الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

اللغة الفصيحة لغة اعتزاز " دعوا التبجح . . "

Share

الهنات التى تعرفنا عليها فى الكلمة السابقة يقابلها هاهنا السهولة والايضاح والتركيز . واحسب ان المجلة اذ اردفت تلك بهذه لم تكن تقصد الى ان اولاهما اهم من الاخرى كما قد يفهم خطا من عموم التقديم والتاخير فى ترتيب المقالات . كما انها بمجاورتها بينهما لم تكن تصدر عن نزعة الى المجانسة بجامع من الاستشراق . . وأغلب الظن أن ( مكافأة ) القارىء بعدما عاناه من الاستاذ بارك هي ما دعاها أى المجلة الى تعقيب كلمته بمقال الاستاذ بلاشير .

حقا لقد كانت المحاضرة - مقروءة - عربية الاسلوب مشرقة البيان واضحة الترابط فقد عرف المحاضر - وهو الكثير المراس - موضوعه ومراده فكان مركزا ماضيا بلا تردد ولا التواء . . وان كنت بسبب من اني غبت عن سماع المحاضرة مباشرة فاقدا للسند الضرورى الذي يتيح لي معرفة الى اى مدى ساهم فى ذلك ناقلها الاستاذ الدكتور فريد غازى

ومهما يكن فان المستشرق الكبير معروف فى العربية ، معرفة مقرونة بكل فخر له وبكل ما يدين العرب بشكراته . . ما دمنا لانملك اولا نحب نملك غير اضعف الجزاء الشكر والعرفان . ولكن ليس على الا ان اقلع عن مثل هذا وقد اخذت على نفسى الا انصب منى شاهد تزكية فى هذا المقال كما لم اغمض عيني عن بياض اسنان تلك العنزة . . . التى تحدث عنها المسيح . .

ولكن ما دام الاستاذ قد تحدث عن نوع من ( العالمية ) اشعره به تبادله الحديث بالعربية وما دام الاعتزاز موضوع كلمته ومن ثم تعليقى ، فلا يسعنى الا ان اشير الى ما قام بنفسى وأنا أقرأ عربية فصيحة لشخصية اجنبيه ممتازة ، من نفس الشعور بالاعتزاز والعالمية .

غير أنى ، وأنا الاسف الحسران ، لم البث حتى تراءى لى الشعور على حقيقته وبخرزبده واقع حاد ، هو اشد من ان يغالطه وينطلى فى دسمه سمه الزعاف لقد اثار فى ذلك الشعور ذكرى مجد العربية التالد فرحت اقارنه بالحاضر ، وانتهيت الى انه الشعور الذى يجرى فى قلب يتيم يربت على رأسه ، او فى قلب ملك مخلوع يصادف بعد نسيان تاجه يدا ذاكرة تقدم له الولاء . . . تعزية خير منها السكوت

والمقال عبارة عن دراسة موضوعية للجانب العاطفي في العربية الفصيحة فيقرر الاستاذ ان هذه اللغة لغة اعتزاز وافتخار بالنسبة لمتكلميها . . ويفرق تفريقا اساسة التمثيل فقط بين لغات الاعتزاز والثقافة والحضارة ، ويجعل السبب فى عزة العربية لا ( الهالة ) الدينية فحسب التى اضفاها عليها القرآن بل ولخصائص جمالية فى كيانها اللفظى

ولا شك ان امر هذه الجمالية متوقف على عوامل عاطفية وذاتية وتربوية ، غير ان هذه العوامل . لذلك هى غير جديرة بان يقام لها وزن فى ميزان العلم المجرد ، وانما يجب البحث عن العوامل فى غير الاطار العاطفى والذاتى

والواقع ان هناك فعلا عوامل موضوعية هى ما تحمل مستنيرى العرب على الاعتزاز بمجد اللغة التالد ، وهى اولا - كما اشرنا فى الكلمة السابقة - المضمون الثقافي الضخم العميق الذى ادته العربية ، وهي ثانيا زعامة الثقافة العربية للعالم وعدم وجود ما يضارعها بل تفردها وحدها اذ ذاك . . .

تلك هى الى جنب ما ذكر الاستاذ العوامل المتكاملة فى اثارة شعور الاعتزاز باللغة العربية اما المعطيات التى يمكن ان تستنتج من كل ذلك فقد تكون متباينة فهى قد ادت احيانا الى تبجح بعض العرب بماض مضي فظلوا يجترونه وانصرفوا الى التباهى والفضفضة الجوفاء كما يمكن ان يؤدى ذلك الى اعادة الثقة الى الذين تزعزع ايمانهم بطاقة العربية الكامنة التى برهنت عليها عندما اقتدح زنادها فجدوا فى النهوض بها ف ( الشعور ) بالعزة حمل ثقيل وهو يملى واجبات ثقيلة فلذا نرى العرب الذين يتكلمون بهذه اللغة يحاولون تبرير موقفهم ، ولكن ارى ان عليهم ان يبرروا مواقفهم بالاثار الرائعة والمؤلفات القيمة لا بالجمل الخاوية والخطب الرنانة . ص 19 )

دعوة قائمة الدواعي مخلصة الهدف ، وهذا اقصى ما نرجوه من اجنبى . اما ان يرجى راج الفوز برضا الفكر التونسى بتقديم احكام تتردد بين التملق وخيانة الحقيقة والتهويش والاضطراب فذلك لن يحصل الا عند الاغرار . .

ويحمل الاستاذ بلاشير تفاولا نحو مستقبل العربية فهى ( قيمنة ان تصير وسيلة للتعبير عن جميع الافكار والعواطف او النظرة الى الدنيا فى مستوى الحياة المعاصره . ص 20 )

وذلك طبعا بتوفر نزعة الجد والواقعية المشار اليها والتى تقتضى مجهودات كبيرة متعددة اشرت الى بعض ما اراه منها . ويعبر حضرة المستشرق عن رضاه بما حصل من ذلك وبالطاقة الجبارة التى تبديها تونس وسائر الاقطار العربية فى هذا المضمار . . على انى شخصا ودون ان اغمط ما تستحقه هذه المساعى من تقدير - أرى انها قاصرة بعد دون بلوغ الغاية ، وانه يعوزها التخطيط الشامل الموحد وانها بالاختصار لم تتجاوز مرحلة البلاد الى فرض النتائج وطبعها بطابع من التمكن والوثوق

ولا شك انه فى طليعة الموانع التى تحول دون توسيع وتعميق تلك المساعى تبرز بقية المشاكل التى يخوضها العالم العربى فمن حروب تحريرية الى عوز اقتصادى الى اسن اجتماعى وجهل وسقام..

فهل اننا لن نسير اذن الى وجودنا الاخصب الابخطى السلحفاة ، وهل ان مثل هذه الخطى تستطيع فعلا ان تبلغنا الهدف ؟ ! وبعبارة اخرى هل لن نتوصل الى صنع " سبوتنيك " ان نحن توصلنا الا وقد اصبح مبتكروه قد ارتحلوا الى كوكب آخر . ؟

هنا افضل الاادلي بتكهنات تستند الى العقل وحده ، وان كان لامانع من القول بان ( حدسا عاطفيا ) يمكن ان يحمل تفاؤلا بقيام حضارة عربية اساسها آلى - روحى . .

اشترك في نشرتنا البريدية