الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الكيفيات الايقاعية في الشعر والموسيقى عند العرب الكلاسيكيين

Share

ان الايقاع عند العرب وعند عامة الشعوب لم يتميز عن الحركه العادية بكمياته ولم يتميز عنها الا بكيفياته هى التى يعرفها الفنان ويتفاعل معها ويستغل ما تولده من طاقات التعبير وما تحدثه من أنواع التأثير . ولعل أبرز المميزات الايقاعية الكيفية النظام .

والنظام هو كيفية توزيع المناطق من الثقل والخفة وترتيب العناصر فى صلب الايقاع . وهو مبدأ ثابت لازم أقر به العلماء والباحثون والنظريون من جميع الملل قديما وحديثا وأقره أهل الفن فى فنهم شعرا وغناء ورقصا إلا الغربيين فانهم لما تخاذلوا عنه طلبا للسهولة منع الايقاع جانبه عنهم فتقلدوا مبدأ الميزان la mesure

وهذه فرصة ثانية أنتهزها للرد على الدكتور كمال أبو ديب الذى يحاول أن يوحد اختلافا فى الطبيعة وفي المفهوم بين ايقاع الشعر وايقاع الموسيقى عند العرب (1) : ويمضى فى تعسفه الى درجة أنه يجرد الاول من خصائصه الكمية ويجرد الثاني من خصائصه الكيفية فيجعل ايقاع الشعر نظاما لا كمية له وايقاع الموسيقى كمية لا نظام لها . ويفهم ذلك من قوله : (( وأما فى الشعر فان مفهوم الزمن الكامل لم يبرز على الشكل الموسيقى فى أى من الأنظمة الايقاعية المعروفة .... وانما سر تعادل الدورات الايقاعية فى الشعر العربى هو ترتيب المقاطع فى كل وحدة ( أى دورة ) . وفى هذا يختلف مفهوم الكمية فى الشعر اختلافا جذريا عنه فى الموسيقى . لان الحقل الموسيقى ( الدورة )

لا يشترط فيه الا ان يستغرق زمنا معينا (س) تشغله نغمات يمكن أن يختلف ترتيبها اختلافا مطلقا (2) )) .

فالنظام إذا كان عنده شرط لازم فى ايقاع الشعر فانه لا اعتبار له فى قاع الموسيقى . وهذا الحكم من قبل الباحث على الايقاع فى الشعر والموسيقى وهذا الموقف من قبله تجاه مبدأ النظام فيه ، كل ذلك ان دل على شئ فانه يدل على انه لم يمارس الايقاع ولم يتصل به من قريب او بعيد لا فى مستوى التجربة الفنية الشخصية والممارسة العملية ولا حتى على صعيد الابحاث النظرية ذات المستوى العالى .

فلكأنى بالدكتور قد اقتصر فى بحثه عن طبيعة الايقاع على النظر فى كتب الموسيقى المدرسية المؤلفة لتلاميذ المدارس الثانوية بالبلاد الغربية . فليصح الدكتور من نومته ولينتبه من غفلته . فان هذا الذى يتحدث عنه هو الميزان الغربى la mesure occidentale وهو أبعد شئ عن الايقاع الشرقى le rythme oriental كما يعرفه العرب وتعرفه عامة الشعوب فى افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وحتى فى أوربا الشرقية التى تأثرت الموسيقى فيها بالفن العربى التركى اثر التوسع العثمانى وانتشار الفن الاسلامى فى تلك الربوع .

فليستيقظ الدكتور وليعلم أن مفهوم الشئ يختلف باختلاف العصر واختلاف المصر . أم يظن الدكتور أن لا فن الا ما أنتجت أوربا ولا موسيقى الا ما الف الغربيون ؟ بل ليته اذا رام أن يقيس الشعر بمقياس الموسيقى - وهى طريقة فى البحث مثلى - ليته لم يقسه بمقياس الموسيقى الغربية ولكن بمقياس الموسيقى العربية والشرقية . أم استبعد الدكتور أن يكون لنا فن خليق أن يعتبر به فى البحث .

ولقد ادهشنى غرور هذا الباحث وغفلته عن أمره كلما قام بمقارنة بين الشعر والموسيقى كما فى قوله (( يختلف اختلافا جذريا عنه ( فى الموسيقى ) حيث رسل الكلمة (( فى الموسيقى )) مطلقة بلا تقيد كأن لم يكن فى الدنيا الا موسيقى واحدة هى الموسيقى الكلاسيكية الغربية ؛ أو كما فى قوله فى الصفحة الموالية (( كما هى الحال فى النظرية الموسيقية )) ويقصد النظرية الغربية بطبيعة الحال .

ألا انه لمن أفدح الخطا أن يبحث الباحث عن ايقاع الشعر العربى فى موسيقى شوبين وبيتهوفن وفاجنير . ولن يدرك حقيقة هذا الفن الا اذا تشبع بروح الموسيقى العربية والموشحات الكلاسيكية . فان من تدبر تلك الموسيقى وايقاعاتها يجد فيها الاقصاق والنوخت والضرفات والمصدمودى والسماعى والدويك (3) وغير ذلك كثيرا مما يقوم النظام فيه مبدأ راسخا رسوخ الجبال . وأما كمال أبو ديب وغيره من المستشرقين من أمثال ستانيسلاس قوبار (4) فى محاولاتهم لاخضاع ايقاع الشعر العربى الى قوانين الموسيقى الغربية فان شأنهم لا يختلف فى شىء عمن يبحث عن جرثومة المالاريا الافريقية فى طبيعة سيبيريا .

ولئن استعصى على الدكتور أن يرجع الى الفن الشرقى وأبى الا أن يرجع الى النظريات الغربية فليته رجع الى كبار العلماء من أمثال افلاطون الذى يقول (( الايقاع نظام الحركة )) وأرستيد كانتيليان الذى يقول (( الايقاع مجموعة من الاوقات مرتبة حسب نظام معين )) أو أريستو كسين الذى يقول : (( الايقاع نظام فى توزيع المدد )) أو دم موكرو الذى يقول : (( النظام والترتيب هما شكل الايقاع نفسه )) أو ديندى الذى يقول : (( النظام فى الزمان والمكان ذلك هو حقيقة الايقاع )) أو برولات (5) الذي يقول (( الايقاع نظام الوقت بل هو النظام نفسه )) أو هو وارد 1 الذى يقول : (( الايقاع فى معناه الاولى هو نظام الوقت )) .

ذلك قولنا فى الكيفيات الايقاعية فى الشعر والموسيقى عند العرب ومنزلة النظام فيها توخينا فيه ما يلزم من الصرامة والحزم لمقاومة الخطا .. وتصحيح الامور كى يسير الباحثون فى اتجاه سليم. وقد تعرضنا الى هذه القضية باسهاب فى كتابنا (( نظرية ايقاع الشعر العربى )) ( باب الكيفيات الايقاعية ) . فليرجع الباحث اليه لمزيد الاطلاع وبالله التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية