يعتصر الكاتب دماء قلبه ليتخذ منها مداد القلم حين يصور الاهوال التى يعانيها اللاجئون من ابناء فلسطين الشهيدة الذين شردتهم النكبة .
ومأساة اللاجئين اعظم مأساة احاقت بأمة اذ لا يعرف التاريخ فى كوارثه - وفيها الحسام - كارثة بلغت من الهول ما بلغته كارثة اللاجئين .
كم من امم غلبت على امرها فى ميادين الوغى فلم يتشرد بنوها ولم يفقدوا ديارهم وأوطانهم . . غلبت المانيا فى الحرب الثانية ، وهزمت جيوشها ، ودمرت مدنها ، ولكن الشعب الالماني لم يشرد من بلاده .
مئات من الالوف تقارب المليون عدا من الرجال والنساء والاطفال يهيمون على وجوههم فى الارض ، فى المهامه والقفار ، فى السهول والجبال ، فى السفوح والأودية فى المغاور والكهوف ، على رمال غزة وخان يونس وفى معسكرات البريج والمغازى وفى صحارى الاردن ، وهضاب لبنان ، وسهول سوريا وضفاف النيل ، وشواطئ دجلة والفرات ؛ يطاردهم الجوع ، ويلاحقهم البؤس ويتخطفهم الردى .
شعب تشرد ، وأمة تبددت ، وشباب ذوى ؛ وأسر تمزقت فأب فى بيروت وأم فى القاهرة وأخ فى غزة وأخت فى عمان ؛ وقرين فى دمشق وقرينة فى بغداد ؛ وأبناء يبحثون عن آبائهم ، وأمهات تتساءل عن فلذات اكبادها وكل لا يعرف عن مصير غيره شيئا .
لقد تآمرت عليهم الاحداث ، وائتمرت بهم الخطوب فاذا بهم ينحدرون من القمة الى القاع ، ومن النعمة الى النقمة ؛ ومن العز الى الذل ، ومن الشبع والرى والمأوى والكساء الى الجوع والظمأ والتشرد والعري .
ولا تظنن ما تجود به عليهم وكالة الغوث من غذاء ، يقيم أودهم . فوجوههم الشاحبة التي غاض فيها الدم وأجسامهم الهزيلة التي ذبلت فيها النضرة ، وألوانهم المصفرة التى جف فيها الرواء كل اولئك تشهد بما يلاقون من فاقة وبؤس وذل وحرمان
قلوب ادمتها الجراح ؛ وافئدة كلمتها المصائب . . لقد استحالت الحياة فى نواطرهم الى جمر يتلظى ، وجحيم يتسعر ، وغدا الموت عندهم أمنية عزيزة المنال لكأنى بهم يتمثلون قول ابى الطيب المتنبي : -
كفى بك داء ان ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وعلى الرغم من هذه المحن الشداد فقد تذرع اللاجئون بالصبر ، واحتملوا افدح الرزايا ؛ خمسه اعوام كاملة عللوا خلالها النفوس بالامانى العذاب والآمال البواسم معتقدين ان بعد ليلهم فجرا وان مع عسرهم يسرا - ولكن ليلهم طال ، وظلامه تكاثف كأن نجومه شدت بيذبل فهو ليل طويل لا ينجى بصبح ، ولا يسفر عن فجر
ترى ماذا يفيد اللاجئين اذا سمعوا ان قلوبنا معهم ، واننا نشاطرهم محنتهم ونذرف الدمع اسى على ما اصابهم . . إن هذه العواطف لا تطفئ الا كباد الظامئة ؛ ولا تملأ البطون الخاوية ، ولا تكو الاجسام العارية ولكننا نحن رجال الفكر - لا نملك من دنيانا إلا هذه الاقلام الحرة الصادقة التى تصف لوعتنا وحسرتنا - ان هذه الكلمات التي نكتبها بدمائنا هى الدراهم التي نقدمها لاخواننا اللاجئين وليتها تخفف عنهم الاهوال والارزاء . واحسرتاه لقد ضاعت فلسطين واصبحت قضيتها قضية لاجئين نطلب لهم الغذاء والكساء .
ابن يافا والرملة ؟ ابن حيفا وعكا ؟ اين المجدل وبئر السبع ؟ أين السهول الخضر ؛ والكروم الجميلة ؟
ايها اللاجئون . لا تبكوا أمسا ولى ؛ ولا ماضيا غير ؛ لا تذكروا الايام التي رفرفت فيها عليكم اعلام البهجة والسرور ؛ لا تتطلعوا إلى الماضي الجميل لان هذا يزيد من ألمكم ؛ ويضاعف من أحزانكم
ولكن انظروا الى المستقبل ، انظروا إلى من حولكم من اخوانكم العرب والسلمين إنكم تعيشون بين سبعين مليونا من العرب الاشاوس ؛ واربعمائة مليون من المسلمين المنتشرين فى انحاء الارض .
واذا كان الاستعمار البريطانى الامريكى قد دق اسرائيل اسفينا فى جسم الامة العربية ، واتخذ منها صنيعة يهدد بها العالم العربى اذا انتفضت شعوبه ، فان هذا الاستعمار لن يخلد ، وان صنيعته لن تبقى
ايها اللاجئون . لا تفقدوا أملكم فى العودة للبلاد بعد استرجاعها ، فان للثأر يوما قريبا اتيا ، تثور فيه مراجل الحقد الدفين ، وتتأجج فيه نيران الضغينة على اعداء العروبة والاسلام .
لقنوا ابناءكم حب فلسطين ، والتغنى برؤاها ، والحداء بذكرها وافتحوا عيونهم على روابيها ورمالها واشجارها وأزهارها ؛ واذا لفكم الاسى فى برده القلم ، وعصف بكم البؤس ؛ وطوتكم اجنحة الذل والحرمان فهوموا بأرواحكم فى السماء ، واذكروا انكم شعب مجاهد جالدتم اقوى دول الارض ؛ واخبث شعوب العالم ثلاثين عاما ، وقدمتم من خيرة أبنائكم آلاف الشهداء والضحايا واحتملم اهوال السجن والنفى والتشريد ، فلم تلن لكم قناة ، ولم تضعف لكم شكيمة .
انتم السنى المضئ للامة العربية ؛ وانتم كبش الفداء لنهضتها وانتفاضها فلا تيأسوا ورتلوا معى هذه الاغنية : -
يافا ! نعود غدا إليك مع الحصاد ومع السنونو والربيع ومع الرفاق العائدين من المنافى والسجون ومع الضحى والعبرات والامهات .
القاهرة

