كنا قدمنا في مقال سابق (1) عرضا مجملا لما طرأ على الادب القصصى الحديث في فرنسا خاصة من نزعات واتجاهات أدت الى خلق ادب جديد الى جانب الادب القصصى التقليدى . وميزة هذا الادب الجديد هى النفي ، نفى المقاييس المعروفة والاركان الاساسية التى خضعت لها الى حد الآن الرواية القصصية . بحيث اصبحنا اليوم أمام طريقتين إن لم نقل أمام أدب ذى وجهين : الطريقة التقليدية ومازال لها انصار وقراء والطريقة الثورية الحديثة ولها اتباعها وقراؤها أيضا . وللمدرسة الحديثة نظريات تعتمدها نجدها على لسان الكاتب الوجودى المعروف جان بول سارتر من جهة وفيما كتب حول هذه النزعة الكاتب روب قريلاي(Robbe Grillet)والكاتب بيطور (Butor)وسنرجع الى هذه المصادر المعتمدة فى محاولتنا هذه لتحليل المقاييس والاركان الجديدة التى ستخضع لها الرواية القصصية الحديثة . وأهم ما أتانا من هذه النظريات - فى رأينا - ما نعته روب قريلاى بأنه الشرط الاولي وبأنه الطريقة المثلى التى يتعين على المؤلف الناشئ ان يحترمها فى كتاباته . وهذه الطريقة المثلى عبارة عن جملة من المقاييس مطبوعة كلها بطابع النفي . ولاغرابة في هذا البتة فكل نزعة جديدة فى الفن لا تحتل بالنسبة الى النزعات التى سبقتها محل الرسوخ والقوة الا اذا اقيمت على نفي ما سبق ودعت الى الثورة على التقاليد الموروثة . ونلاحظ هنا أن كل ما يرمي به روب قريلاى عرض الحائط وكل ما ينفيه ويتنكر له هو فى الواقع العناصر الاساسية التى كانت ومازالت ترتكز عليها القصة فى مفهومها المعروف .
يقول قريلاى ان مؤلف الرواية القصصية الناجحة هو الذي لا يجنح فى مؤلفه الى الحدث والحكاية والقصة أو قل ما شئت مما كانت ترتكز عليه القصة التقليدية . فالرواية القصصية ليست مجرد سرد حكاية للقارئ وليست
اذن مسرحا لشخصيات معينة . فالكائنات الحية التى يثبتها المؤلف في قصته يجب الا تؤخذ على انها شخصيات فاعلة بل يجب ان يقع تصويرها كغيرها من الاشياء التى تحيط بها فهي اشياء مفعول بها لافاعلة . وليتمكن المؤلف من هذا المسخ ويقوم بعملية قلب الكائنات الحية الى أشياء جامدة يتعين عليه ان ينفى عن قصته كل تحليل نفسانى ، وبهذه الصورة تكون عناصر القصة الحديثة منقسمة الى قسمين رئيسيين : هناك اولا الاشياء بمعناها الواسع . فالكل فى نظر المتكلم جملة من الاشياء بما في ذلك الكائنات الحية وعلى نفس المستوى . ثم هناك الرواية نفسها . فليست الرواية القصصية عبارة عن حكاية مغامرات شخصية او مجموعة من الشخصيات فهى حتما مغامرة القصة نفسها وهى تكتمل وتصبح شيئا فشيئا قصة تكتب وتروي . اى مغامرة القصة التى تكتب بالنسبة للمؤلف والقصة التى تقرأ بالنسبة للقارئ . بحيث يصبح الادب القصصى عملا بهذه المحرمات الادبية وهذه الاوامر وهذه المجموعة من أدوات النفي التى يقدمها روب قريلاي ، يصبح الادب القصصى اذن فنا يعتمد العين قبل كل شئ . فهو ادب تصويري مدقق لكنه محدود ، حدوده ما تصل اليه العين مع العلم ان ما تصل اليه العين هو شئ جامد ليس للكاتب الحق فى تحليله باسم علم النفس واعتماد على قواعده وأصوله . " فانا اذن امام أشياء لا يمكنني ان أحلل حركاتها أو خلجات صدرها أو الكلمات التى تصدر من أفواهها "
ويتابع روب قريلاى بسط تعليماته فى دقة ومتانة ومنطق كبير فيصل بنا الى نظريات بالغة فى الشدة والصرامة فهو يدعوا الى ان يكون تصويرنا للأشياء خاليا من كل معنى . فيقول : " بأى حق نلصق النعوت بالأشياء ؟ فهذه شمس قاسية وتلك ليلة هادئة وهذه سحب مهددة غاضبة وتلك عين حالمة وذاك وجه عابس قطوب . فالشيء لا يعدو ان يكون اداة فهو هو وليس الا . فهو فى وجوده وفي حضوره . وجود ينعته روب قريلاى فى مجال آخر بالبلادة او التعنت مستعملا ، - كما يلاحظ - ليدعم نظريته ويحددها بكامل الوضوح ، نعتا من النعوت التى يتهجم عليها ويدعو الى تحاشيها والابتعاد عنها . وهذه القواعد التى يحددها روب قريلاى لا تنطبق في الواقع على مجموعة المؤلفات التى تعتبر داخلة في نطاق الانتاج القصصي الحديث لكنها تمثل أهم العناصر التى تتميز بها النزعة الجديدة ، وهي عناصر ضبطها قبل روب قريلاى كتاب
مشهورون لكن ليس بنفس المنطق وبنفس الدقة التى بسطها بها روب قريلاى فهو أول من صور جمود عالم الاشياء وخلو هذا العالم من المعانى خاصة فى كتابيه "المتلصص " و " الغيرة " اذ وفق فى التعبير على طريقة خاصة ينظر بها الى الكون والى عالم الاشياء نظرة لا تتخطى ما تصل اليه العين ولا تحاول ان تصل الى ما وراء ذلك . فهو بحق زعيم " مدرسة النظر " التى ينتمى اليها الى جانب روب قريلاى نفسه تلميذه وابنه الروحى ( Claude Olier) ولو ان بين الكاتبين بونا شاسعا وفروقا لا تخفى على الناقد أو المطالع الفطن ، فروب قريلاى يمتاز على تلميذه بالصنعة والمتانة فطرقه وأساليبه التى تعتمد النظر والعين تستطيع وحدها ان تضفي على عالمه جلالا وعلى الاشياء التى يصورها دسامة تبهر القارىء وتجعله يشعر بالرغم منه بعالم ذى حضور سميك ثقيل جامد . عالم منغلق على نفسه مكبوت اصم ، لكن اذا استثنينا عالم الاشياء فاننا نلاحظ ان طرق روب قريلاى تقارب طرق غيره من المؤلفين المحدثين وتتصل بهذه الطرق اتصالا ربما كون وحدة نسبية . فكل هؤلاء المؤلفين يعملون على حسب تعبير جان بول سارتر في جو الاشياء المألوفة وفي عالم اللاواقعية .
ذلك أنهم بمجرد ما يصورون الكائنات الحية يجدون أنفسهم أمام عقبة هائلة وهى نفى الشخصية من هذه الكائنات وتجريدها من الشعور ومن الخلجات النفسية . فاذا وضعوا حوارا في القصة وجعلوا هذه الكائنات تتكلم فانهم بذلك يستمعون إلى الكلمات ولا يمكن أن تكون كل هذه الكلمات خالية من المعنى . فكل كلمة فى الواقع لها معني وكل كلمة تخرج عن نطاق الترديد الآلي والابتذال يصبح لها مفهوم خاص وتستطيع بذلك أن تعطينا فكرة عن الناطق بها فى حدود نفسيته الخاصة به والتى تميزه عن غيره من الكائنات وذلك مهما أراد المؤلف ان ينفي عن الكائن كل عاطفة ومهما ابتعد عن تحليل تلك العاطفة . فما يمنع القارىء من القيام بهذا التحليل ؟ لذلك يجنح هؤلاء المؤلفون الى طريقة تخرجهم نسبيا من هذا المأزق ذلك انهم يعمدون الى الحوار المبتذل المنحل حوار متركب من كلمات جوفاء لا ارتباط بينها ولاتكامل ولا ترتيب كأن تقول الشخصية الاولى :
- انه ذهب . النور ساطع فتجيب الشخصية الثانية :
- ماذا أكلت البارحة ؟ فنسمع الشخصية الاولى تقول : - هل بالبيت ما يشرب ؟
الى غير ذلك من الكلمات المتشتتة التى يقذف بها الكاتب فى أفواه الكائنات الحية لا لشئ سوى لمجرد الكلام . وقد نجحت المؤلفة المشهورة ( Nathalie Srraute ) إيما نجاح في تنسيق هذه الكلمات الجافة التى لا معنى لها والتي لا ترمز الى شئ . ففي كتابها "Le Plane'lorium"او الوعاء الكوكبى تمثل لنا شابا شديد الشغف بالكتابة والتأليف الى حد الجنون وامرأة كاتبة مرموقة مشهورة . ويجرى بين الشاب والمرأة حوار غريب لا يعطينا ولو فكرة سطحية عن الشخصيتين اللتين تقومان بذلك الحوار فالجو جو ابتذال والشاب والمرأة يرددان كلمات جوفاء خالية من كل معنى عميق . ومع هذا فلا يمكننا ان نجزم بان ذلك الشاب احمق أو تلك المرأة معتوهة أو مجنونة . وليس هذا فى الواقع ما يريده مؤلف القصة . فالحوار الذى يجرى بين الشاب والمراة يجعلنا في حيرة من أمرهما إنهما ليسا أحمقين وليسا فطنين . فهما فى الحقيقة غير موجودين اذ ان وجودهما نسبى لاتصاله المباشر بغيرهم وبالعالم الذى ينقلان عنه تلك الكلمات الجوفاء التي يرددانها بدون انقطاع والقارىء أمام كل هذا فى حيرة وهو فى نفس موقف المتفرج ازاء رواية يقوم بأدوارها على الركح ممثلون من الهواة فكل ما ينطقون به يشعر بعدم الكمال وبالارتجال أو بعدم الحفظ ، كذلك شخصيات (Nathalie Srraute ) فهي لاواقعية أو ان شئت لاحقيقية ( irreels )" ويقول ساتر فى مقدمة كتاب (Nathalie Srraute ) الذى بعنوان " Portrait d'un elrander " صورة غريب : ان المؤلفة تأبى ان تجنح الى " كذب الروائيين " والى سوء نية مؤلفي القصة التقليدية وهذا الكذب وسوء النية هما اللذان يجعلان المؤلف يتحدث عن شخصياته كما لو كان فى آن واحد أمام هذه الشخصيات من جهة وداخلها وفي كيانها وجسدها من جهة أخرى بحيث يتاح له لا أن يكتب " فلان يقول " فحسب بل " فلان يعتقد انه . او فلان يشعر انه " و ( Nathalie Srraute ) لا تستبيح لنفسها هذا الكذب لذلك فهي لا تتداخل فى شؤون شخصياتها وجو قصصها هو جو اللاحقيقة فى أسمى وأمتن مظاهرها وتجردها وحيادها . والغريب فى كل هذا هو ان هذا الادب الذى ينفي عنه جميع اصول الادب المتداول لا ينفى عنه ميزة الادب . فهو غني رغم المحرمات التى يضيق بها على نفسه وشخصياته وان تكلمت بغير كلام وعبرت عن عدم وجود مكين فانها رغم كل ذلك تعيش امام أعيننا مأساة حقيقية تؤثر فينا مباشرة وكأنها تستميل قلوبنا بالرغم منا .

