن على صحته بالاساليب العلمية والادلة المحسوسة . . ولقد كتب قبله فى هذا الموضوع المستشرق بلاشيت " فى مقال بعنوان " المصادر الشرقية للرواية الالهية " قال فيه ان الاسلام كان من المؤثرات التى عملت على انتاج فكرة هذه الرواية . . ولكنه لم يقم الدليل على صحة رأيه . . حتى قام بلاسيوس باثبات هذا البحث الشاق

وقد بحث اولا فيما لقصتى الاسراء والمعراج من الاثر فى الرواية الالهية فأثبت انه بعد أن اختلطت قصة المعراج بقصة الاسراء وصارتا واحدة عكف عليهما الصوفيون يدرسونهما ويأولون تفاصيلهما وكان اشهرهم في هذا محيى الدين بن العربى المرسى الذى توفى قبل مولد دانتى بخمس وعشرين سنة .

ثم رجح بعد البحث الطويل ان رسالة الغفران التى ابدعتها عبقرية ابى العلاء المعرى كانت ايضا من المصادر التى اشتقت منها الرواية الالهية . . أما ماجاء به ابن عربى فى كتابه الفتوحات المكية " فقد كان مطابقا إلى درجة كبيرة لما جاء به دانتى . كما ان سورة الاعراف الواردة فى القرآن بكل تفاصيلها قد مهدت لفكرة جهنم والمطهر او الصراط والمحشر

الا ان هناك بعض العلماء يرى ان الرواية الالهية منقولة عن التقاليد التصرانية والاقاصيص والخرافات التى كانت شائعة فى اوربا فى القرون الوسطى . لذلك عمد بلاسيوس الى هذه الاقاصيص وبرهن فى بحثه انها هى الاخرى ايضا مستقاة من التقاليد الاسلامية العربية . .

ولكى يثبت بلاسيوس نظرية التقليد بالادلة والبراهين لجأ إلى التاريخ وبين فى يحثه - بما لا يقبل الشك - كيفية الاتصال والانتقال وقد جعل دراسته لهذا الموضوع مبوبة تحت عناوين فرعية كان أولها . .

اثبات الاتصال بالاسلام .

وقد قال بلاسيوس في هذه الناحية ان العرب بعد ان استقر بهم المقام في البلاد التى فتحوها واخذوا يوطدون اركان مبادئهم فيها ، اتجهت انظارهم الى العلوم وقد تغلغلت أفكارهم في أوربا النصرانية وشعوبها بوسائل مختلفة :

أ-التجارة : اتسع نطاق التجارة بين القرن الثامن والقرن الحادى عشر اتساعا سريعا . . فكانت تنقل من بلدان الشرق الاسلامية الى اوربا الشمالية عن طريق نهر الفولجا ، فخليح فنلندا ، فبريطانيا ، فغيرها من بلاد اوربا . . وهذا ثابت بدليل وجود النقود العربية فى هذه البلاد الى يومنا هذا . . ثم تحولت الى منطقة البحر المتوسط فى القرن الحادي عشر واصبحت تنقل الى اوربا عن طريق جنوه والبندقية . . ولهذا استوطن كثير من الايطاليين مرافىء الشرق الإسلامية .

ب - الحج : - شلت حركات الحج إلى فلسطين اثر الفتح الاسلامى . . بيد انها استأنفت نشاطها بعد توطيد الملك واستقامة النفوذ والسلطان ، فعقد " شارلمان " مع الخليفة هارون الرشيد معاهدة مشهورة شيدت على اثرها الاديرة والكنائس فى

فلسطين وازداد عدد القادمين للحج اليها . . حتى بلغت احدى القوافل قبل الحرب الصليبية ) ١٢٠٠٠ ( نفس

ح - الحروب الصليبية : - واظن ان لا حاجة بى الى بيان اثرها غير انى اكتفى بالاشارة إلى ان النصارى قد قلدوا عادات المسلمين حتى اساليب الحكم والجندية والنظام في مملكتهم اللاتينية فى القدس

- المبشرون : - قام النصارى على اثر مالاقوه من الفشل فى الحروب الصليبية التى انهكت قواهم وذهبت بالعظام من  رجالهم بحرب دينية تبشيرية . .  

ولقد كانت ارسالية الآباء الفرنسيسكان والدمنيكان أول الارساليات ، فاضطروا إلى درس اللغة العربية وآداب المسلمين وعقائدهم وكانت اهم  نقط الاتصال صقلية واسبانيا

ه - صقلية : - هاجم النورمان خلال القرن التاسع سواحل اسبانيا وتوالت هجماتهم على غيرها من الشواطئ حتى استقروا في القرن الحادى عشر فى صقلية ، وظلوا فيها للقرون الثالث عشر ، وقد كان بلاط الملك روجر الثاني في بلرمو غاصا بالنصارى والمسلمين لافرق بين واحد منهم . وكانوا يعرفون العربية واليونانية فالتقى العالم المسلم بالفارس النورمانى والنبيل الفرنسى بالعظيم الايطالى ، فتشابهت أفكارهم واستبدلوا الآراء . . حتى الملك نفسه كان يحسن العربية تكلما وقد قلد المسلمين فى ملابسه وبعض عاداته . . وبالتالى انتقلت هذه الى شعب صقلية فايطاليا . .

على ان اعم عصور هذه الجزيرة واكثرها رخاء هو عصر فردريك ملك صقلية والمانيا الذي استصحب معه حين اعتزم السفر الى فلسطين جماعة من المسلمين والعرب . ولما  توفى كتب على قبره بالعربية . ويومها  اضطرب البابا وغيره من ملوك اوربا واظهروا استياءهم لهذا السلوك

وفردريك هذا هو مؤسس جامعة نابولى سنة ١٢٢٤ ، وقد جمعت بأمره المؤلفات العربية ، وترجمت في ايامه مؤلفات ابن رشد وارسطو . ولشدة رغبته فى العلم راسل علماء المسلمين فى عصره وبادلهم الرأى . .

و - اسبانيا : - خمسة اجيال انقضت بين القرن الثامن الى القرن الثامن عشر ونصارى اسبانيا تحت تأثير العرب المسلمين ، فلما كان القرن التاسع اخذ اهل قرطبة عادات المسلمين فى المأكولات والملابس الشرقية وازداد تعلقهم بالشعر العربى والاقاصيص ، وانغمسوا فى فلسفة الاسلام ودينه ، وظل هذا الاختلاط يزداد حتى ان

اهل قرطبة استعملوا اللغة العربية في الكتابة الرسمية الى اواخر القرن الثاني عشر . . وقد كانوا يسافرون الى الشمال فينقلون أفكارهم الى حيث ذهبوا . .

يضاف الى هذا مافعله اليهود واسرى الحروب والسفراء في زياراتهم . والخلاصة اننا لو اردنا ان نذكر كل ما تركه العرب فى  اسبانيا واوربا من آثار ثقافية . . لوجب علينا ان نستعيد فى اذهاننا كل مدنية العرب وحضارتهم ازاء شعوب اوربا نصف البربرية فى ذلك الوقت .

ولما استرد الاسبان بلادهم وقضوا على دولة العرب اصبحت طليطلة مركز النشر والثقافة الاسلامية ، فترجمت كتب ارسطو عن العربية مع شروح الكندى والفارابي وابن سينا والغزالى وابن رشد

وفى عهد الفونس الحكيم اسست المدارس فى مرسية مسقط رأس ابن عربي واشبيلية . وفيها نقل الطلاب من نصارى ومسلمين الجدل الديني فيما بينهم . الى هذا نضيف اثر المدرسة العربية اللاتينية التى شيدت فى اشبيلية لدرس الطب

والعلوم . . وفيها حاضر المصلحون العرب طلابهم من الاسبان والنصارى .

وفي الجزء الثاني من البحث عرض بلاسيوس لانتقال التقاليد الاسلامية عامة الى دانتى على وجه الخصوص . وقد قلت فى مقدمة هذا الحديث ان المستشرق بلاشيت كان أول من اشار الى اصل الرواية الالهية الاسلامى فى مقاله " المصادر الشرقية للكوميديا الالهية ، ولكنه عجز عن تدعيم قوله بالدليل التاريخي والبرهان العلمي . . وان بلاسيوس هو أول من نجح فى هذا الموضوع . . فبرهن على أن الاقاصيص التى ذاعت في ايطاليا والمانيا وفرنسا واسكوتلاندا - مثل رحلة القديس براندان واحلام القديس بولس والقديس متريخ كلها مستقاة من التقاليد الاسلامية . . وبين انها وصلت الى اوربا عن طريق الحجاج والتجار والمحاربين والمبشرين والرحالة واسرى الحروب والعلماء والمدارس الى آخر ماجاء في بداية هذا الحديث . .

والذي يزيدنا وضوحا ويقينا ان هذه التقاليد النصرانية التى عدها بعضهم من اوليات الرواية الالهية لم تبرز إلى الوجود الا بعد انتهاء القرن العاشر . . بينما التقاليد الاسلامية وما كان منها خاصا بالحياة الأخرى وما اضيف اليه من الآداب والاحاديث والشروح - وجدت قبل هذا التاريخ . . بل ونحن على يقين من ان قصة المعراج وغيرها من التقاليد الاسلامية كانت شائعة فى الاندلس . .

ثم اورد الباحث بعد ذلك بعض الامثلة التى تؤيد هذا القول بعرض لمؤلفات القسس والاساقفة الذين كتبوا عن حياة  محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعرضوا لاحاديثه النبوية وشروح لبعض آيات القرآن . وقد كتب احدهم بحثا

في حياة الرسول وشرح معجزاته وبسط تفاصيل هذه المعجزات . وقد وجد هذا البحث في دير " لير " فى نافار مما يثبت ان القصة وصلت الى شمال الاندلس

وفي سنة ١١٤٣ ميلادية كتب " روبرت " الذي كان في كلية المترجمين في طليطلة آيات من القرآن باللاتينية ، وقد امر الفونس الحكيم بترجمة القرآن في القرن الثالث عشر فترجمه أحد رجال الدين في طليطلة واسمه ماركو " والف تاريخا للعرب لايزال موجودا للآن ومقامه يرجع الى ان قصة المعراج ومعجزات الرسول قد كتبت فيه ، واسر احدهم وجيء به إلى غرناطة وبعد ان تخلص من الاسر واصبح اسقفا الف كتابا اقتبس فيه آيات القرآن واحاديث نبوية وخاصة من صحيح مسلم ، واقتبس قصة المعراج وكتبها كاملة فى الفصل الثامن من القسم الاول لهذا الكتاب . . وقد بين بلاسيوس بعد ذلك التشابه الكبير بين ما نقل فى هذا الكتاب وبين ماكتبه دانتى

ولعل كل ما تقدم لا يبين لنا الا انتشار هذه التقاليد في اسبانيا . . ولكن . . كيف انتقلت هذه الثقافة والتقاليد الى ايطاليا ؟ والجواب ان الاتصال بايطاليا كان متينا ليس فقط عن طريق اسبانيا . . بل عن الطريق الذي طرق به الاسلام ابواب اوربا كما قدمت في بداية هذا الحديث .

أما الجزء الاخير في بحث المستشرق بلاسيوس وهو الاهم . . فقد جاء عن  انجذاب دانتى نحو الثقافة الاسلامية . . وقد بين في هذا الجزء كيف ان دانتى عاش فى وسط اسلامي في ثقافته . . اسلامي في تمدنه . .

ثم اثبت : هل وجد دانتى فى الثقافة الاسلامية مايجذبه اليها . ؟ فقال ان العلماء الذين انقطعوا لدراسة دانتى اتفقوا على انه

كان متعطشا للمعرفة ، وقد قال احدهم ان دانتى وعي كل معارف عصره . . وما كانت معارف عصره في الغالب الا اسلامية . فلا يعقل ابدا الا يقف دانتى على الثقافة الاسلامية التى سيطرت على كل الناس فى ذلك العصر . .

في هذا الوسط عاش دانتى وهو مسوق بدافع حب المعرفة من جهة ودافع الرأى العام من جهة اخرى للارتشاف من مناهل الاسلام . . وقد ذهب بعض الباحثين الى ان دانتى كان له المام بالعربية والعبرية . . لانه حين يضع كلمات لامعنى لها يلاحظ فيها مسحه من الجذور السامية ، ولكن العلماء لم يتفقوا على هذه النقطة : .

ويقول بلاسيوس ان هذا الانجذاب لم يكن دينيا . . فدانتى مسيحى عريق في المسيحية . . وانما هو ميل علمي تهذيب . !

ثم قارن بلاسيوس بعد ذلك بين دانتى ومحيى الدين بن العربي فقال : " قال ) نردى ( ان في وصف دانتى للحياة الأخرى وفي اتجاه أفكاره لونا من الروح الاسلامية وخاصة لما كان له علاقة بابن عربي . لأنه كان من اتباع المذهب الاشراقي ، الذى اوجده شيخ ابن عربي الفيلسوف امين مسرة القرطبي الاندلسي . . . وقد تسربت مبادئ الاشراقيين الى المذهب المدرس الاغسطيني فكان من رجاله اسكندر هلال وروجر بيكون وريموند لك . . ثم انتقلت بالتالي كأفكار اوربية الى دانتى . .

فالله عند كل من ابن عربي ودانتى ) نور ( . . وكل منهما يستعمل كلمات ) الانعكاس ( . . و ) الشعاع ( . . و ) البرق ( . . و ) النورانية ( . . للتعبير عن غرضه . . و ) تجلى ( هذا النور موصوف إذا بنفس التشابه والمجازات . . كما ان مثل هذه الدائرة ومركزها لاظهار علاقة الخلق مع الخالق . . ومثل المرأة كتوضيح

لعلاقة الحقير بالعظيم شائعان في كتابات كل من ابن عربي ودانتى

ولقد نسج دانتى على منوال ابن عربي فى خواص الارقام . . ففي الفتوحات المكية فصول مستفيضة فى العدد وخواصه ومافيه من الشؤم والخير . . كذلك نرى دانتى قد حاكى محيى الدين فى الاعتقاد بالتدجيل والتنجيم . . كما حاكاه في تفسير الاحلام تفسيرا صوفيا . .

وكل من قارن بين ) ترجمان الاشواق ( الذي الفه ابن عربي وماكتبه دانتى فلاشك انه يجد شبها كبيرا . . فكل من الكاتبين يخلطان الشعر بالنثر . . وقد اعرب دانتى  عن رغبته فى شرح قصائد فى الحب كان قد نظمها . . واورد لذلك الاسباب تماما كما فعل قبله ابن عربي حين اعتزم شرح ترجمان الاشواق . .

وبعد موت ) بياتريس ( عشيقة دانتى بيوم واحد . . ذهب الى مكان منفرد - كما قال بنفسه - حيث التقى بفتاة جميلة هام بها ولم يقو على أن يبوح لها بحبه فنظم هذا الحب اشعارا . . كذلك ابن  عربي حين ذهب الى مكة المكرمة سنة ١٢٠١ ميلادية هام بابنة رجل تعرف عليه حسب روايته - وراح ينظم الشعر فى حبها . .

وجملة القول ان اتصال اوربا بالاسلام مكن الادباء والشعراء والعلماء من الاقتباس ،

كما تأثرت واقتبست تقاليد اوربا من تلك البيئة الاسلامية .

وقد ختم المستشرق كتابه باثبات اسبقية الآداب الاسلامية لغيرها في اوربا وبالتالى لدانتى . . اي انها وجدت قبل ان توجد تلك التقاليد او هذه الرواية التى تعد من قمم الثقافة الاوربية . . واثبت ايضا التشابه بين هذه الآداب وماجاء به دانتى من ثقافة وافكار وتقاليد في روايته . . ثم برهن على انتقال هذه الافكار الى بقية المفكرين فى اوربا . . وانهى بحثه القيم بقوله : " فنظرية اصل الرواية الالهية الاسلامى امر واضح لايمكن ان ينكره اى مفكر دارس متعمق لاصول الثقافة العربية . .

وبعد ان بحث المستشرق آسين بلاسيوس يعد انتصارا كبيرا لتراثنا الفكرى والاسلامى فى الشرق : . واثراء خصبا للمكتبة الاسلامية كما يعد وثيقة اتهام جديدة لمحاولات بعض المستشرقين الذين تناولوا هذا الموضوع بقصد طمس هذه الحقيقة العلمية وفصلها عن المقومات الاولى التى شكلت اسس الثقافة الاوربية القديمة . . حتى

بلاسيوس ببحثها وتحقيقها متجردا من كل نزعة فى نفسه الا نزاهة الرأى والاعتراف بالحق حينما كان .  

اشترك في نشرتنا البريدية