ليس كل ما سطر بمداد على قرطاس ادبا . ولا كل من حرر مقالا او نظم قصيدة موزونة بالاديب . فالادب الذي نعتبره هو الذي يستمد غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها . . والاديب الذي نكرمه هو الاديب الذي خص برقة الحس ، ودقة الفكر ، وبعد النظر في تموجات الحياة وتقلباتها وبمقدرة البيان عما تحدثه الحياة فى نفسه من التاثير
ان محور الادب هو الانسان . فعلى قدر ما يتغلغل الادب في حياة الانسان ، وفي
التفتيش عن خباياها وعن العقبات التى تقوم فى وجه تلك الاهداف ، يكفل لنفسه البقاء . وذلك يعنى ان الادب - شعره ونثره - يجب ان يقوم بما فيه من قوى انسانية - ظاهرة أو باطنة - لا بقدر ما فيه من الحذلقة والبراعة في حقل الكلمات والعبارات . لان الكاتب انما هو قلب ينبض وعقل يفكر . وقلم يسطر . فحيث لا شعور فلا فكره وحيث لا فكره فلا بيان . وحيث لا بيان فلا ادب .
ولان الشعور والفكر ، والبيان ثلاثة لا يكون الرجل كاتبا الا اذا توافرت فيه أكثر من توافرها لسواد اخوانه في البشرية . وأولا تفاوت الناس بعمق الشعور واتساعه وحدة الفكر واندفاعه . وجمال البيان وجلاءه لكان كل من عرف القراءة والكتابة كاتبا . كما ان النقد خلق وابداع وليس مجرد استحسان واستهجان . وان اللغة أداة ابدعها الانسان للتعبير عما تثيره فى نفسه متطلبات حياته اليومية - المحسوس منها وغير المحسوس - والتافه والجليل على حد سواء . فلا يليق ان يصبح المبدوع سيد البادع ، فيغدو الانسان اداة في يد اللغة بدلا من ان تبقى اداة في يده يكيفها حسبما تمليه عليه حاجاته المتطورة بغير انقطاع . ولأن ) العامية ( هي اللغة المتطورة ابدا . وان الفصحى لا يسمح لها المتعنتون بالتطور فقد باتت الاخيرة فى خطر التحجر . او فى خطر التقهقر بعيدا عن حياة الذين يتخذونها أداة للتعبير عن حياتهم وتبعا ذلك عليهم مسؤولية تقويمها بمفردات جديدة وقوالب جديدة من مفردات الفصحى وقوالبها الرزينة

