الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

اللغة بين معرفة الواقع وواقع المعرفة،

Share

المشكلة أساسا هي كما طرحها آدم شاف Adam Schaff في كتابه " اللغة والمعرفة " ما يلى :

هل حقا أن اللغة تبلور الواقع وتشكله وتخلق صورة له فى أذهاننا ؟ أم على عكس ذلك أن الواقع هو الذي يخضع اللغة لمتطلباته ، يطبعها , ينعكس عليها ؟

هل صورة الواقع هي وليدة اللغة ؟ أم أن اللغة هى انعكاس لصورة الواقع ؟

ونحن هنا بين أمرين . أو قل بين تيارين . كان لهما كلمتهما فى هذه المسألة . تياران ، جذوعهما عميقة فى تاريخ الفلسفة وتاريخ الانسان عموما . هما المثالية والمادية . وفيها معارك ومجادلات قديمة حديثة . وغاية هذا العمل هو محاولة الفصل بينهما فى هذه المسألة مسألة علاقة اللغة بالواقع محاولا ألا يسقط واحدا منهما هكذا بصفة دغمائية ، بل يستنير بهذا وبذاك ويبحث عن الحقيقة فى طيات الاول والثاني يكون شئ منهما فيهما معا . آية ذلك أن المعضلات ، هي نفس المعضلات ، التى يعالجها ولكن الاختلاف على مستوى الحلول . ولعل هذا برهان على أن الكثرة انما عائدة بالنظر الى الواحد . وان الواحد هو الاصل وهو الاساس وان النظريات المتأتية هي فروع أمرها كأمر الشجرة الوارفة جذعها واحد ثابت فى الارض وفروعها رمز قوتها وثرائها

إلا أن لهذه المسألة تاريخ طويل وطافح لسنا مطالبين فى الخوض فى جله نظرا لدقة المشكلة وكما نعرف فعلى قدر دقة المشاكل تأتى الحلول . والمشكلة على وجه التدقيق هى : ما هو دور اللغة فى المعرفة ؟ واذا كانت المعرفة هي علاقة الذات بالموضوع .. فما هى بالتالي طبيعة هذه العلاقة ؟ وهل أن للذات

الكلمة الاخيرة فى تحديد معالم المعرفة الانسانية أم هى للموضوع ؟ وما معنى ان يكيف المجتمع المعرفة حسب حاجاته وما مكانة اللغة فى كل هذا الخضم ؟ وكيف السبيل الى الخروج من الحيرة التى وضعتنا فيها هذه الاسئلة ؟ وعلام اعتمادنا ؟

لا ريب أننا سنجد هنا وهناك بعض الاضواء التى قد تجعلنا نتقدم حثيثا فى تحليل هذه القضايا . وأول الاضواء هي الناابعة من تاريخ الفلسفة وإن كان كما قلنا مشحونا بالآراء .

والتاريخ مدرسة عظيمة تجنب تكرر الهفوات التى سقط فيها العقل البشرى وترسم امكانيات تخطيها . زد على ذلك أن كثيرا من الافكار التى رغم أنها تؤكد فى ظرف وبيئة معينين تعود الى البروز فى ظرف آخر وبيئة أخرى لاحتياج المجتمع والانسان لايجاد حل لها . من هذه الافكار دور اللغة المؤسس للفكر .

وهردر Herder هو أول من طرح هذه الفكرة بكل ثقلها وعمقها فى نهاية القرن الثامن عشر . وهو يعتقد أن رؤية الانسان للعالم راجعة أساسا الى النسق اللغوى الذي ينشئها إنشاء . ولغة الامة متضمنة لهذه الرؤية ولغة الفرد ايضا . بحيث أن اللغة ليست مجرد اداة أو وسيلة أو آلة بل أكثر من ذلك : هي الكل الحضارى والمستودع الثقافي والشكل الفكرى . هي كنز واكتناز من حيث ان تجارب وعلم الاجيال السابقة تكتنز كنزا في اللغة التى بواسطتها تنقل هذه التجارب وهذه العلوم الى الاجيال اللاحقة . ومعها رؤية شاملة للكون وللانسان ولعل الكلمة الالمانية Weltan Schaung أصدق عبارة لها . وكل أمة تضبط داخل لغتها تجاربها وحقائقها واخطاءها وتنقلها الى الاجيال اللاحقة مصممة بهذا نظرتهم الشاملة الى كل شئ . فاللغة كالحق والجمال والخير وطنية عند هردر وملك من أملاك الوطن . اللغة هي قالب تصقل حسبه العلوم والمعارف والتفكير وأثناء التفكير نتدرب على التفكير بواسطة الكلمة أى بواسطة القوالب ونحن نفكر دائما داخل لغة بل بها . وبقدر ما نفكر تكون لغتنا . وبقدر ما تكون لغتنا نفكر . وهذا ما نعنيه حين نقول : إن اللغة هى شكل فكرنا . انها اذ تشكله تحده .

ان هذه الرؤية الشاملة المتضمنة فى اللغة ستصبح عامل تغيير في العالم عند همبولدHumboldt) ) . وهو يقر بأن اللغة تغير العالم وتصنع وجهته بل أبعد من ذلك تخلقه خلقا . وما دامت اللغة فى هذا المتطور عامل تغيير

صانعة له فيحسن أن ندرسها فى حيويتها وتحولها لا ككائن ثابت جامد . واللغة بالتالي ليست اثرا فحسب بل هى طاقة خلاقة والفرق هنا هو الفرق بن القوة والفعل . يقول همبول : " اللغة هى تجليات روح الامم . اللغة هي روحها . وروحها هي لغتها . بينهما تطابق يستحيل التعبير عنه بكل دقة " .

وهذا شديد التشابه مع فلسفة هردر اللغوية الا ان الفرق بينهما هو اعتبار اللغة عامل تغيير . زد على ذلك اعتبار اللغة غير جملة المفردات والالفاظ فهاته الوحدات تفقد كل معنى اذا نظرنا اليها بمفردها . ولكنها تكتنز بالمعاني حالما نضعها فى المحال النظرى وهو شبكة الاشياء الموضوعية فى لغة ما والمشتركة بين المتكلم والسامع . لذلك لا تفهم اللفظة الا بربطها مع مرادفاتها وأضدادها . ففكرة المجال ( Champ ) أو الحقل اللغوى هى اذن من ابداع همبولد الا ان أهم فكرة عنده هي تضمن اللغة لرؤية شاملة للعالم وقدرتها على تغييره .

هذا فيما يخص تاريخ فلسفة اللغة ولعله من الاصح أن نقول تاريخ علم اللسان الاول ولكن الفلسفة ايضا فى معناها الضيق اهتمت بهذه المشكلة اهتماما كبيرا خصوصا وان نظرية المعرفة تشكل الخبز اليومى لجميع الفلسفات والتخلص الى دور اللغة في سياق المعرفة أمر ضرورى . ومن بين هذه التيارات فلسفة الصور الرمزية لكاسير يرla Philosgie des fornis symbolitique المرتبطة بالكانطية المحدثة والمذهب الاصطلاحى والوضعية المحدثة . وثلاثتها فلسفات معاصرة . وهذا ما يؤكد حيوية المشكل . وبغض النظر عن الاختلافات الطبيعية القائمة بينها فان العامل المشترك بينها هو اعتبار اللغة خالقة لصورة الواقع ورفض اعتبارها مرآة للواقع .

فى كتابه "فلسفة الصور الرمزية " ، يدحض كاسيرير فى باب "اللغة وبناء عالم الاشياء " نظرية المعرفة القائلة بأن الاشياء تنعكس على الروح كانعكاسها على المرآة . ذلك أنه يرى أن الانسان يحتل مكانة هامة فى نظرية المعرفة . والانعكاس على المرآة لا يخلو من آلية ومن خضوع الى الاشياء . وتأتي هذا الدحض تحت تأثير الثورة الكوبرنيكية التى تقر ان الانسان هو مركز الكون وان المعرفة هي بناء العقل العارف . وهى اذن عبارة قوة قوة مبتكرة أصيلة لا نسخة ميتة للاشياء . . . ولا تسجيلا لها لا دخل للانسان فيه . والنفس الكانطي هنا كما ترون واضح جدا . الا ان كاسير لا يريد أن يبقى على

اللغز الذي تقوم عليه فلسفة كانط وهو الex × ، الشئ فى حد ذاته ذلك أن كل شئ عند كاسير يخضع للعقل العارف . La Chose en doi أو بالاصح لهذه الصور الرمزية التى تخلق صورة العالم وتبنيه بناء . وكل شئ هو نتاج للعقل وهذا هو ما يطلق عليه بالماقبلية التى تبرز بروزا عنه كاسيرير من خلال ادماج الصور الرمزية كصور خالقة لعالم الاشياء . ويعرف كاسيرير هذه الصورة كقوة روحية متميزة . فهل هذا بكاف والامر يتعلق بالعمود الفقرى لنظريته ؟ ومن بين هذه الصور الرمزية : الاسطورة والفن والمعرفة العلمية واللغة التى يعتبرها الصورة الرمزية الرئيسية اى القو الروحية المتميزة خالقة صورة العالم . ولكن هل هذا يعنى طمسها للاشيا لخارجة عن ارادتنا والمستقلة عنا ؟ نعم كل الاشياء عند كاسير مخلوقات عقلية أو روحية . وذلك حتى لا يترك أية فرصة لتأثير الاشياء على العقل اذن فنظرية الانعكاس وفلسفته عموما تندرج تحت لواء المثالية ولعلها المثال الجذرية وهذا لا يعنى ضحالة فلسفته واسفافها بالعكس . ولكن ضرور غربلتها ونقدها مثمرة بما أنها تعرضت لمشاكل عميقة

واذا كان من العبث ان نزعم ان اللغة او العقل تخلق الاشياء فى حد ذاتها كأن تخلق نملة أو فراشة واذا كان من المعقول ان نزعم أنها تخلق معرفتنا لها ، أفليس من الحكمة أن نتساءل على الاقل عن مكانية تأثير هذه الأشياء الموجودة خارج ارادتنا والمستقلة عنا على لغتنا ومعرفتنا ونظرتنا الشاملة الى الكون ؟

الا ان الاغرب من ذلك هو أن نزعم كالاصطلاحيين les conventinalistes أن معرفتنا والقوانين التى يسنها عقلنا ولغتنا بصفة عامة هي أمر اعتباطي ، مجانى يخضع لارادة الانسان خضوعا ، مؤكدين انه كان فى الامكان أن تكون للانسان معرفة غير هذه المعرفة وقوانين غير هذه القوانين ولغة غير هذه اللغة وهذا بايجاز زعم المذهب الاصطلاحى وهو فى تجاهله ورفضه القاطع المقولة الضرورة ومبدأ الحتمية ينطلق من قواعد دينية صوفية مثل لوروا إذ أن مبدأ الحتمية في نظرهم ينقص من قدرة Duhem أو ديهام Le Roy الله المطلقة ومن مشيئته ، ولعل هذه الحرية المجانية التى يركز عليها هؤلاء الفلاسفة توكيد للذاتية بحيث أن العالم يصبح جزءا من الذات بما أن الذات هى التى تلونه وتقرؤه حسب اختيارها واختيارها المجاني لا حسب ضرورة الاشياء . ويقول فيتقانشين WittinChristian فى هذا الصدد : " إن حدود لغتى تعنى حدود عالمي . فالعالم عالمي أنا واللغة ترسم حدوده " وينجر عن هذا

القول الاغراق فى الذاتية والانانية المطلقة . وتبعا لهذا فان المشكلة تنحصر فى اختيار اللغة بادىء ذى بدء . وهي التى يتوقف عليها تحديد رؤية الانسان للعالم على أن اختيار لغة أخرى ينجر عنه رؤية اخرى . وفى حوزة الانسان أن يختار هذه أو تلك على أن يقر بما ينتج عن اختياره فهل فى هذا المنطق صواب ؟ أحقا بامكاني أن أختار لغتى بطريقة مجانية ؟ ثم أليس الاقرار باختيار كل للغته يؤدى الى انقطاع الاتصال بين الضمائر اذ لكل لغته ولكل حقيقته

وتصبح الارواح جزرا عائمة لا اتصال بينها.. زد على ذلك على مستوى أعم نصبح اللغة لا تترجم . لان لكل لغة صوابها ورؤيتها . ويستوى مقال الحكيم وكلام المجنون فكل صادق لأن كلا منهما اختار اللغة التى يعبر بها . اذن مذهب الاصطلاح فى صورته الجذرية يشكل نظرية متنافرة وغريبة لا يمكن الدفاع عنها . ولكن المشكل الذي يطرحه يبقى قائما برمته الا وهو : كيف تؤثر اللغة على شكل الفكر ؟ وكيف ينجر عن تغيرات اللغة تغيرات فى الفكر وأسلوبه ؟

على أن الفكرة الرئيسية التى تتكرر دوما فى مذهب الاصطلاح والوضعية المحدثة هي خلق اللغة لصورة العالم وتغير صورة العالم اثر تغير اللغة .

فهل لدينا برهان على صحتها اذا نزعنا عنا التأملات الميتافيزيقية ؟ وهل لا مفر من الرجوع الى واقع الاشياء والى التجربة لنأخذ منهما على الاقل منطلقات صحيحة وملموسة ان لم نقل الكلمة الاخيرة . ورغم صعوبة الاختيار الفلسفية فان هذا لا ينال من قيمة الفلسفة على حساب العلوم الصحيحة . اذن ما دمنا نعتقد أن اللغة مبتكرة لصورة الواقع وان تغيرها ينجر عنه تغير الصورة ، فانه بوسعنا أن نراجع هذا الاعتقاد ونختبر صحته بفضل العود الى المجتمعات . ما دام لكل مجتمع لغته وفقهه وظرفه التاريخي المتميز فانه بامكاننا التأكد من أن هذه اللغة تتضمن رؤية للعالم وصورة للواقع أم لا ؟

والتحليل سيضعنا أمام أمرين :إما أن بين اللغات قسطا مشتركا ثابتا وبذلك تكون الرؤى متشابهة او واحدة وإما أن بينها اختلافا جوهريا وتكون الرؤى بالتالى مختلفة وهذا يعنى انغلاق كل لغة على نفسها ويعني أيضا ادماج مبدأ النسبية اللغوية كما أدمج من قبل بروتاقوراس والسفسطائبون مبدأ النسبية المعرفية ، والقول : إن المعرفة تختلف من فرد الى فرد . وهذه فى جملتها اهتمامات الانولنفويسيكا L' ethnolinguique أو لسانية الشعوب التى لمع فيها "سابير "و"وور" Sapir et w' orf . والاتنولنفويستيكا هي العلم الذي يدرس لغة وتفكير الشعوب ذوى الثقافات التى احتفظت نظرا لتخلف حضارى

بعض الخطوط العامة للبدائية . وافتراض " سابير " و " وورف " يحتوى أساسا على ركنين :

1 -إن اللغة هي نتاج اجتماعى والمنظومة اللغوية التى نترب فيها ونفكر داخلها منذ الصغر ، تؤثر على طبيعة ادراكنا للعالم المحيط .

2 - اعتبارا لاختلاف المنظومات اللغوية ، التى هى انعكاس بمختلف البيئات ، فان الناس تدرك العالم بطرق مختلفة : وهذا هو مبدأ النسبية .

ومن هنا فان "سابير" و"وورف" يؤكدان على تأثير البيئة فى تكون اللغة وعكس اللغة بصورة معينة للواقع ، وبذلك يخضعان هذا المشكل لجدلية حية بين المعرفة واللغة . فالانسان لا يعرف الا ما تسمح به اللغة واللغة لا تعكس الا ما يسمح به الواقع . بحيث أنه لا يمكن أن توجد لغتان متطابقتان تماما لانه لا يوجد واقعان متطابقان تماما . اذن مبدأ النسبية يشكل حجر الزاوي فى دراسات وورف " فنفس الواقع الفيزيقى عندهما لا يثير نفس الصور عند ملاحظين مختلفين ، الا ان مبدأ النسبية اللغوية يحطم الحقائق الموضوعية ويحطم الحقيقة نفسها . فبقدر ما كان عطاء هذين الرجلين كبيرا فى الميدان التجريبى وبحث أسرار اللغة عبر الشعوب المختلفة ، فان عطاءهما كان قليلا فى الميدان النظرى .

ويبقى السؤال مطروحا : ما هو دور اللغة فى سياق المعرفة وفي سلوك البشر عامة ؟ نصل اذن بعد الاستفادة من التاريخ ومن استقراء الواقع الى تحليل المشكل تحليلا فلسفيا نقديا لاخلاء الميدان من التمويه والشعوذة والخداع .

وقبل كل شئ من البداية ونحن نتعرض الى اللغة والى الفكر وكانهما منفصلان ، فهل هما فعلا منفصلان . وما هى اللغة وما هو الفكر ؟

إن جوهر المشكل ينحصر فى امكانية أو عدم امكانية تمييز عمليتين داخل الفكر الانسانى وداخل المعرفة بالتدقيق لان المعرفة هي جزء من الفكر الانسانى ومنها العملية الفكرية الخالصة ثم العملية اللغوية التى تأتى كرسم تزيينى للفكر ، هل هما مرتبتان متميزتان أم مرتبة واحدة ؟

فى علم اللسان اعتدنا ان نفرق بين اللغة والكلام ( Langue et parole ) أما الكلام فيدل على عملية ملموسة تحقق باشارات صوتية غانته ربط الاتصال بين المتكلم والسامع أو بين المتكلم ونفسه . وأما اللغة فتدل على جملة قواعد ومنظومة من القوانين والفرق بين اللغة والكلام هو الفرق بين المجرد

والمحسوس . الكلام هو اخراج اللغة من القوة الى الفعل فى حين أن اللغة تمثل الجانب المجرد من الكلام والطاقات المكتنزة . وان كل كائن حي لا يستوعب - أن الاصوات والترتبات الصوتية تحمل معانى ودلائل - لا يتمتع بخاصية الكائن الناطق . فشأنه شأن البغاء يردد كلمات لا يعرف معناها ولهذا فان أيا كان الشكل اللغوي الذي نستخدمه وأيا كانت قبلته فهو لا يخلو من تفكير كعمل يربط بين الحامل المادى والمعنى . وكل فكر ، يتضمن استعمال لغة مستوعية ليحصل الاتصال البين - الذاتى .

على أن الاطروحة القائلة بأن التفكير يكون دائما فى لغة معينة محتاجة الى التحقيق والمراحعة . وعلى عكس التأملات الفلسفية والفينومنلوجيه ذات الافادة الضئيلة تكون مساهمة علم النفس التكوينى وعلم نفس الاطفال وعلم الاختلالات اللغوية والمتخلفين ذهنيا الخ ذات نفع كبير .

حيث فكر الطفل لتأخذ مثلا بياجي (Piaget ) فانه يستنتج من دراساته وحدة فكر الطفل ولغته . فالطفل مستغرق في أناه . وهذا ما يطلق عليه بال ( Egocentrisme) واستغراقه في أناه فكر يا وجه آخر لاستغراقه فى أناه لغويا . فهو لا يتكلم الا عن نفسه ولا يأبه لموقف الآخر . فمركز العالم ذاته واللغة تتمحور حول ذاته .

فيفوتسكر (Vysk ) والمدرسة السوفياتية فى والى جانب بياجي ، فيقونسكى )ysk علم النفس التكويني . وفي كتابه " الفكر والشئ " يلاحظ فيقوتسكى أن نما الفكر واللغة في حياة الطفل يكون متوازيا الى حد سنتين . وانطلاقا من ذلك السن يصبح النمو متطابقا . نفس النمو . واحدا . متحدا . وحدة الفكر واللغة في الحقيقة زمن السلوك الانسانى وتميزه . وأهم اكتشاف فى حياة الطفل قطعا هو اكتشافه ان لكل شئ اسم . هذا الاكتشاف الذى يؤهله الى أن يكون انسانا ويميزه عن سائر الحيوانات . ولعل هذه الفكرة أهم ما ورد فى كتاب فيفوتسكر زد عل عل ذلك ، ما يقدمه لنا علم النفس الذى يعتنى بالاختلالات اللغوية من أفازيا ( Aphasie ) وغيرها وبالتخلف الذهنى ، وبالاطفال المتوحشين كذلك على النفس الحيوان . وكل هذه المعطيات العلمية تزيد المبدأ القائل بوحدة الفكر واللغة رسوخا . فلنأخذ طفلا أصم أعمى ولنقم معه بالتجربة اللغوية التالية ، تعويضا للغة الصوتية العادية ، نمرر له مجموعة اشارات لمسية وسنلاحظ أن الطفل سيقفز قفزة هائلة الى الامام تخرج بامكانياته المخبأ الى واقع حي فلولا هذه اللغة ولو فى مفهومها الضيق لما نما الطفل .

وهذا دليل قاطع على انعدام وجود فكر خالص بمعزل عن اللغة وعن كل علاقة باللغة . بالاضافة إلى النتيجة الهامة الاخرى وهى أن الفكر أى اللغة فى حقيقة أمرها نتاج اجتماعي رغم أنها تكون دائما عملا فرديا ذاتيا . فاللغ ليست طبيعية فى الانسان الا من حيث أنها موهبة واستعداد للنطق وللتفكير واجب صقلها بالتربية لتنمو وتزهر والتربية هى هذه الحلقة الكبيرة الرابطة بين الفرد والمجتمع . وهى حاملة اسرار النمو الذهنى واللغوى . ويكفى أن نعزل أحدا - ولو هذا لم يقع الا في حالة الاطفال المتوحشين - عن المجتمع اذن عن التربية لنلاحظ التخلف الذهنى الذى يسقط فيه ، وطفل محروم مر موهبة النطق محكوم عليه بالتخلف الذهنى اذا لم يقع تدريبه من جديد على لغة أخرى كلغة اللمس ، وهذا ما يؤكد وحدة اللغة والفكر وكونهما ثمر اجتماعية يأكلها كل فرد على طريقته .

وهكذا لا تكون النظريات الثنائية كنظريات هردر ( Heder ) أو برفسون ( Bergson ) أو غيرها مصيبة تماما . اذ أن الاساس والاصل هو الوحدوية  الوحدة بين اللغة والفكر . بين المادة والروح . بين الذات والموضوع . بين الله والانسان .

ويقول كارل ماركس ( MarX ) فى هذا الصدد : " اللغة قديمة قدم العقل , إن اللغة هي العقل العملي أمرها كأمر العقل ، تولد تحت تأثير الحاجة والنقص وتحت ضرورة التعامل مع الآخر "

وهذه المقولة تدفعنا إلى القول : بأنه لا يمكن أن يوجد فكر دون لغة ولا يمكن أن توجد لغه دون فكر . فعلاقة اللغة بالفكر عميقة جدا ولا يمكن فصلها بأي اعتبار . وجهان لحقيقة واحدة . بينهما حدية مستمرة كجدلية الحياة بزهران معا . يذبلان معا . توأمان فى وحدتهما تساير وتطابق . تناسق لا اختلاط . ووحدتهما لا تعنى أن نعتبر احدهما على أساس انه الآخر .

وفلسفات الحدس والتصوف اذ تعتبر أن الفكر ممكن دون لغة بفضل تداعى الصور أو على أساس أن اللغة كساء للمعنى ، تسقط في اللبس الذي لاحظناه وهو الخلط بين اللغة والفكر . وعموما فدون رموز مهما كانت ، وفي مفهومها العام لا يستطيع الانسان أن يفكر .

وكما يقول بوتينبا ( Potenba ) : " فانه حتى التفكير بدون الكلمة ليس ممكنا الا عن طريق الكلمة " . وبقدر ما تكون اللغة عملا فرديا بقدر ما هي عمل اجتماعى . انها مكيفة اجتماعيا ومستحيلة دون مساهمة الفرد المفكر . وهذا ما يجعل مشكل اللغة معقدا أكثر . وتحت التعامل مع الآخر " .

اذن بعد ان استنتجنا ان اللغة والفكر وحدة متكاملة . ما هي علاقتهما بالواقع . ما هي علاقة اللغة بالواقع ؟

الواقع هو جملة الاشياء الموضوعية التى نتكلم عنها والموجودة خارجة عنا ومستقلة عنا . وتحليل علاقة اللغة بالواقع يساعدنا على التقدم حثيثا لتحليل الدور الاساسي الذي تقوم به اللغة في عملية المعرفة . إن النزاع القائم منذ القدم والدائم الحيوية يتلخص في كيفية ربط اللغة بالواقع . هل فعلا ان اللغة تخلق الواقع أم على عكس ذلك تعكسه ؟ هل هى مرآة عاكسة أم يد مبدعة ؟

لنا أن نقبل ان اللغة يد مبدعة لصورة العالم لكن كيف كيف تبدع ومن أبدعها ؟ ولنا أن نقول : إن اللغة تنشئ صورة الواقع لكن من ينشئها أو بالتدقيق كيف تنشأ ؟

هذا التساؤل يجبرنا على ادخال المرونة فى الفكرة القائلة : إن اللغة تنشئ صورة الواقع وتقف عند هذا الحد .

نعم . إذا كانت اللغة خالقة فى معني معين فهى أيضا خليقة . خليقة المجتمع والتاريخ . ولم تنشأ مجانا بل في حلبة التاريخ وتحت الحاح الحاجة . خالقة العالم هي نفسها خليقته . بحيث أن المجان والاعتباط يزاحان من عملية الخلق . لانه اذا قيلنا أن اللغة أى الفكر ليست نتيجة اصطلاح اعتباطى ولا نتيجة عقوبة لوظيفة بيولوجية معينة ولكنها قبل كل شئ نتيجة اجتماعية مرتبطة أشد ارتباط بالفعل الانساني ، فانه من البديهى أن تقبل بالتالي أن صورة العالم المقدمة من طرف لغة ما ، ليست عفوية ولا مجانية . بل ضرورية . فهل هذا نقص في نظرية خلق اللغة لصورة العالم ؟

نعم . وهذا ما يدفعنا إلى الالتجاء الى نظرية الانعكاس ( la theme du reflet ) والقول بأن اللغة مقيدة بأمر الواقع الذى يطبعها ويشكلها ويجعل منها مرآة حية له .

ولكن ماذا نقصد من وراء كلمة انعكاس ؟ ان نظرية الانعكاس قديمة قدم التعريف الكلاسيكى للحقيقة مما يزيد فى الطين بلة نظرا لكثرة التأويلات والاختلافات على انه يمكن لنا أن نفهم كلمة انعكاس فى ثلاثة معان . كعلاقة السبب بالمسبب بين مؤثرات العالم المادى وما ينتج عنها من أفعال نفسية وهذا المفهوم تكويني ( Genetique ) وكال الافعال النفسية والمجتمع الذي يكيفها . وهذا المفهوم اجتماعي . كالعلاقة بين الموجودات ومعرفتنا وهذا المفهوم معرفي والعامل المشترك بين هذه المعانى هو قبول

وجود واقع موضوعى خارج عنا ومستقل بنفسه وهو الواقع الذي ينعكس على اللغة وعلى المعرفة الا أن نظرية الانعكاس لا تعنى دائما المادية .

واذا كانت نتيجة الانعكاس شيئا آخر غير الواقع الموضوعي فهذا دليل على مكانة الانسان فى سياق المعرفة . فالذات الانسانية لها دور كبير . ومن هنا تتحرر نظرية الانعكاس من الآلية والسطحية . فالانعكاس ليس الواقعية الساذجة أو المادية الآلية التى تعتبر الانعكاس قانونا جامدا بين المادة والصورة لا دخل للانسان فيه . ولعل الفكر المادى بحق ( الماركسى ) استوعب نظرية الانعكاس وفهمها فهما حقيقيا لانه لم يهمل الجانب الذاتي في المعادلة . فالمعرفة من هذه الناحية عمل فردى رغم انها اجتماعية أصلا . فما معنى الفرد الانسانى ؟

هو كائن بيلوجى متميز بالتفكير وبالفعل بمقتضى التفكير . هو وحدة داخل شبكة اجتماعية كبيرة وعزله أمر خرافى . لذلك يكون الفرد ملتقي العلاقات الاجتماعية وهذا فى حد ذاته أهم اكتشافات كارل ماركس وان اشراك هذين العنصرين لكفيلان بقيام المعرفة . وينتج عن هذا ان اللغة : تخلق الواقع بأتم معنى الكلمة . وانها ايضا ليست مرآة للواقع بأتم معني الكلمة . بل هى شئ من هذا وشئ من ذاك . لان خلق الواقع مشروط بمعطيات اجتماعية وتاريخية ولان عكس الواقع يحتوى على عنصر ذاتي وهذا هى نظرية الانعكاس فى معناها الصحيح .

وكما كانت المثالية عرضة للسقوط فى الذاتية المجحفة وفي فلسفات الحدس والتصوف تكون المادية بدءا من أرسطو عرضة للواقعية الساذحة أو المادية الميكانيكية . وبمجرد تنقيتهما من الشوائب الشئ الذى نرجو أن نكون قد قمنا به على قدر المستطاع - استطعنا أن نقبل أن تكون اللغة خالقة لصورة الواقع وان تكون عاكسة له فى نفس الوقت . وينتفي التناقض بينهما . ولو أن التناقض شئ طبيعي .

ويمكن لنا فى الاخير أن نقول : نعم . اللغة يد مبدعة . نعم . اللغة مرآة عاكيسة . نعم للاثنين معا على شرط فهمهما على أساس صحيح . ويلتقى الخطان في نقطة واحدة كثيرا ما تغيب عن الاذهان .

اشترك في نشرتنا البريدية