قد انتبذت من الوادى مكانا قصيا غير ذى زرع ، وانتصبت فى العراء الاحدب شرقبة ، لا غريبة ، تلاطفها الصبا ، فتترنح ذات اليمين وذات الشمال زيتونة خضراء تمور فى جسمها العافية ، وفي قلبها الدعة والسلام . تعتو امام العوامل ، فلا عواصف الشتاء تزعزعها ولا رياح الخريف تمحو كيانها ، ولا القحط والجدب والجفاف . . . اصابها الكبر ، وما انتابها خرف وعجز عن الحياة . قد امتدت جذورها صلبة ، صلدة ، فى أعماق الابدية ، فهي أقوى من الفناء وابقى . فى بطنها زخم وحياة ، قوى هاجعة فيها ، ثمرة اللقاء بن السماء والارض ، ما ان تزدهى الطبيعية وتخضل ريا وحياة حتى تتحرك في صميمها رغبة حادة للبذل والعطاء ، فتبرز للنور ثمرار مباركا ، هبة السماء للارض المعطاء . وتغدو اغصانها محملة رؤوسا تتأرجح ، سوداء قاسية الملامح ، قد قامت فى هذا الخلاء املا وحياة تحج اليها اسراب من الطير تغدو اليها خفافا وتمضى عنها وهى خماص لا حصرم في زادها ، دواء القلب الممزق ، والبصيرة المزروعه ظلمة وقتاما . .
وهي تزهو بحياتها المعطاء ، تسامق الخلود ، وتنازل البقاء فتنزله خشوعا ذلولا ، حتى كان ذات ليلة تغامزت أنجمها ، وذابت فى سماء من السحر والبهار . . كانت ليلة لينة ، تلألأ عروسا ، افعمت صدرها البهجة يصالب فمها القمر ويتلفعها نور الحياة ونورها ، ساهيه ، حالمه ، لا تطرف . لم تقلق سكينتها وهدأتها الا انفاس تصاعد لاهثة حرى ، وخطى تسارع مضطربة الوقع ، متلعثمة حيري . . من تراه هذا الحاج المتخاذل ليلا ، مشيته ذل قهقرى ؟ ذا القمر يكشفه وجها شاحبا أجرد ، مرمرا صلبا وبردا قاسيا ، خيالا يندفع نحو " الزيتونة " ، قد طوى القلب ، والبطن خوى . . .
وتستقبل " الزيتونة " أوليس " نهرا من عسل مصفي شفاء للتائهين ويضع عندها حملا قد انقض ظهره ، اوزارا تدافعه بين الحياة والموت وتنفس الصعداء ! ست ليال وسبعة ايام ضياعا ، قضاها فى الخلاء الاجدب ، حتى انتابه العجز واصابه الاجهاد جوسا وبحثا عن ظل يقيه لسع الشمس المحرقة ، او غارا يندس فيه فيحميه لذع السموم والزمهرير قد سالت قرحه قيحا صديدا ، وماعت نفسه لهاثا شديدا . وشد اليه
بالجذع المبارك ، يعوذ به خشيا هلوعا . وكاد يذوب فى غيبوبة متعة ، اذ أحس بدفق من الدفء ينبعث فى قلبه ، وعرم من العافية ينفجر فى جسمه ! واحس بالوجود يمحى ، والصور تتلاشى لاشيئية تامة ، واحس بذاته تذوب فيما حواليه وتفنى
ولم توقظه من غيبته مذعورا ، الا اشباح تراءت له مفزعة ، هلعة . . فاذا النسيان وهم وخرافة . وتقوم الذكرى تحاسبه حسابا عسيرا ، وتنصب عليه اشباح ماضيه سنانا حدادا تغرز فيه ، تمزق الجسم وتزعزع اركان القلب . . ويظهر امام نفسه عورة صارخة وعجزا قهورا ، احقر من " الياهو" فى جزيرة " الجياد الناطقة " ، قد تحطم بندول الساعة فيه ، واصبح " مكوكا " خاويا ٠٠ .
انه ليذكر كيف ولد فى غابة عذراء ، مكتثة الشعر شعثاء ، غبراء الاديم قد زرعت شوكا شرورا كالغيظ حدة ، وانفاس الجحيم شديدا . لا يطاولها القمر ، ولا يراقصها النجم . وبنت به أمه فى حجر ثعبان أعمى ، فاستطار من الاشباح تروعه ، وما طاف به طائف . ولكن الوهم يقتله ، والرعب والجبن والعفن . قد زيف ذاته وجود عقيم ، فليس لاناه ان "تتمركز" من سبيل !
وانه ليذكر ، فتعتريه الرعدة ، ليلة ليلاء قد انصبت ظلماتها ثقيلة كالوحل باردة كالجليد يتلبد على قلبه وفكره . . قد ماجت فيها جحافل الجراد نهابة نهمة ، فوارة جوع وبركان اثم ، هول القضاء ولعنة الاقدار . . فاصاب " الغابة العذراء " عقم ، ولم تلد من قبل نبيا يخلصها ، فتخصب ارحامها الا موسى يلثغ وما فى يده عصا ، وعانقت الجدب عاشقا رهيبا . واستخارت إلاهها ، ولكنه اله خرافى قد كفنته الاساطير والحد . فلا ساحر اذا أراد أن يقول لها كونى ، فتكون . وهمت بها ريح صرصر عاتية ، حملت معها الفوضوية واللامعنى ! فعشش الضجر في أطلالها ، واللعنة والخيبة . . .
وانه ليذكر كيف بات يحلم بموت شتائه ، فأراد ان يطلق الوهم والوحشة ويستقبل الشمس والدفء ، فهجر الحجر شبحا يندس بين طيات الليل تلفعه الظلمة والخوف ، ويشتمله شعور بعظمته كفار من الجحيم ، وهو القزم المتجبر ، احدب ينخره العقم ويفتك به الجذام ! دعي يعتو ، وهو العتى والوهن . . .
وانه ليذكر كيف عصى ربة الجزيرة " كاليبسو " فأهاج عليه العواصف الهوجاء تهده هدا ، وانزلت السماء عليه كبريتا وحمما ، شواظا من جحيم وترامت مركبة الامواج جبالا تكر عليه لسحقه سحقا . تحطم مركبه ، وانهد شراعه ، وهام في البحر هلالين الا قليلا ، تلاحقه اللعنة أينما أصبح أو امسى ، يطلب النجاء ، وما من نجاء . املح ماؤه ، وعفن زاده ، واغطش
الليل فامحى فى ظله ، وبات من الهلاك قاب قوسين او أدنى ، وغاب فى لجاج لا يعرف كنهها . .
وانه ليذكر كيف ايقظه ارتطام لوحته بصخرة نتأت عند مدخل السيف فانجابت عتمة وانقشعت ظلمة . وسرب فى القفر الاملج يحتضنه خائرا يتداعى كالقطار الهرم ، ملا بها ينقض ظهره ويحرق جلده . .
قد اسقط فى روعه ، وانتفى الروح وانقضى عهد الدعة ، فاختلت أوزان نفسه ، وشوش توازن أوتارها . قد نخر السوس عقله فأصبح سليمان لا تطيعه احقر نملة . وراعه ألا يجد للشجرة ظلا يحميه من الشمس ، لانها من الشمس قد انبثقت واليها مرجعها . . وهاله شبح الحقيقة ينكشف عاريا راعدا ، فيكشفه عورة دائدة تنضج قيحا ، وتصرخ ضعفا . . نجس تلاحقه اللعنة ، ينزل ارضا مطهرة ! ارضى ابن الهة ارضية تعبث بأبنائها ، ما سمكت سماء ولا دحت ارضا ، تظاهر شهوتها والفناء على " الحكمة " والبقاء يحل بارض هي السماء طهرا ورفعة ، لامكان فيها للملاعين ، فأين النجاء ؟ !
وتهالك على نفسه ضعفا ووهنا ، اذ انتابته رخوة الموت . وشد بالارض يدفعه الحيوان فيه ، اليها . وطاف به طائف من الشيطان يهمس له أن انج بنفسك فى غيابات الارض تقيك الحر والقر . وحفر لنفسه سربا ، حفيرا لا يحلم بنور ، دودة حرير تحرك لنفسها كفنا . واخفته عتمة الغار خفاشا يخاف نور الشمس وألق النهار ، وجعلا يخشى رياح الورد وعطر الزهور ! واحتضن الظلمة رضيا بها جنة خلد ، كأن لم ينهر بناء ، ولم يعربد اعصار . . حينا ، واذا اللعنة تنصب عليه من جديد سياطا لاهبة ، بارقة مشؤومة بددت وهمه وخياله : " أريد التحرر ، وأنا السجن والعفن ! " . واذا الغار سجن والمستقر جحيم ، ولا مفر . وغمغم يائسا : " رحلتى على طولها كتجربة العاهرة تمرغ جسدها فى الوحل ، وتدعه لليل نهبا ، ولا اخصاب . طهارة تئد ولعنة تلد . " . وعلم أنه الموت براوده عن نفسه ، وحزن ان تستقبله " هيدز " يجرر وراءه ظلا عملاقا ، لعنة كتبت عليه عمى وضلالا . . وأحس بأنياب حداد تمزق أحشاءه : حنين الى شعاع من شمس ولمسات النسيم
تعد له نضرة وئدت . . وهو فى غيبته يرتج عليه ، اذ تناهى الى سمعه رتيبا ، خصيبا ، صوت هاتف من أعماق الغار ، جازما ، حازما : " يا أوليس انك لمن الهالكين . تسعى سعى الخائب الملعون يطلب أمنا ونجوة . وما كنت مثل الشجرة المباركة من بذار الالهة ، حملوها في بطونهم كما تحمل النخلة النواة . وحملتهم فى بطنها كما تحمل النواة النخلة . زيتونة شرقية قطرة ماء تحمل البحر فى أعماقها . قد انفصلت عن البحر لتعود اليه . هى ساقية تفنى فى بحر ، اما أنت أيها الخائر الاعمى ، فثمرة سقاط ، تحدوك قوى مسخرة . . أنت ساقية يبتلعها غور ، وميت يبتلعه قبر ! . . . . " . وأغمض عينيه على الظلام ٠٠ .
