الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

اللاجئون

Share

يعتصر الكاتب دماء قلبه ليتخذ منها مداد القلم حين يصور الاهوال التى يعانيها  اللاجئون من ابناء فلسطين الشهيدة الذين شردتهم النكبة .

ومأساة اللاجئين اعظم مأساة احاقت بأمة اذ لا يعرف التاريخ فى كوارثه - وفيها الحسام - كارثة بلغت من الهول ما بلغته كارثة اللاجئين .

كم من امم غلبت على امرها فى ميادين الوغى فلم يتشرد بنوها ولم يفقدوا ديارهم وأوطانهم . . غلبت المانيا فى الحرب الثانية ، وهزمت جيوشها ، ودمرت مدنها ، ولكن الشعب الالماني لم يشرد من بلاده .

مئات من الالوف تقارب المليون عدا من الرجال والنساء والاطفال يهيمون على وجوههم فى الارض ، فى المهامه والقفار ، فى السهول والجبال ، فى السفوح والأودية فى المغاور والكهوف ، على رمال غزة وخان يونس وفى معسكرات البريج والمغازى وفى صحارى الاردن ، وهضاب لبنان ، وسهول سوريا وضفاف النيل ، وشواطئ دجلة والفرات ؛ يطاردهم الجوع ، ويلاحقهم البؤس ويتخطفهم الردى .

شعب تشرد ، وأمة تبددت ، وشباب ذوى ؛ وأسر تمزقت فأب فى بيروت وأم فى القاهرة وأخ فى غزة وأخت فى عمان ؛ وقرين فى دمشق وقرينة فى بغداد ؛ وأبناء يبحثون عن آبائهم ، وأمهات تتساءل عن فلذات اكبادها وكل لا يعرف عن مصير غيره شيئا .

لقد تآمرت عليهم الاحداث ، وائتمرت بهم الخطوب فاذا بهم ينحدرون من القمة الى القاع ، ومن النعمة الى النقمة ؛ ومن العز الى الذل ، ومن الشبع والرى والمأوى والكساء الى الجوع والظمأ والتشرد والعري .

ولا تظنن ما تجود به عليهم وكالة الغوث من غذاء ، يقيم أودهم . فوجوههم الشاحبة التي غاض فيها الدم وأجسامهم الهزيلة التي ذبلت فيها النضرة ، وألوانهم المصفرة التى جف فيها الرواء كل اولئك تشهد بما يلاقون من فاقة وبؤس وذل وحرمان

قلوب ادمتها الجراح ؛ وافئدة كلمتها المصائب . . لقد استحالت الحياة فى نواطرهم الى جمر يتلظى ، وجحيم يتسعر ، وغدا الموت عندهم أمنية عزيزة المنال لكأنى بهم يتمثلون قول ابى الطيب المتنبي : -

كفى بك داء ان ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا

وعلى الرغم من هذه المحن الشداد فقد تذرع اللاجئون بالصبر ، واحتملوا افدح الرزايا ؛ خمسه اعوام كاملة عللوا خلالها النفوس بالامانى العذاب والآمال البواسم معتقدين ان بعد ليلهم فجرا وان مع عسرهم يسرا - ولكن ليلهم طال ، وظلامه تكاثف كأن نجومه شدت بيذبل فهو ليل طويل لا ينجى بصبح ، ولا يسفر عن فجر

ترى ماذا يفيد اللاجئين اذا سمعوا ان قلوبنا معهم ، واننا نشاطرهم محنتهم ونذرف الدمع اسى على ما اصابهم . . إن هذه العواطف لا تطفئ الا كباد الظامئة ؛ ولا تملأ البطون الخاوية ، ولا تكو الاجسام العارية ولكننا نحن رجال الفكر - لا نملك من دنيانا إلا هذه الاقلام الحرة الصادقة التى تصف لوعتنا وحسرتنا - ان هذه الكلمات التي نكتبها بدمائنا هى الدراهم التي نقدمها لاخواننا اللاجئين وليتها تخفف عنهم الاهوال والارزاء . واحسرتاه لقد ضاعت فلسطين واصبحت قضيتها قضية لاجئين نطلب لهم الغذاء والكساء .

ابن يافا والرملة ؟ ابن حيفا وعكا ؟ اين المجدل وبئر السبع ؟ أين السهول الخضر ؛ والكروم الجميلة ؟

ايها اللاجئون . لا تبكوا أمسا ولى ؛ ولا ماضيا غير ؛ لا تذكروا الايام التي رفرفت فيها عليكم اعلام البهجة والسرور ؛ لا تتطلعوا إلى الماضي الجميل لان هذا يزيد من ألمكم ؛ ويضاعف من أحزانكم

ولكن انظروا الى المستقبل ، انظروا إلى من حولكم من اخوانكم العرب والسلمين إنكم تعيشون بين سبعين مليونا من العرب الاشاوس ؛ واربعمائة مليون من المسلمين المنتشرين فى انحاء الارض .

واذا كان الاستعمار البريطانى الامريكى قد دق اسرائيل اسفينا فى جسم الامة العربية ، واتخذ منها صنيعة يهدد بها العالم العربى اذا انتفضت شعوبه ، فان هذا الاستعمار لن يخلد ، وان صنيعته لن تبقى

ايها اللاجئون . لا تفقدوا أملكم فى العودة للبلاد بعد استرجاعها ، فان للثأر يوما قريبا اتيا ، تثور فيه مراجل الحقد الدفين ، وتتأجج فيه نيران الضغينة على اعداء العروبة والاسلام .

لقنوا ابناءكم حب فلسطين ، والتغنى برؤاها ، والحداء بذكرها وافتحوا عيونهم على روابيها ورمالها واشجارها وأزهارها ؛ واذا لفكم الاسى فى برده القلم ، وعصف بكم البؤس ؛ وطوتكم اجنحة الذل والحرمان فهوموا بأرواحكم فى السماء ، واذكروا انكم شعب مجاهد جالدتم اقوى دول الارض ؛ واخبث شعوب العالم ثلاثين عاما ، وقدمتم من خيرة أبنائكم آلاف الشهداء والضحايا واحتملم اهوال السجن والنفى والتشريد ، فلم تلن لكم قناة ، ولم تضعف لكم شكيمة .

انتم السنى المضئ للامة العربية ؛ وانتم كبش الفداء لنهضتها وانتفاضها فلا تيأسوا ورتلوا معى هذه الاغنية : -

يافا ! نعود غدا إليك مع الحصاد ومع السنونو والربيع ومع الرفاق العائدين من المنافى والسجون ومع الضحى والعبرات والامهات .

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية