الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

اللغة والمسرح

Share

  لقد شملت النهضة التى اكتسحت بلدان الشرق العربى فى منتصف القرن التاسع عشر فيما شملت الميدان الادبى . ولعل من ابرز مظاهر التجديد فى هذا الميدان دخول فن المسرحية اليه - فقد نشأ هذا الفن - كما لا يخفى - عن احتكاك الفكر العربي بالحضارة الاوروبية فى القرن الاخير ، ولم يكن للعرب فيه اوضاع وتقاليد توارثوها فيما توارثوا من ضروب الادب . فكانت النتيجة ان تولدت عن نشأة هذا الفن عدة مشاكل اعترضت وما زالت تعترض سبيل الكاتب المسرحى من اهمها مشكلة اللغة

  ما هى - يا ترى - اللغة التى ينبغى للكاتب ان يتخذها اداة للتعبير فى المسرحية ! اهى العربية الفصحى ، لغة العلم والادب ، ام العامية لغة التخاطب والحياة اليومية

  لقد وجد الكتاب انفسهم فى موقف حرج وكان لابد لهم من ايجاد حل لهذه المسألة الشائكة ، فاختار كل منهم الطريق الذى رآه صالحا ، فاختلفت الآراء وتعددت المواقف ، الا اننا اذا امعنا النظر تبينا ثلاث نزعات

  - الاولى تتمثل فى انصار الفصحى الذين يرون انه يجب التمسك بالعربية الفصحى فى كتابة المسرحية ولعل احمد شوقى ، الشاعر المعروف ، هو خير من صور هذه النزعة احسن تصوير فى انتاجه المسرحى ، فقد كتب كل مسرحياته ، الجدية منها والهزلية ، بالفصحى نظما ونثرا .

  ان اصحاب هذه النزعة يعتبرون ان المسرحية - وان كانت شيئا مستحدثا فى الادب العربى - قد اصبحت فنا من فنونه ، فلا سبيل الى ان تكتب بغير اللغة التى كتب فيها هذا الادب - ويرون من جهة اخرى ان المسرحية لها رسالة تثقيفية تتمثل فى طرق المواضيع الخطيرة والتعبير عن الافكار الدقيقة وتصوير الازمات النفسية الداخلية فلا بد للمؤلف المسرحى من استخدام الفصحى لاداء رسالته لان العامية فى نظرهم غير قادرة على التعبير عن الامور الدقيقة العميقة .

ان التمسك بالفصحى باعتبارها لغة ادبية جميلة ، لا يساعد على حل المشكلة

وقد قامت عليه اعتراضات اهمها ان المسرحية المكتوبة بالفصحى لا يفهمها الا المثقفون ويستعصى فهمها على غالب الجمهور الذى لم تتح له الفرصة بان يتعلم ويتثقف ، وهذا مما يجعل الكاتب لا يقوم برسالته على اكمل وجه اذ هو يتجه بانتاجه المسرحي الى طبقة خاصة من الجمهور دون سائر الطبقات - ومن المعلوم من ناحية اخرى ان المسرحية تقوم على الحوار بين اشخاص يختلفون من حيث المستوى الثقافى فاذا جعلنا الرجل البسيط يتكلم فصيح اللغة ، فان المسرحية تفقد بذلك عنصرا هاما من عناصر الفن ، وهو الصدق ومراعاة الطبيعة فى عرض الاحداث وتصوير الاشخاص

  ولعل هذه الاعتبارات هى التى جعلت بعض الكتاب المسرحيين وعلى رأسهم محمود تيمور يعرضون عن الفصحى ويكتبون رواياتهم بالعامية

  انهم يرون انه يجب على المؤلف المسرحى ان يساير اتجاهات عصره وان تخضع المسرحية فى اسلوبها وتعبيرها لما عليه الشعب من مستوى ثقافى ، ولهج ادبى - يقول محمود تيمور معللا كتابة المسرحية بالعامية : (1)

  (( وثمة عامل نفسى ، لعله كان اولى بالتقديم والابتداء ، ذلك ان المسرحية تقوم على الحوار ، فهو كيانها العام ، ونحن فى مصر يتحدث بعضنا الى بعض بالعامية ، فتعودت آذاننا هذه اللغة ، واستساغت لهجتها فهى مسموع الجمهور فى كل مكان وهى لذلك وثيقة الارتباط بحياتنا المصرية ، فمتى شاهد المصرى مسرحية بالحوار العامى ، فانه يستمع الى اللغة التى استقرت في اعماق نفسه ، وتحببت اليه واستعذبتها مسامعه . وليست كتابتنا للمسرحيات بالعامية الا تقريرا لحالة واقعة ، تستند الى المستوى الثقافى واللغوى عند الجمهور ، فالكاتب يسجل لغة الكلام المهيمنة فى عصره ))

  ويرى تيمور ايضا ان الكاتب المسرحى انما يؤلف مسرحيته فى اغلب الاحيان للتمثيل وانه سيخاطب الجمهور على تباين طبقاته ، فواجب عليه ان يطرق الأذان بما الفت من لغة ، فان عمد الى استخدام الفصحى ، تعذر على قسم كبير من النظارة فهم المسرحية و (( كانت الصلة بينهم وبين الممثلين غير مامونة الانقطاع ومتى انقطعت الصلة ذهب التاثير وضاعت الفائدة المرجوة من الادب المسرحى ))

  ان هذه النظرة الى الادب المسرحى - وان كانت تشتمل من ناحية على بعض الآراء الوجيهة - فهى من ناحية اخرى لا تبعث على الرضى ، ذلك ان اكبر اعتراض يقوم على اللغة العامية هو تضييق الخناق على المسرحية والوقوف حجر عثرة فى سبيل انتشارها فى البلاد العربية والاسلامية - فالعامية انما هى مجموعة لهجات متعددة متغيرة دوما مع الزمان والمكان ، فلا يمكن ، والحالة تلك ان تكون اداة التفاهم الا بين سكان القطر الواحد او الاقليم الواحد

  وبديهى ان التونسى اليوم لا يستطيع التباحث مع اللبنانى او المصرى او العراقي باللغة العامية المحلية ولا بد له من استعمال الفصحى كى يتم الاتصال ويحصل التفاهم - فالعامية ، اذن ، لا تساعد على ربط الصلة بين البلدان العربية والاسلامية فى الميدان الثقافى ، ولا ينجر عنها الا ادب مسرحى اقليمى لا ينتفع به الا العدد القليل من الجماهير

  وهذا النوع من الادب لا يسمو الى درجة عالية فى القيمة لان الاغراض التى يتناولها بالدرس تكون غالبا عادية بسيطة وكذلك الافكار عند من يتكلم بالعامية ، فانها تكون عادة ساذجة ، وانما اللغة صورة من العقول - اضف الى ذلك ان الكاتب المسرحى ، عندما يكتب لمحيط خاص ، فانه يحكم على نفسه وعلى ادبه بالانزواء ، وعند ما يقصر طرق الافادة على التمثيل فقط ، فانه يتجاهل وسيلة من اهم وسائل التثقيف والرواج ، الا وهى القراءة والاطلاع

  فاذا كان استعمال الفصحى فى المسرحية لا يرضى الا الطبقة المثقفة ، واذا كان استخدام العامية يحد من امكانية الرواج ، فلا بد اذن من ايجاد حل من شانه ان يحقق كل الاهداف او جلها التى يرمى اليها الكاتب من تاليف المسرحية

  لقد توصل بعض الكتاب منهم فرح انطون وميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم الى وضع حلول لهذا المشكل راعوا فيها قواعد الفن المسرحى بقدر الامكان

  فاضطلع كل من فرح انطون فى مسرحيته (( مصر الجديدة ومصر القديمة )) (2) وميخائيل نعيمة على جعل اشخاص الطبقة العليا فى الرواية يتكلمون الفصحى لان تربيتهم ومعارفهم واحوالهم تبيح لهم هذا الحق ، وجعل اشخاص الطبقة الدنيا يتكلمون العامية

اما توفيق الحكيم فانه حاول فى مسرحيته (( الصفقة )) ان يضع للمسرح لغة موحدة : هى حل وسط بين الفصحى والعامية - فقد ذكر ان استعمال الفصحى بجعل المسرحية مقبولة فى القراءة ولكنها عند التمثيل تستلزم الترجمة الى اللغة التى يمكن ان ينطقها الاشخاص فالفصحى اذن ليست لغة نهائية فى كل الاحوال . . . . كما ان العامية ليست هى الاخرى لغة نهائية لانها ليست مفهومة فى كل زمن ولا فى كل قطر ولا فى كل اقليم ، ثم بين بعد ذلك الحل الذى رآه صالحا فقال : (3)

  (( . . . . كان لا بد لى من تجربة ثالثة لايجاد لغة صحيحة لا تجافى قواعد الفصحى ، وهى فى نفس الوقت مما يمكن ان ينطقه الاشخاص ، ولا ينافى طبائعهم ولا جو حياتهم ! . . لغة سليمة يفهمها كل جيل ، وكل قطر وكل اقليم ، ويمكن ان تجرى على الالسنة فى محيطها ، تلك هى لغة هذه المسرحية : قد يبدو لاول وهلة لقارئها انها مكتوبة بالعامية ولكنه اذا اعاد قراءتها ، طبقا لقواعد الفصحى فانه يجدها منطقية ، بل ان القارىء يستطيع ان يقراها قراءتين : قراءة بحسب نطق الريفى ، فيقلب (( القاف )) الى (( جيم )) او الى (( همزة )) تبعا للهجة اقليمه فيجد الكلام طبيعيا مما يمكن ان يصدر عن ريفى ، ثم قراءة اخرى بحسب النطق العربى الصحيح ، فيجد العبارات مستقيمة مع الاوضاع اللغوية السليمة . . . ))

  لقد اراد توفيق الحكيم من تجربته هذه ان يسير بالمسرحية نحو لغة موحدة تقترب بنا من اللغة المسرحية الموحدة فى الاداب الاوروبية هذه اللغة التى اتفق الادباء العرب المعاصرون وكذلك المستشرقون على تسميتها باللغة (( الثالثة )) او (( الوسطى )) ، هى اداة وصل بين العربية الفصحى وبين العامية - ولعل من اهم مميزاتها اعتمادها على الالفاظ العربية الاصل المشتركة بين الفصحى والعامية وتحررها من بعض القيود الصرفية والنحوية وكذلك خلوها من الغريب ومن زخرف الكلام .

  اننا لا نطالب الاديب المسرحى بان يعمد فى كتابته الى لغة الفرزدق او لغة الحريرى ، فالعصر غير العصر ، وانما الذى نتمناه هو ان يستخدم لغة عربية مفهومة لدى الجميع وقادرة - مع ما ينبغى ان تتصف به من سهولة فى اللفظ وبساطة فى التعبير - على تأدية الافكار العميقة والمعانى الراقية ، فتتوفر عندئذ للادب شرطان اساسيان من شروط النجاح : القيمة وامكانية الرواج .

  ونحن فى تونس سائرون فى الميدان المسرحى نحو لغة مسرحية موحدة على غرار ما قام به توفيق الحكيم ، ولعل احسن مثل نورده فى هذا الصدد ترجمة الاستاذ حسن الزمرلى لمسرحية (( كاليقولا ))    (Caligula)    لالبير كامو (Albert Camus)     فى لغة بسيطة ، قريبة الفهم من الجمهور - لكننا نلاحظ بكل اسف انه ما زال يوجد في المسرح كتاب متمادون فى الكتابة بالعامية فتمثل رواياتهم على المسرح البلدى او فى برامج اذاعية لا بلسان دارج مهذب ، بل فى اغلب الاحيان بلسان دارج منحط ، وهذا ما لا يساعد على رفع المستوى الثقافى والاخلاقى فى بلادنا .

  ومهما يكن من امر فان مشكلة اللغة فى الادب عامة وفى المسرح خاصة ، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسالة الثقافة فى البلاد . فنحن نعتقد انه حين ترفع الامية عن البلاد العربية وينتشر التعليم وتسمو درجة الثقافة فان لغة التخاطب سوف تقترب شيئا فشيئا من العربية الفصحى الى ان تمتزج بها فتنشأ هذه اللغة الثالثة ، اللغة العربية الموحدة والموحدة التى اشرنا اليها والتى ربما تصبح في يوم ما ، لغة التخاطب والكتابة معا . فهل يتحقق يا ترى هذا الامل ؟ لعل الزمن وحده كفيل بتحقيقه .

اشترك في نشرتنا البريدية