الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

اللغة العربية : ما هي وكيف ننهض بها ؟

Share

فى نطاق السنة العالمية للتربية وتحت اشراف اللجنة التونسية لليونسكو وقسم اللسانيات بمركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية ألقى السيد أحمد العايد أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب هذه المحاضرة (I) يوم الجمعة 24 افريل 1970 بدار الثقافة ابن رشيق بتونس .       ونظرا لقيمة هذا البحث ولما تبعه من نقاش فاننا ننشر النص الكامل لهذا الموضوع الحيوى .

إن سنة 1970 هى السنة العالمية للتربية وهذا الاختيار يحملنا هذه السنة فى تونس كما يحمل غيرنا فى جميع بلدان العالم على أن ننظر فى مواضيع التربية نظرة التأمل والحيرة ومن المواضيع التى احتار لها الفكر البشرى وقلق لها المربى العربى موضوع اللغة العربية لا سيما وأن هذه اللغة قد اقتحمت اليوم أبواب المنظمات الدولية وأصبحت من اللغات المتعامل بها ، فبحثنا سيكون عن لغتنا العربية : ما هى ؟ وكيف ننهض بها ؟

اللغة العربية : ما هى ؟

سأجيب بسرعة عن هذا السؤال الاول : ان اللغات اليوم تنقسم الى فصائل ثلاث :

I) الهندية الاوربية ( منها مثلا اليونانية واللاتينية والفرنسية ) . 2) الحامية السامية ( منها الحامية نذكر مثلا البربرية ومن السامية نذكر مثلا الآرامية والعربية ) .

3) اللغات الأخرى وقد فصلت الى تسع عشرة أسرة نذكر منها اللغات اليابانية ، الصينية ، التركية ، الامريكية ، الخ .

كذلك صنفت اللغات تصنيفا آخر فكانت اللغات الفاصلة واللاصقة والمتصرفة :

I) اللغات الفاصلة (I) Langues isolantes  : هى اللغات التى لا تتغير فيها مادة الكلمة حيثما كانت فى التركيب أما العلاقة الصرفية والنحوية بين كلمة وأخرى فتضبط حسب محل الكلمة فى الجملة لا بتصريفها او باعرابها ، مثلا فى اللغة الصينية يقال : خرج أنا = خرج ( ت ) منح أنا = منحن ( ي ) سيارة أنا = سيارترى )

2 ) اللغات اللاصقة ( 2 ) Langes agglutinantes : هى اللغات التى لا تتغير فيها المادة ، إنما يزاد عليها فى أولها أو فى آخرها صدور أو كواسح لمعان مختلفة كالتركية او المجرية او الانقليزية (مثلا فى الانفليزية reason ( عقل ) reason ( able) (عاقل، معقول ...) (reason(ing) (البرهنة ، الاستدلال ...) (un) reason(able) ( غير معقول) الخ .

3) اللغات المتصرفة (3)   Langues flexionnelles : هى اللغات التى تتغير فيها المادة أو تتغير حركات حروفها أو يزاد عليها صدر أو حشو أو كاسحة ( prefixe infixe , suffixe )     وكلما كان تغيير اختلف المعنى . ومن هذه اللغات  اللغة العربية وهى أحسن مثال للغات المتصرفة اذ نستطيع نظريا أن نشتق من مادة خ ل ف 120  كلمة تقريبا .

هكذا نستنتج ان اللغة العربية لغة سامية متصرفة معربة واذ هى معربة فهى صعبة لكنها ليست أصعب اللغات .

كيف ننهض بها ؟

لن أتعرض فى حديثى اليوم عن اللغة العربية ومجدها ، عن عبقريتها وشمولها ، عما هى عليه من تأثير وسحر ، عن مستوى بلاغتها وروعتها عن إعجاز القرآن اللغوى : قال تعالى: (( وإنه لتنزيل رب العالمين - نزل به الروح الأمين - على قلبك لتكون من المنذرين - بلسان عربى مبين - (I) وعن انتشارها وانبثاثها بفضل الاسلام .

كذلك لن أتعرض إلى نهضتها فى القرون الوسطى بفضل وسائلها الخاصة من اشتقاق الى نحت الى تضمين الى مجاز الى تعريب ، كذلك لن أقف عند المفردات الاجنبية عن العربية فى القرآن الكريم (2) .

ولكنى سأذكر تذكيرا عابرا برواد النهضة الحديثة كعبد الرحمن الجبرتى المتوفى سنة 1824 وكتابه (( عجائب الآثار فى التراجم والأخبار )) (1800) .

-كجماعة أول صحيفة عربية : الوقائع المصرية 1828 . - كرفاعة رافع الطهطاوى المتوفى سنة 1873 وكتابه تخليص الابريز الى     تلخيص باريس . - كأساتذة اول كلية للطب بمصر 1826 . - كأساتذة الجامعة الامريكية ببيروت 1866 . - كأساتذة كلية الطب بدمشق 1919 . - كجماعة صحيفة الاهرام الاسكندرية 1875 . - كجماعة مجلة المقتطف 1876 . - كجماعة مجلة لغة العرب ( ومنهم خاصة الأب انستاس الكرملى ببغداد      1911 ) .

وسأذكر كذلك بتاريخ تأسيس المجامع الثلاثة : المجمع العلمى العربى بدمشق ( 1919 ) ، مجمع اللغة العربية بمصر ( 1934 ) ، المجمع العلمى العراقى ( 1947 ) .

وسأشير اشارة سريعة إلى عمل الأفراد الموزعين فى كل الأقطار العربية بتونس مثلا الى أساتذة مجلة المباحث والنشرة التربوية التونسية (I) ونذكر منهم بالخصوص الاساتذة محمد السويسى ، والحبيب زغندة ، وفوشه ، وأحمد الفانى وسأشير أخيرا الى عمل المنظمات الشاملة لشتى الحركات العملية اليومية : مصطلحات البريد ، القانون ، الطب . . . . الخ .

وسأقف خاصة عند مرسوم إنشاء "مجمع اللغة العربية الملكى"  الذى أصبح " مجمع فؤاد الاول للغة العربية"  والذي صار بعد الثورة المصرية "مجمع اللغة العربية"  لقد نص فى مرسوم إنشاء هذا المجمع على أن من أهم أغراضه :

(( أن يحافظ على سلامة اللغة وأن يجعلها وافية بمطلب العلوم والفنون فى تقدمها ملائمة لحاجات الحياة فى العصر الحاضر . . . ))

عند اللجنة الثقافية للجامعة العربية التى أخذت على نفسها أن تتبع موضوع التعريب وأذكركم بأن هذه اللجنة أوصت فى دورتها الرابعة عشرة ( جانفى 1961 ) بعقد حلقة لتنسيق حر له الترجمة بين البلاد العربيه وبأن مجلس جامعة الدول العربية قد وافق على ذلك فى مارس أفريل 1961 فكان مؤتمر التعريب بالرباط ( أفريل 1961 ) واقتراح إنشاء شعب وطنية للتعريب فى الأقطار العربية . وتكوين المكتب الدائم للتعريب بالرباط ومكتب تابع للجنة الثقافية بالجامعه العربيه لتنسيق حركة الترجمة فى الأقطار العربية ويحسن ان نقف الآن قليلا عند المكتب الدائم للتعريب : إنه أعد من 1961 الى اليوم سلسلة من المعاجم العلمية فى الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفقه والقانون والأشغال العمومية والسياحة والخبازة والفرانة والصحافة والرياضة البدنية والأشغال وشؤون السيارات ومعجم السماكة والأسماك ومعجم الاجهزة والآلات والأدوات ومعجم الألوان ومعجم الألعاب العربية ومعجم أسماء العلوم .

وأصدر ستة أعداد من مجلته (( اللسان العربى )) . وهو بصدد إعداد (( المعجم العلمى العام )) . ولانجاز هذا العمل الضخم جرد المسؤولون :

I) عدة مجموعات لمصطلحات علمية فى شتى العلوم والفنون التى نشرت  ببغداد او بسوريا او بلبنان او بمصر او بالرباط .

2) وعدة معاجم خاصة فى علم التربية وفى علم الحشرات (1) . . . الخ  . نلاحظ أن المسؤولين عن هذا العمل الشاق الطويل جردوا المعاجم العربية وكتب فقه اللغة : نذكر منها : أ ) خاصة الصحاح للجوهرى ( 332_ 393 )  ، مقاييس اللغة لابن فارس ( المتوفى سنة 395 ه ) ، لسان العرب لابن منظور ( 630_ 711 ه ) ، تاج العروس للزبيدى ( 1185_ 1205 ) ، أقرب الموارد للشرتونى ، المعجم الوسيط ( نشر مجمع اللغة العربية ج1 سنة 1960 و ج 2 سنة 1961 ) ، ب )  تهذيب الالفاظ لابن السكيت ( المتوفى سنة 244 ه ) ،  والالفاظ الكتابية للهمذانى ( المتوفى سنة 300 ه ) ، وفقه اللغة للثعالبي ( المتوفى سنة 430 ه ) والمخصص لابن سيدة ( المتوفى سنة 458 ه ) ونسوا أن ينظروا فى كتب أخرى دونت غير لغة العرب فى الجاهلية وفي صدر الاسلام نعنى الموسوعات ( 1 ) كمفاتيح العلوم للخوارزمى ( المتوفى سنة 387 ه ) اذ نجد فى هذا الكتاب ما لا نجده عند أصحاب المعاجم من مصطلحات عن العلوم العربية من فقه وكلام ونحو وكتابة وشعر وعروض وتاريخ وعن علوم العجم من فلسفة الى منطق الى طب الى علم العدد الى علم الهندسة الى علم النجوم الى ذكر الافلاك الى الموسيقى الى علم الحيل الى الكيمياء

2 ) ككشاف اصطلاحات الفنون للتهانوى ( المتوفى سنة 1158 ه / 1745 م ) اذ نجد فى مجلده الاول مصطلحات العلوم العربية من صرف ونحو الخ . ومصطلحات العلوم الشرعية من كلام واصول الخ . ومصطلحات العلوم الحقيقية من منطق وحكمة الخ . ونجد فى مجلده الثاني مصطلحات علوم العجم  . . .

3) ككشف الظنون لحجى خليفة ( 1075 ه / 1648 م ).   ولعل الساهرين على هذا (( المعجم العلمى العام )) سيعتمدون هذه المؤلفات الضرورية قريبا وسيضيفون اليها أخرى :

كذيل المعاجم العربية : دوزى (I) . كمعجم الألبسة عند العرب : دوزى . كزيادات للمعاجم العربية : فانيان (2) .

كمعجم فيشر fischer : عن الشعر العربى القديم منذ البداية الى آخر القرن الثالث الهجرى ( التاسع للميلاد )  .

كمعجم لان LANE  الذى أتمه أخيرا الاستاذ سبيتلار    SPITALER  عن العربية القديمة ( 1960 ) .

كمعجم هانس فيهر Hans wehr العربى الالمانى الذى ترجمه كوانCOWAN  الى الانقليزية (  وهو يحتوى على 45.000 مفردة من العربية الحديثة ) .

كمعجم بارانوف Baranow  العربى الروسى ( موسكو 1962 ) الذى يحتوى على ( 33.000 مفردة ) .

كالقاموس الروسى العربى الجديد الذى حوى ثمانية آلاف كلمة ضرورية لترجمة النصوص الروسية فى المواضيع الاجتماعية والسياسية والمنزلية وهو بحوى الكلمات والجمل التى كثيرا ما تستعمل أثناء الجولات وزيارات المؤسسات الثقافية والعلمية والمسارح والملاعب الرياضية الخ .

كمعجم العربية الحية : بلا (I) وقد حوى 2700  كلمة مبوبة حسب المعانى .      كالعهد اليمين للمحررين والمترجمين : ليون بارشى (2) وهو معجم احتوى على حوالى 1800 مادة شملت الالفاظ والعبارات العصرية الجارية على أقلام رجال الصحافة العربية والشرقية إتماما لما جاء فى كتاب (( الفرائد الدرية )) لبولو ( Belot )

كالمعجم العربى الفرنسى الانفليزى لبلاشير وشويمى ودنيزو (3) إن هذا المعجم وهو بصدد النشر كراسة كراسة يطمح الى ان يسجل اللغة العربية قديمها وحديثها بذكر ورود المفردة فى القرآن الكريم ، بذكر المعجم ان كانت المفردة شاذة المدلول ، بالتنبيه الى المفردة الحضارية او الى التركب الغريب بالاستشهاد بتراكيب مشاهير العرب كابن المقفع والبلاذرى والبخارى والجاحظ وابن قتيبة والطبرى والمسعودى وابن خلدون الخ . إن هذا المعجم لمفيد ينبغى الرجوع اليه لما نجد فيه من مفردات دقيقة المدلول مضبوطة التطور وهو مرحلة أولى لمعجم تاريخى كبير (4) أو يكاد .

كالمعجم الفرنسى الذى ينوى الاستاذ شارل بلا نشره قريبا . إن هذا المعجم سيكون مفيدا لمن أراد تعريب الآثار الفرنسية الى اللغة العربية ولمن أراد أن يوجد ما بين اللغتين من مفاهيم وما بينهما من محتوى حضارى  مشترك .

كذلك يحسن بالمسؤولين عن اعداد (( المعجم العلمى العام )) أن ينظروا فى الدليل اللغوى الذى يتبع بعض مؤلفات المستشرقين مثلا De Goeje عن البلاذرى والطبرى ، عن الجغرافيين القدامى مثلا charles Pellat عن الجاحظ فى كتاب التربيع والتدوير . . الخ .

كذلك يحسن بهم أن يكونوا على علم بكل ما ينشر من معاجم عن المصطلحات العلمية (( كمعجم مصطلحات الرياضيات )) ( 1 ) للدكتور محمد السويسى .

إن لم يكن بين ايدينا اليوم معجم تاريخى شامل للغة العربية فهذا المعجـــم العلمى العام ( 2 ) مفيد بشرط :

1 ) أن يكون محكما فى ترتيب مفرداته ترتيبا الفبائيا بالرجوع الى الحرف اللاتينى ضمن معنى من المعانى .

2 ) أن تكون مفرداته موحدة بين الاقطار العربية مرسومة رسما لا تشابه فيه ولا عجمة بأن تكون المفردات مشكولة .

3 ) أن يكون باحثو هذا المعجم عل على بكل ما يعرب يوميا حتى لا تكون الهوة بين ما فى العالم من معارف وبين ما يقدم غذاء للقارئ العربى .

حقا لا تزال الامانة العامة لجامعة الدول العربية ( الادارة الثقافية ) تتابع موضوع تعريب الكتب العلمية تنفيذا لقرار مجلس الجامعة الصادر فى هذا الشان والذى ينص على ما يلى : (( إثراء للمكتبة العربية فى ميدان العلم نعمل الدول العربية على تعريب الكتب العلمية القيمة من اللغات الاجنبية الحية على أن تقوم الادارة الثقافية فى جامعة الدول العربية بتنسيق جهود الدول

العربية فى هذا المجال )) ( 1 ) كذلك إن الادارة الثقافية ستساعد على اصدار (( المعجم العلمى العربى الموحد )) الذى باشرت العمل فيه وزارة البحث العلمى فى الجمهورية العربية المتحدة .

اذن فى الأقطار العربية حركات تعريب للمصطلحات العلمية والتقنية وسعى الى تنسيقها وتوحيدها حتى تنهض العربية وتلتحق بالعالم المتقدم فما حظ تونس من هذه النهضة وما نصيبها من البحث فى مشاكل اللغة العربية ؟

ان المجتمع اليوم يحدد الانسان ب (( الذى يسعى دائما أن يتجاوز ما كان عليه )) ويعرفه حسب انتاجيته والانتاجية اصطدام مع الآخر ضرورة فهكذا نجد الشبان فى العالم يعلنون ثورتهم وشغلهم الشاغل تحقيق الشخصية وكسب الحياة فى شتى المظاهر كسبا يفسد أحيانا بالوحدة اللغوية وبالرباط المقدس فهل نفخت اليوم فى شبابنا التونسيين النقمة على المجموعة لسبب اللغة ؟ فلنستمع الى بعضهم يتساءلون :

ما موقف مجتمعنا من العرب ولغتنا هى العربية ؟ ما موقفنا من الفرانكفونية ولغة العمل عندنا هى الفرنسية ؟ ما حظنا من كسب العالم واللغة العربية دون اللغات الغربية استعمالا رغم غناها المخيف 94.000 مادة ( 2 ) فى لسان العرب لابن منظور و 45.000 فى معجم هانس فيهر ؟

ألا يحسن أن ننظر فيها نظرة علمية شاملة فتوحد ألفاظها وتيسر قواعدها فتستعمل فى جميع الميادين لا فى الشعر والسياسة والأدب خاصة ؟ ألا يحسن أن نتأمل قول العالم اللسانى فندريس Vendryes : (( . . فان اللغة اذا كانت مرنة خفيفة مقتصرة على الحد الادنى من القواعد النحوية سمحت للفكرة بالظهور فى وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة وعلى العكس من ذلك تختنق

الفكرة من التضييق الذى يصيبها من لغة جامدة ثقيلة ولكن عقلية المتكلمين تتصرف لتعتاد أى شكل من أشكال اللغة ؟ )) ( 1 ) .

هل حقا لغتى (( متخلفة )) أم هى قادرة عندما تساعدها الظروف على التكيف السريع والتعبير عن حاجات المدنية الحديثة ؟

هل حكم على ألا أكسب كل الكسب لا العربية ولا الفرنسية فأتحدث الى رفقائى ومن فى مجتمعى بالعامية ان كان الموضوع عاديا بسيطا يوميا وبالفرنسية اذا شئت أن أعبر عن شعور ما أو رأى ما وبعامية تتخللها فى اغلب الأحايين من جهة ألفاظ بذيئة وشتم للجلالة والدين ومن جهة أخرى ألفاظ فرنسية عديدة ؟

هل أومن بأن العربية مقتصرة وأن ثقافتها دون الثقافة الفرنسية فأتنكر لها ؟ هل أشعر وأنا فى بلادى بأنى غريب لأنى عربى التكوين لا أتكلم إلا بالعربية ( العامية او الفصحى ) ؟

هل سأضطر الى هجرة لا عودة بعدها لأنى فرنسى التكوين لأن أبوى شاءا أن يدرسانى الفرنسية فقط ؟ ( 2 )

هل أعتقد أن لى رسالة الخلق الثقافى ككل انسان فى مجتمع متجدد ؟ هل أعتقد أن لغتى وسيلة طيعة للتعبير عما فى النفس أم هى عاجزة فأرغب عنها لغيرها أو أرغب فيها إن كان حبى لها قويا فأتمتم فأتعثر فأسكت فلا أبلغ ما أريد فأجمد جمود الغير والنفس قصير ؟

ما موقفى من هذا الصراع اللغوى واللغة ظاهرة اجتماعية تتمثل فيها قومية الأمة ومميزاتها الوحدانية والفكرية ، واللغة تثبت ثم تنتشر إن بلغت أفكارا جديدة واتجاهات اجتماعية واقتصادية نافذة ، واللغة أداة الحضارة ووسيلة الاشعاع ؟

ما موقفى من الفصحى ومشكلة التبليغ هى مشكلة الساعة ؟ هل أرى رأى أنيس فريحة : (( ان الفصحى ليست لغة الكلام فلا يرجى منها أن تعبر عن الحياة

بحلاوتها ومرارتها وقسوتها ولينها كما تستطيعه العامية والدليل ظاهر فانك لا تستطيع أن تقول بالفصحى ما تقوله فى العامية واذا نقلته الى الفصحى أتى جافا قاسيا خلوا من العنصر الانسانى اللصيق باللغة )) ( 1 ) نعم ان الفصحى كلام محفوظ ، كليشيهات فى أغلبها ، مفرداتها متشابهة غير مضبوطة ، نعم ان الفصحى بترتيب مفرداتها وبفرض حركات اعرابية على أواخرها قد تجعل المتحدث يفكر فى الحركة وينسى محتوى ما يقول او يتعثر فيتلعثم فيتم أو يقول عكس ما أراد .

ان كانت اللغة  وسيلة اقتصادية فهلا ينبغى أن تلقن تلقينا عصريا سريعا : ما قل ودل ، لا إفراط ولا تفريط سواء اكان ذلك فى مستوى المفردة ام فى مستوى التركيب النحوى ؟

ان كانت اللغة وسيلة اقتصادية فلنتساءل ما الفائدة من الازدواجية ( الفصحى - الفرنسية ) ونحن نعلم أن نسبة هائلة من التلاميذ من ذوى الارياف والقرى خاصة سوف لا يجتازون عقبة التعليم الابتدائى ؟ ما الفائدة من تلميذ لقن لغتين نخشى أنه اذا لفظته المدرسة لاسباب السن او المستوى أن ينحدر فى أمية جهلاء ؟ أفلا يحسن لو لقن واحدة هى الى لغته العامية أقرب والى قلبه أميل والى استعمالاته أولى ؟ أفلا يحسن لو لقن واحدة حتى يسلم من تمزق الشخصية او من التنكر للاصالة القومية ؟ أفلا يحسن أن يدرس الفرنسية لغة اجنبية لا لغة اساسية خطرها على اللسان العربى أن يمحوه أو أن يجعله هزيلا متعثرا تعثر المريض المتخلف ؟

لقد صارعت اللغة القرشية بفضل القرآن الكريم لهجات عديدة وانتصرت عليها وصارعت اللغة العربية لغات عديدة فانتصرت عليها نذكر منها خاصة لغات المستعمرين من بريطانيين الى فرنسيين الى ايطاليين ، إن سر بقائها فى أنها لغة القرآن ، مقدسة ، إنها ثبتت على مر الدهور بفضل خاصة حرزتها فى الدفاتر وضيقت عليها بالقواعد وجعلتها موضوع تقديس ومهابة ، هذه الخاصة هى جماعة المتعلمين . لكن لغتى تعيش صراعا آخر اليوم صراعا من الداخل لا من الخارج من المستهلك الذى يستعمل الثنائية او الازدواجية ، الذى يريد اداة طيعة بها أخذ وعطاء بها يفهم ويفهم يتعامل بها دون تأفف وضيق نفس ، يريد ما يسمعه مفهوما ، يريد ما يقرؤه مفهوما قريبا الى ذهنه ، مغذيا لعواطفه . ما هى هذه الأداة ؟ هل هى العامية أم الوسطى أم الفصحى أم الفرنسية ؟

كما نرى إن مشاغل هؤلاء الشبان هى مشاغل الجد والقلق الوجودى : هل ستحل الفصحى الفرنسية ام العكس ؟ هل ستحل الفصحى العامية ام العكس ؟ المستقبل أخيرا لأى لسان ؟

هل ستحل الفصحى الفرنسية ؟ يمكن ذلك لان العربية من مقومات الشخصية التونسية ومن أركان الوحدة القومية وهى لغة دين هذا القطر فلا نرى غريبا ان تحل العربية محل الفرنسية فى أغلب الفنون والعلوم وأن يعرب التعليم فى الابتدائى والثانوى وحتى العالى وأن تستعمل الفرنسية استعمال لغة أولى اجنبية فى بعض العلوم الصحيحة وعند التعامل الخارجى .

هل ستحل الفصحى العامية ؟ إن الفصحى لغة تأليفية إعرابية فالاعراب فى الفهم والافهام صعب واللسان الى السهولة أميل والى عدم الجهد أحن .

إن الفصحى المعربة لم تكن لغة التخاطب إلا فى زمان قصير قبل ظهور الاسلام وبعده بقليل إذ كان اللحن موجودا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والامويين ألم يرو عن عبد الملك بن مروان الذى تولى الخلافة سنة 65 ه ( 648 ) أنه قال : (( شيبنى ارتقاء المنابر وتوقع اللحن )) ؟ ألم يكن الحجاج على فصاحته يخشى اللحن ؟

إن الفصحى لغة الخاصة ، لغة الشعر والخطابة والقرآن الكريم ثم لغة الأدب بمفهومه العام الشامل ، إنها لغة أقلية لا لغة الجماهير لا لغة الناس اليومية - إذن حتى ولو شمل التعليم جميع طبقات الناس فاللغة العامية التى ستثريها الفصحى بمفاهيمها وبمفرداتها وببعض تراكيبها ستصبح هذه (( اللغة الوسطى )) ( 1 ) لكنها تبقى غير معربة (( تحليلية )) لسبب (( قاعدة الاقتصاد )) فى علم اللغة او اللسانيات : (( اللسان يسعى الى الأسهل المؤدى بكل الاغراض )) - إذن إن محاولة بعضهم لجعل الفصحى لغة التخاطب محاولة حميدة ( 2 ) بتلقين صبيانهم منذ الرضاعة العربية الفصحى وتبليغها اياهم ملكة دون غوص فى كتب الصرف والنحو والبيان وعلم المعانى لكن هذه المحاولة آلت الى الفشل لأن الصبى عند احتكاكه بغيره فى البيئتين الأخريين يشعر بأن

لسانه بعيد عن ألسنتهم لا يؤدى بجميع حاجاته اليومية ، لا يعبر عن حياته فى بيئاته الثلاث بالمنزل بالمدرسة وبسواهما - إذن إن كانت الحياة صفة للغة فالعامية حية باقية ، ان كان (( التبليغ )) أساس الخطاب فالعامية ثابتة الوجود متطورة فالحرص كل الحرص أن تلقح من الفصحى وان تلقح الفصحى وأن تصارعا معا الأجنبية الفرنسية على الأقل فى بعض الميادين .

والآن المستقبل لأى لسان فى مستوى الجمهورية التونسية وفى مستوى الأقطار العربية جميعها ؟

هل هو حل لهجة عامية محل العربية الفصحى ثم نشر لهجة عامية على جميع البلدان العربية ؟

هل هو حل اللغة الوسطى محل العربية الفصحى ثم نشر هذه اللغة الوسطى وهى حصيلة لغات دارجة لقحتها اللغة الفصحى ؟

هل السعى وراء نشر اللغة الفصحى بين جميع طبقات الشعوب فى تونس وفى كل الاقطار العربية وحمل جميع الناس على التعامل بها ؟

الجواب عن السؤال الاول هو اذا ما اخترنا الاقليمية والتونسة التامة وأردنا أن نتخلص من الفصحى الاعرابية فمن الثنائية Diglossie  ( الفصحى - العامية ) فمن الازدواجية Bilinguisme  (الفصحى - الفرنسية ) طوعنا اللسان التونسى وجعلناه أداة تعبير فى مستوى المكتوب والمقول فى جميع الميادين بشتى الملفات العاطفية والذهنية - ان هذه الدعوة غير عملية مآلها الفشل والخذلان .

الجواب عن السؤال الثاني هو ان هذه اللغة الوسطى صارت لغة قائمة الذات أو تكاد إذ هي لغة الساسة الى جماهيرهم ، هى لغة العرب المثقفين عند التلاقي والخطاب ، إذن هي لغة المستقبل فى مستوى المقول سواء أكان ذلك فى الحدود التونسية أم خارجها . ولعلها أيضا ستصبح يوما ما لغة المستقبل في مستوى المكتوب . من يدري ؟

أما الجواب عن السؤال الثالث فواضح جلى : إن العربية الفصحى ستبقى فى مستوى المكتوب بشرط أن نتخذ على أنفسنا اختيارا جوهريا : التعليم الشامل للجماهير لا للخاصة وان ننظر فى هذه الفصحى نظرة الحائر القلق قلق الطبيب على مريض يستغيث ، يحتضر ، بشرط ان ننظر فى هذه اللغة وأن ندرسها من زوايا عديدة متوازية : فى مستوى المفردات تحت ضوء علم

الأصوات وعلم وظائف الاصوات والصرف والنحو والمعجم والرسم والا نخشى عليها من اللقاح ؛ فى مستوى الجملة تحت ضوء القوالب والتمارين التركيبية وألا نخشى عليها من التطعيم .

بقيت الآن مشاكل أخرى تتعايش وهذا الصراع اللغوى نذكر منها حالة الخط العربى وأمر تاليف الكتب وتدريسها .

مائة مليون عربى تقريبا يكتبون العربية بالخط العربى - هذا لا يعنى أنهم جميعا مثقفون - أقطار اسلامية عديدة استعملت الحروف العربية وكتبت بها لغاتها تذكر منها التركية والفارسية والاوردية والأفغانية والمغولية والكردية والبربرية والسودانية والساحلية ولغة الملايو .

لكن نلاحظ اليوم أن قراءة الحرف العربى وهو معجم بدون حركات أمر صعب ينفر الناشئة والكهول وقد شعر المعاصرون بهذا الخطر منذ 1943  وكانت مشاريع عديدة لتيسير الخط العربى وجعله يساير سرعة الزمان : (( نقرأ لنفهم لا نفهم لنقرأ )) نذكر الاخيرة منها : مشروع الاستاذ أحمد الاخضر بالمغرب ومشروع مروة بلبنان ومشروع الاستاذ البشير بن سلامة بتونس . إن هذه المشاريع تجابه صعوبات جمة من الكاتب أولا ( عليه ان يحسن اللغة العربية حتى لا يخطئ لا فى الصرف ولا فى النحو ) من الطابع ثانيا ( عليه أن يقتنى آلات أخرى وأن يكسر ما عنده ، عليه أن يجد مصححين أكفاء يكسبون العربية كسبا لا تشابه فيه ) . على كل إن المسؤولين المغاربة عن التربية والتعليم قد اهتموا بهذا الموضوع الحيوى وأدرجوا فى اجتماع الهيئة الاستشارية المغربية للتربية والتعليم ( الجزائر 13-18 جانفى 1969 ) ضمن توصيات لجنة الرصيد اللغوى التوصية التالية : (( نظرا لضرورة شكل النصوص فى المرحلة الابتدائية فان لجنة الرصيد توصى بتأليف لجنة خاصة لدراسة مشاكل طباعة الخط العربى )) .

ان هذه اللجنة لم تتكون بعد لكننا نرجو من مسؤولينا عن التربية والتعليم بالمغرب أن يسرعوا بانشائها لأن فى حل مشكلة الخط العربى جدا من الأخطاء الشائعة على أفهام تلامذتنا فى جميع المستويات وعلى أقلامهم ( 1 ) .

مشكلة أخرى تجعل المربى فى حيرة : هى مشكلة تاليف الكتب باللغة العربية : نلاحظ فى تونس أننا سعيدا سعيا حميدا فى المستوى الابتدائى

والثانوى سواء أكان ذلك فيما ألف فى الصرف والنحو وعلم المعانى أم فيما انتقى من نصوص أم فيما كان من اختيارات تربوية لغوية ، لكن يحسن أن نزيد خطوة أخرى على تلك المحاولات الجريئة وأن نتخذ اختيارات أخرى أساسية حتى يبنى البناء التعليمى التونسى بمستوياته الثلاثة - الابتدائى والثانوى والعالى - بناء متسلسلا منسجما دون تعثر وإذ لا ننسى هنا مجهودات السادة المتفقدين والمعلمين فى الابتدائى ومجهودات السادة الزملاء فى الثانوى , وبحوث معهد علوم التربية ( نهج فينيلون فيما يخص تدريس العربية بالطريقة الحوارية ، وبحوث معهد بورقيبة للغات الحية اذ أبى الا أن يدرس العربية للكهول الاحانب حسب تجارب تربوية حديثة ، نقف عند نشاط قسم اللسانيات بمركز الابحاث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية .

إن هذا القسم الذى أنشئ سنة 1964 قد أصدر بحوثا لغوية هامة نستطيع أن نقسمها الى أربعة أقسام ( 1 ) :

أ ) دراسات عامة : نذكر منها مثلا : المستويات المختلفة لاستعمال العربية بتونس : عبد المجيد عطية ؛ الحالة اللسانية بتونس : صالح الفرمادى ؛ استعمال العربية والفرنسية ببعض الادارات التونسية : سعيد بلطيفة الخ .

ب ) دراسات خاصة : 1 ) على ضوء اتصال الالسن نذكر منها : لغة اللافتات فى بعض شوارع هامة بتونس العاصمة : صالح الفرمادى ؛ لغة بعض عملة ـلطة ممن يشتغلون بفرنسا : أحمد العايد .

2 ) على ضوء دراسة الأخطاء : مشاركة فى دراسة أخطاء العربية عند تلامذة المعاهد الثانوية بتونس : أحمد العايد ؛ فرنسية الاطارات التونسية : الآنسة زهرة الرياحى .

3 ) على ضوء علم وظائف الأصوات : وصف لألسنة المهدية وجمال وفابس : لعبد المجيد عطية والطيب البكوش وهشام سكيك .

4 ) على ضوء دراسة الكتب : دراسة معجمية صرفية نحوية لكتب القراءة بالسنتين الاوليين من التعليم الابتدائى : لعبد المجيد عطية وأحمد العايد وصالح الفرمادى وعبد القادر المهيرى .

ج ) تنبيهات ووثائق .

د ) تعريب كتاب cantineau  : الفرمادى : دروس فى علم أصوات العربية .

ه ) مراجع عما ألف من دراسات لغوية فى تونس : للطيب البكوش . كذلك إن القسم بصدد طبع كراسة خاصة بمشاكل الازدواجية سنقرأ فيها دراسات عن : (( تعريب الحرس الوطنى بتونس  ))رشاد الحمزاوى ؛ (( استعمال العربية والفرنسية بالمعاهد الثانوية )) : زهرة الرياحى ؛ (( لغة الطلبة )) : الحبيب العنلى .

كذلك إن القسم بصدد انجاز أعمال أخرى : لوزارة البريد سيشارك فى اعداد (( دليل الهاتف )) بالعربية تحت اشراف عبد المجيد عطية .

لوزارة الاشغال العمومية سيعد رموزا بالحرف اللاتينى لطبع الخرائط التونسية .

لوزارة التربية القومية إنه يعمل على ضبط رصيد لغوى مغربى أساسى . فى مستوى الابتدائية : لقد أنجز جزء من هذا العمل بمعية باحثى معهد علوم التربية وسينجز القسم الثانى فى قسم اللسانيات باتصال مع معهد العلوم اللسانية والصوتية بالجزائر ومصالح التعريب بالمغرب وستقدم اللجان القومية للرصيد اللغوى قريبا الى وزراء التربية والتعليم بالاقطار المغربية قائمة مشتركة أولى لمفردات ضبط تواترها ضبطا علميا بفضل الآلة الحاسبة بالجزائر ORDINATEUR واختيرت اختيارا غايته التعصير والتوحيد ولنتأمل معا نتيجة  هذا البحث الشاق الجليل ، صبيان مغاربة ينشؤون على نفس النشأة بنفس اللغة مبنى ومعنى ، هذا هو التوحيد من أساسه .

لكن عملنا هذا لا يتقيد بالمغرب دون سواه اذ سنتصل ببيروت حيث يعمل باحثون هناك عملا قريبا مما نريد وهكذا ستتضافر جهود المغاربة والمشارقة لخير عربية أساسية مشتركة .

إذن نلاحظ أن قسم اللسانيات بتونس : 1 ) يهتم قبل كل شئ بوصف الحالة اللغوية بالجمهورية كدراسة أولى ضرورية للحالة اللغوية فى المغرب ثم فى العالم العربى جميعه .

2 ) انه يسعى جهده أن يجعل العربية لغة (( عملية وظائفية )) لضبطه للغة الاساسية ، تعريب دليل الهاتف ، مساعدة باحثين اجتماعيين - من جامعة نيس يعملان تحت اشراف اليونسكو - فى دراستهما للامية بالخنفة ( فرنبالية ) .

3 ) أنه سيعرب أو سيشرف على تعريب ما ينتجه مركز الابحاث الاقتصادية والاجتماعية من بحوث علمية ضمن أقسامه الخمسة الاخرى ( علم الاجتماع ، علم السكان ، علم الجغرافيا ، علم الاقتصاد ، علم القانون ) .

إذن فان قسم اللسانيات يدرس اللغة وهى وظيفة اجتماعية وأداة اقتصادية دراسة أساسية تطبيقية لخير وطننا وخير قوميتنا تحت ضوء الصراع اللغوى من الثنائية ( الفصحى - العامية ) الى الازدواجية ( الفصحى - الفرنسية ) الى الثلاثية ( الفصحى - البربرية - الفرنسية ) الى الرباعية ( البربرية - العامية - الفصحى - الفرنسية ) وغايته تطويرها وتعصيرها مؤمنا بضرورة استغلال وسائل تطوير اللغة من اشتقاق الى نحت الى تضمين الى مجاز الى  تعريب وبحينية الحاق الدخيل المستعمل المتواتر ؛ ليس علينا اعتزازا بلغتنا القومية العربية ان نحارب كل دخيل وأن ننبذه كما فعل الالمان أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فحذفوا من لغتهم الكلمات الفرنسية الدخيلة فحلت مثلا Spielhaus  الالمانية محل كلمة Fahrkarte , Theater محل كلمة Billet  الخ . نحن لا نظن أن العربية اذا استعملت المفردات الحضارية الحية المتداولة المتواترة على الالسن كتلفزة ( عوض مرناة ) كدوش ادواش ( عوض مضخة أو شنان ) أنها ستضمحل لفائدة لغة أخرى . إن سر بقاء اللغة فى أصواتها وفى صيغها الصرفية وفى ترتيب مفرداتها حسب قوالب نحوية معينة وللعربية الفصحى - وهى لغة تأليفية - نحو فان يسرناه بأن تدرجنا بنماذج التعبير شيئا فشيئا كان النحو الواحد المشترك الموحد والموحد ، لقد حان حقا والزمان يسير بخطى هائلة ومائة مفردة تبتكر كل يوم تقريبا ألا نتقيد بالتعريب دائما وان نلحق بلغتنا الدخيل المستعمل المشترك بعد ضبطه ضبطا علميا بفضل الآلة الحاسبة ، بفضل الآلات المكنغرافية .

واذا ما كانت هذه الدراسات الاولى اتضحت لنا العقبات وتراءى لنا العلاج :

1 ) فى مستوى التدريس : أ ) علينا أن نقدم الى التلاميذ مفاهيم أصيلة عصرية مسابرة لركب الحضارة . ب ) ألا نعتبر العربية فى الابتدائى لغة الأم بل هى لغة القسم فلندرسها

تدريسا حديثا يرغب عن القواعد المحفوظة قدر الامكان ويرغب فى تلقين القوالب العربية السليمة على أساس التمارين التركيبية من تعويض الى إبدال الى قلب الى إنشاء - وحبذا لو أدخلنا فى تدريسنا الوسائل السمعية البصرية لشوقنا الصبى الى اللغة العربية ولمال اليها ميوله لضرتها اللغة الفرنسية .

2 ) فى مستوى التأليف : الى أن تقدم القائمة الاولى للرصيد اللغوى الى المؤلفين ، الى أن تؤلف نصوص بذلك المشترك اللغوى الادنى فعلى المعلم أن يجتهد بأن يعتبر مراكز اهتمام الصبى فيمكنه من التعبير التلقائى السليم عن وجدانه وعن أفكاره والخوف اليوم أن أفكار صبياننا تنعقد فقرا للمحتوى الملقن وتعقيدا للمفردات المعربة البعيدة عن الصبى وسعيا وراء القوالب النحوية الشاذة ( أذكر لكم ما قص صبى فى السنة الاولى لأبيه باكيا : (( والله يا بابا أنا نقول بهيم )) والمعلم يقول : (( حمار )) .

إذن بفضل مجهودات كل قطر عربى ، بفضل تنسيق الجهود فى مستوى الجامعة العربية ( اللجنة الثقافية والمكتب الدائم للتعريب ) وبفضل إقحام العربية أبواب المنظمات العالمية فلعل اليوم قريب لنرى المؤلفين العرب ومفكريهم يتبوؤون مقاعد الخلود ويتحصلون على جائزة نوبل ، لنذكر ما قاله الاستاذ شارل بلا Pellat  Charles يوم 17-4-1970 بالعمل ( الملحق الثقافى ) : (( كنا اقترحنا مرات عديدة طه حسين وتوفيق الحكيم واقترح بعضنا نجيب محفوظ لكن اللجنة لم تمنح أحدهم الجائزة لأنها ترى أن الأدب العربى بعيد جدا عن هذه النهضة التجديدية الطلائعية المتطرفة فى محتوياته وأساليبه . . . ))

على كل حال دخلت العربية اليونسكو والأمل فيها عريض ولا شك أن إدخالها فى المنظمات الدولية وخاصة منها اليونسكو يجعل منها لغة عالمية دولية ستتقدم تقدما أسرع وستنتشر انتشارا أشمل ولكن قبولها يقتضى منها :

أن تكون مفرداتها واضحة المدلول دقيقة لا تشابه فيها ولا ترادف غامض , موحدة ، أن تكون صيغها الصرفية وتراكيبها النحوية مضبوطة الاحصاء مضبوطة الترتيب ، أن تقدم لليونسكو فى أقرب وقت ممكن مجموعات من المصطلحات فى شتى ميادين المعرفة ولعل المجامع العلمية او هيئات التعريب فى العالم العربى لا تعمل بالسرعة التى يفترضها العصر فلا بد إذن من مجهودات الأفراد لايجاد المصطلحات التى تفتقر إليها وخاصة المستعملة الآن فى اليونسكو ( 1 ) .

على كل حال اذا فرضت العربية نفسها فى اليونسكو انتشرت انتشارا سيشمل أولا البلدان الاسلامية غير العربية واللغة العربية هى المرآة التى تنعكس فيها قيم الاسلام - إن المسلم يصلى بلغة القرآن - لكن اذا آمنا أن صلة الاسلام باللغة العربية أمر لا مراء فيه واذا رأينا ان العربية لا تشمل إلا مائة مليون نسمة وأن الخمسين والمائتى مليون مسلم فى البلدان الاخرى بمعزل عن لغة القرآن واذا آمنا أن الشعوب الاسلامية لا يمكن لها أن تتصل بالاسلام الاتصال العميق المنشود إلا إذا ما درست العربية ولا يمكن لها أن تقترب من الدول العربية وتتلاحم معها إلا إذا استعربت ولو بمقدار تراءى لنا وجوب تبسيط اللغة العربية حتى تغزو المسلم بعض الغزو .

ثانيا : البلدان الأخرى ألم يدع أخيرا الى ذلك الاستاذ ميشون ( جينيف ) 1969 : (( يجب أن تدرس العربية بحسب الاختيار لغة ثانية سوية مع الألمانية أو الانقليزية )) .

وفى الحقيقة من نظر اليوم فى برامج الدول الغربية أو الشرقية وجد أن للعربية حظا ما كانت عليه منذ عشر سنوات فلننهض اذن لتقديم لغة يسيرة لا عسيرة عملية وظائفية مشكولة مضبوطة المفردات والتراكيب .

وبعد استعراض أهم المشاكل وذكر بعض الحلول يحسن أن نعبر الآن عن بعض الرغبات التى نأمل أن تتحقق فى تونس وفى المغرب العربى وفى البلاد العربية جميعها :

أ ) فى تونس نأمل أن يكون ملتقى قريب عن الترجمة والتعريب ، هل التعريب ضرورى بتونس وفى أى مستوى ؟ إن رغبنا فى التعريب فلماذا لم نعرب إلا باحتشام ؟ ما هى الاسباب المادية والبشرية التى حالت دون ذلك ؟ هل نفكر في مخطط للتعريب وكيف ذلك ؟

نريد فى هذا الملتقى دراسات علمية لا عاطفية حماسية : 1 )  يقوم بها من اهتم بموضوع الازدواجية العربية الفرنسية من بحاثين أو مدرسين تونسيين كانوا أو فرنسيى اللسان .

2 ) ويقوم بها مسؤولون عن التربيه القومية والشباب ومسؤولون عن الثقافة ومسؤولون عن الاقتصاد .

كذلك نأمل ان يكون قريبا ملتقى عن تدريس اللغة والصرف والنحو والبلاغة تدريسا يتماشى والعلوم اللسانية .

2 ) فى مستوى المغرب العربى : طلبا لمقترح الدكتور أحمد طالب وزير التربية والتعليم بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بالتدوة الثالثة لوزراء التربية والتعليم بالرباط ( 7 جوان 1969 ) ينبغى أن نفكر فى ملتقى عن مشاكل التعريب فى الاقطار الاربعة : ليبيا عربت هى الاولى ، والمغرب عربت هى الثانية ، وتونس شرعت فى التعريب فكانت شعبة (( أ )) التى يبدو أنها ذاهبة الى الزوال ، والجزائر التى قررت التعريب وشرعت فيه رغم المصاعب ( 1 ) .

كذلك يحسن أن نلتقى قريبا لكى نضبط مشاكل تدريس اللغة وبعض الحلول .

3 ) وأخيرا فى مستوى الأقطار العربية نأمل : أ ) أن تترجم الكتب والمراجع الاساسية الى العربية باعانة الجامعة العربية واليونسكو وأن توزع كل عام على فروع العلوم الاساسية منها والتطبيقية , هذا يعنى متابعة كل ما ينشر من المجلات والدوريات والكتب والمقالات الصحفية فى اللغات المختلفة من فرنسية وانقليزية وروسية والمانية واختيار ما ترى تعريبه .

ب ) أن نشرع دون تخاذل فى تدوين (( معجم تاريخى )) يشمل العربية القديمة والحديثة ( 2 ) ( إن المعجم العربى الفرنسى الانقليزى لبلاشير ودونيزو وشويمى لبنة أولى لهذا المشروع الضخم ) .

ج ) ان ينجز (( معجم موحد باللغة العربية للمصطلحات العلمية والتكنولوجية )) حسب ما جاء فى توصية مؤتمر اللجان الوطنية الخامس ( فيفرى 1966 )

بالكويت الموجهة الى الجامعة العربية وقد باشرت بعد فى هذا الانجاز وزارة البحث العلمى بالجمهورية العربية المتحدة .

د ) أن يدون (( معجم عربى للمعانى )) ونرجو أن يأتى المكتب الدائم للتعريب بالرباط على هذا المشروع فى أقرب الآجال .

ه ) أن يفكر المسؤولون فى إعادة تأسيس اتحاد المجامع اللغوية العربية ليصبح مجمعا لغويا مركزيا (( وتصبح المجامع الموجودة بدمشق وبالقاهرة وببغداد والتى ستوجد فى عواصم عربية أخرى فروعا لاتحاد المجامع ( 1 ) .

و ) أن يهيأ ملتقى بين الذين فكروا فى تسهيل طباعة الحرف العربى وبين اللسانيين ( اللغويين ) وبين نواب عن وزراء التربية والثقافة والاقتصاد .

ز ) أن يهيأ ملتقى بين اللسانيين العرب - مشارقة ومغاربة - حتى يستعرضوا معا ما ستستفيده اللغة من الدراسات اللسانية وما ستستفيده العربية من الآلات المكنغرافية فى مستوى المكتوب وفى مستوى المقول .

بعد الأمل الألم ، بعد الرغبة الرهبة ، بعد ما عبرنا عنه من رغبات نخشى أن نطالب من جديد بتوحيد المصطلحات العلمية فى مستوى كل الاقطار العربية كما كان ذلك فى مؤتمر توحيد المصطلحات العلمية بالجزائر فيفرى 1964 ( 2 ) وكما طولب به فى كل ملتقى علمى عربى - على كل نرجو أن يضطلع المكتب الدائم للتعريب بهذه المهمة حسب ما جاء فى الوثيقة عدد 42 ص 4 الصادرة عن المؤتمر السابع للجان العربية لليونسكو ( 7-12 مارس 1970 ) .

(( وبناء على قرار مجلس جامعة الدول العربية فى دورة مارس 1969 الخاص باحالة مهمة توحيد المصطلحات العلمية حتى مرحلة الدراسة الثانوية الى

المكتب الدائم لتنسيق التعريب فى الوطن العربى بالرباط على أن يبقى للادارة الثقافية الاشراف على سير العمل فيه والمشاركة بجهودها حتى تتم عملية توحيد المصطلحات العلمية فى جميع المدارس العربية الثانوية أرسلت الادارة الثقافية الى مكتب التعريب فى الرباط المواد الآتية )) :

نخشى أن نطالب من جديد باستعمال الارقام العربية والرموز اللاتينية فى التفاعلات الكيمياوية .

يخشى أن نطالب بتوحيد أسماء الشهور بين سائر البلاد العربية وكتابتها من اليمين الى الشمال كما ذكر بذلك الاستاذ محمد بن البشير عضو اللجنة المغربية لليونسكو فى المؤتمر السابع للجان القومية العربية لليونسكو الذى انعقد بالخرطوم من 7 الى 11 مارس 1970 .

نخشى أن نبقى نترجم فقط دون أن نفكر فى تكوين أدمغة مختصة فى جميع الفنون والعلوم تكتب بالعربية مباشرة أو على الاقل تترجم عن معرفة الترجمة السليمة وتعرب عن علم التعريف المرضى .

نخشى أن نقرر قرارات سريعة تبقى حبرا على ورق كما جاء فى توصيات المؤتمر الثقافى العربى الثامن (( اعداد الملمين فى الوطن العربى )) ( القاهرة 30-20 ديسمبر 1969 ) ص 2 : إن المؤتمر يوصى بما يلى :

(( المبادرة الى استعمال اللغة العربية لغة للتدريس والبحث العلمى فى جميع مراحل الدراسة بالكليات والمعاهد العامة والتقنية فى البلاد العربية ، على أن يصدر فى كل بلد عربى تشريع ملزم بذلك ، وأن يكون البدء بتنفيذه فى السنة الاولى ( الصف الاول ) بتلك الكليات والمعاهد فى بداية العام الدراسى التالى مباشرة لصدور التشريع ، وأن ينص على أن يكون التنفيذ فى السنوات ( الصفوف ) التالية متتابعا عاما بعد آخر دون فواصل زمنية )) .

خشى أن نسمع اللغة العربية تصيح : (( النجدة النجدة ، نهضتى بدأت فى أوائل القرن التاسع عشر ولما تثمر ، أبنائى ما زالوا فى تخلفهم الذهنى راضين عن صورتى ولهين بها عاشقين لها غير شاعرين بأن اللغات الاخرى تتقدم مع أصحابها بخطا هائلة لا سبيل الى الالتحاق بها )) .

نخشى إذن ان نبقى مستهلكين وألا نسعى فى أن نصبح قريبا من المصدرين . فى خاتمة هذا البحث يحسن أن نقول أن لا نهضة صحيحة للغة العربية إلا :

1 ) بتحليلها التحليل اللغوى الدقيق وابراز معطيات الصراع الذى تعانيه من الثنائية ( الفصحى لغة تأليفية ، العامية لغة تحليلية ) والذى تعانيه من الازدواجية ( الفصحى ولغة أخرى أجنبية ، كالفرنسية بتونس ) .

بتلقيحها بما هو مستعمل متواتر مضبوط ضبطا علميا ميكانوغرافيا زيادة على الاشتقاق والنحت والتضمين والمجاز والتعريب والترجمة .

3 ) بطبع حروفها طبعا مشكوولا كامل الشكل حتى نقرأ لنفهم .

4 ) بتدريس العربية تدريسا يعتمد الحملة فى كل ميدان : الالحاح على القوالب والتمارين التركيبية ، تدريس الصرف تدريسا واضحا بالالحاح على القياس وإهمال الشاذ حتى العالى ، تدريس النحو بالانطلاق دائما من الجملة وصفا لا تقعيدا ، تدريس البلاغة بالحاح على علم المعانى .

العمل شاق عسير يفرض أن تجتمع المجهودات لغاية واحدة ، أن يعمل اللسانى والمربى والطابع تحت رعاية الحكومة . ولا شك أن هذا العمل الجبار يتجاوز قسم اللسانيات ومعهد علوم التربية ومعهد بورقيبة للغات الحية ومجهودات الزملاء فى الابتدائى والثانوى واقتراحات الاستاذ البشير بن سلامة - إنه عمل حكومى اذا ما شئنا أن تصبح العربية لغة وظائفية عملية , لغة الجماهير لا لغة الخاصة ، لغة الكتابة والتعامل عند الشباب والكهول ، هذا فى مستوى قطرنا ، أما فى مستوى الاقطار المغربية فالامر يتجاوز الآلة الحاسبة بمعهد العلوم اللسانية والصوتية بالجزائر ومجهودات اللجان القومية للرصيد اللغوى ومجهودات المعربين عامة ، اما فى مستوى الاقطار العربية فالأمر فوق امكانيات المكتب الدائم للتعريب ولا اللجنة الثقافية للجامعة العربية ولا المجامع الثلاثة ، الأمر فى أيدى وزراء التربية والتعليم وزملائهم وزراء الثقافة ووزراء الاقتصاد .

اشترك في نشرتنا البريدية