الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

اللا قصة . . ثورة فى الادب القصصى الحديث

Share

يدفعنا الى تقديم هذا البحث شغفنا بالادب الاوروبى المعاصر وخاصة بما سمى منه " اللاقصة " أو نفى القصة فى الفن القصصي " أقول شغفنا وما هو فى الحقيقة بشغف بل هو نوع من الحيرة الممزوجة بالاعجاب أمام ثورة أدبية عارمة ظهرت بوادرها فى فرنسا ثم انتقلت منها الى انكلترا وستنتقل حتما ككل آفة وككل موضة الى ماوراء البحار فى أجل قريب ولهذه الثورة زعماء وعملاء ودعاة ومناصرون ومن هؤلاء الزعماء من أحرز على الجوائر الادبية فذاع صيته واشتهر ونخص هنا بالذكر ثلاث جوائز اسندت أولاها الى كتاب " القموح " لروجى بوردياى واسندت الثانية الى " الراس" " Le Promontoire " لصاحبه هنرى توماس والثالثة أحرز عليها كتاب  بعنوان " الحديقة " " ’Leparc’ للكاتب فيليب سولار ، وينتهى هؤلاء الكتاب الى النزعة الجديدة فى أدب الرواية القصصية فى فرنسا ويقابلهم فى انكلترا " Rayner Heppen Stall " الذي طبع مؤخرا كتابا بعنوان " The comcting door " باب بين غرفتين ، ولم يقتصر هذا النوع من الادب القصصى على انتاج التاليف المطبوعة قبل أن تخطاها الى السينما ولنا في " السنة الفارطة فى ماريانباد ، للمؤلف " Robbe Guillet " والمخرج السينمائى المشهور " فقدAlain Resnais نموذج من هذا الفن الغريب الذي يحير ويبهر فى آن واحد . وقد نجازف اذا قلنا أن لادب اللاقصة قراء كثيرين . فنوع هذا الادب كما يتوقع بعسر فهمه واستيعابه على القارىء العادى ولا يستميل الا قلوب النقاد بل طبقة من النقاد هى طبقة المتهافتين على كل جديد يطرأ على الادب اى طبقة النقاد المحترفين وهم قليل . لكن باستطاعتنا أن نجزم الآن أن هذا النوع من القصة بدأ ينتشر انتشارا كبيرا مما يخول حق الاهتمام به ودرسه والبحث عن مقاصده وأهدافه كما باستطاعتنا أن نجز من الان آن جمهرة النقاد فى مجموعهم فى حيرة من أمر هذا الادب القصصى الذي يرمى الى انتاج قصة خالية من العقدة القصصية ومن الشخصيات التى

تقوم عليها القصة عادة لذلك سموا هذا الادب الغريب " اللا قصة " أو نفى القصة فى القصة " Anti-Roman" باللغة الفرنسية ويقابل ذلك باللغة الانكليزية "Anti-Novel " فما هو تركيب القصة فى مدلولها الحديث هذا ؟ يمكننا أن نلاحظ هنا امرين او قطبين يرتج بينهما هذا الادب . فهو اولا أدب المحسوس يصور الاشياء تصويرا نكاد نقول حرفيا انه يعتمد لا على الاساليب البديعية المعروفة بل على نوع من الالهام الفنى الهندسى يبعد عن الادب المعهود بصورة ملحوظة " أما القطب الثاني فيكمن فى الخلق الفنى نفسه . فى خلق الابهام والتفانى فى ابرازه بشتى الوسائل للوصول الى المفاجأة " Suspense " ومن هذه الوسائل انعدام الشخصيات التى يمكن أن يتعرف عليها القارىء ويتبع حركاتها فى حالات معينة مضبوطة ثم انعدام الفترة الزمنية او اخلالها قصدا ليخرج جو القصة العام من عالم الزمان المضبوط الى عالم الزمان المنحل او عالم الابهام ذلك لان مؤلف القصة يرفض أن يتقيد بالزمان الذى هو فى نظره من صنع البشر لا يمت الى الواقع بصلة ومعلوم أن الفيلسوف المعروف " Bergson " قد تعرض الى مشكلة الزمان وابتنى عليها جانبا من فلسفته . فهو يفرق بين زمنين . الزمان الذي تضبطه الآلة والذى نعرفه جميعا لاننا نتقيد به فى عملنا اليومي فى غدونا ورواحنا فى مواعيدنا فى أكلنا ونومنا وفى كل ما نقوم به من عمل يتطلب دقة المواقيت وضبط المواعيد . ثم الزمن الثاني وهو الزمن النفسانى الذى لا يخضع للآلة ولا يعترف بدقة الساعة المعروفة و " Bergson " يدعم رأيه هذا بالحج الكثيرة ومن هذه الحجج نذكر ما جاء فى موضوع الانتظار يقول : " Bergson " انك اذا قضيت ساعة فى انتظار صديق لك عزيز عليك لم تره منذ زمن بعيد . ثم انك اذا قضيت ساعة أخرى فى انتظار كارثة من الكوار ث تتوقع حدوثها . فان طول الساعة النفسانى يختلف فى كلتا الحالتين فهو أطول في الحالة الاولى منه فى الحالة الثانية ويمكننا أن نتبسط فى نظرية " Bergson " هذه حول الزمن الآلي والزمن النفسانى لكننا نعتقد أن مجالنا هذا لا يسمح لنا بالتبسط في هذه النظرية وانما أشرنا اليها عرضا وقلنا ان أرباب القلم القصصى الجديد في فرنسا خاصة لا يريدون أن يتقيدوا بالمقاييس الزمنية . وهم يرفضون غيرها من المقاييس . فهم لا يقبلون مثلا المواضيع والاشكال الادبية التى شب على حبها

القارىء العادى ويعددن الكثير من هذه المواضيع والاشكال سفسطة كلامية وطنطنة لفظية وتخمينات فلسفية وتكهنات نفسانية وغير ذلك من النعوت المزرية المشينة يلصقونها بالادب السنى التقليدى . كل هذا يجعلنا في حيرة . فنحن من جهة أمام فريق من الكتاب خرجوا عن المعتاد وكأنهم شقوا عصا طاعة الادب السليم القويم . ثم نحن من جهة أخرى أمام فريق من القراء بداو يستسيغون هذا الادب الجديد ، ويشملون أربابه ببعض العطف ربما انقلب الى شغف كبير فى مستقبل الايام . فاول سؤال يتبادر إلى الذهن هو البحث عن أسباب هذا العطف الذى يلقيه كتاب القصة الجديدة عند القراء . فهنا يكمن سر نجاح هذا النوع من الادب او فشله" وهنا يجدر أن نلقي نظرة عامة على موضوع اللاقصة " فى صلب الادب القصصى التقليدى .

نلاحظ أولا أن الادب بصورة عامة يمر الآن بازمة لا تختلف عن الازمات التى تمر بها المذاهب السياسية والاقتصادية والفنية والدينية . كما نلاحظ أن هذه الازمة لست من صنع شرذمة من الادباء المهرجين الطائشين يدفعهم الى خوض غمارها دافع التظاهر أو غلو فى الابتكار او تهافت على الشذوذ . فاللازمة أخطر من أن تقف عند حد بعض المهرجين وخطورتها فى قلبها لوضع كامل راسا على عقب فهى ترمى أول ما ترمى الى نفى كل المقاييس التى ابتني على أسسها الفن القصصي فى جوهره وفى كنهه وكيانه نفسه منذ بروز هذا الفن في أروبا الى يومنا هذا . فمن المعملوم ان الفنون تمر بمراحل من التطور الطبيعي تكسبها قوة ومتانة وتنوعا فهل تطور القصة التى أصبحت اليوم " اللاقصة " يمكن أن يعد مرحلة طبيعية كالمرحلة التى قطعها الأدب من البار ناس الى الرمزية . أو من الرومنطيقية الى الطبيعية ؟ فازمة الادب الحديث لا تقتصر على الاشكال والمظاهر بل هى تجتاح العناصر الاساسية التى كونت الى حد اليوم هيكل الانتاج الادبى وأبرزته فى القالب الذي نعرفه له . مما يجعلنا نتساءل عن أمرين : هل سيكون حظ الادباء التقليديين الذين يرفضون أن يتبعوا هذا السبيل الجديد هو نفس حظ الكثير من الكلاسيكيين المتخلفين الذين أبوا أن ينساقوا مع التيار الرومنطيقى فلم يحفظ لهم التاريخ أثرا وكان مئالهم النسيان والاهمال ؟ لايمكن بأية حال آن نتنبأ بما عسى ان

يكتب التاريخ لارباب الادب القصص الحديث فليس من شأننا أن نحكم لهم أو عليهم فى محل قراء المستقبل فهم سيتولون ذلك بأنفسهم كما ليس من شأننا او بمقدورنا ان نجزم من الا ن . " بخلود جانب من هذا الادب الحديث او بعدم خلود الجانب الآخر.. لكننا رغم ذلك على يقين من أمر على الاقل وهو اننا امام ازمة وامام وضعية جديدة لاشبه لها فى تاريخ الادب القصصى بشتى مراحله واطواره كما اننا على يقين من امر آخر هو وجود ادب تقليدى الى جانب هذا الادب الجديد لا يقل عنه شبابا ولا عنفو انا . أدب لم تنضب مناهله ولم تخمد آنفاسه ولم تبد عليه آثار التدهور والاضمحلال الى حد الا ن . فنحن اذن نجد أنفسنا أمام أدبين أو قل أمام أدب ذى وجهين انقسم ليسلك مسلكين رئيسيين لا يقل الواحد منهما قيمة عن الآخر ولا مناعة ولا ارتكازا ولا خصبا.

فأما الطريق الاول فقد سلكها كتاب بمختلف نزعاتهم الادبية ومذاهبهم الفلسفية او طرقهم فى الانتاج والتأليف . من أمثال سارتر وكامو وغيرهما كثير من المشهورين والمغمورين الذين ما فتئوا ينتجون قصصا على غرار ما كتب من القصص منذ بداية القرن أو حتى قبل بداية هذا القرن . واما الطريق الثانية فهى طريق " اللاقصة " أو المذهب الجديد في انتاج القصة وقد اعتاد النقاد أن يضعوا فى هذه الطريق مؤلفين مختلفين منهم الشباب ومنهم الكهول . لكن أغلبهم ظهروا في عالم الادب في فترة ما بعد الحرب ويعسر آن تتميز من أول وهلة ما يجمعهم تحت شعار واحد . فكثيرا ما يطلق نعت " القصة الجديدة " على السواء عند الحديث عن مؤلفات " " Saumel Beckte " أو مؤلفات "Jean Cayrol " أو " Michel Butor yrol "  او " Clude Simon " أو " Nahalie Sevaute" أو " Alain Robbe Grillet أو على غير هؤلاء من المؤلفين الذين لا تربطهم الاصلة طفيفة بمن ذكرنا فمؤلف ك " Bernard Pignaud " لم يكتب فى الواقع الا قصصا من النوع التقليدى فى أشكالها ومظاهرها وأساليبها ولكنه مع ذلك يعد من أبرز مؤلفى القصة الجديدة  " ومن أسرة المحدثين " فهناك اذن جانب كبير من الالتباس ليس هو من صنيع أصحاب النظرية الجديدة بل من عمل النقاد الذين لا يميزون كل التمييز بين التجارب التى تمس

الاسلوب والشكل البحت وبين التنقيح أو التعديل الذى أصبح يمس الجوهر نفسه وكما آسلفنا يطعن فى العناصر الاساسية التى ينبنى عليها هيكل الفن القصصى فى مفهومه المعروف .

هذه بعض الخواطر حول الثورة الادبية التى تجتاح عالم الادب وخاصة أدب القصة فى أروبا وسوف لانكتفى بهذا العرض الاجمالي الذي لا يفى بحاجة المتطلع الى معرفة الكثير عن فئة المحدثين والداعين الى نسف القصة فى القصة الحديثة وسنعود الى التحدث عن هذه الثورة وعن النظريات التى تدعمها تفصيلا وتحليلا.

اشترك في نشرتنا البريدية