الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

اللغة وشعر الكاظمي،

Share

شاع بين المتأدبين " أن الشعر ديوان العرب " ، واظن أن قليلا من هؤلاء من عرف معنى هذه العبارة الموجزة ، واستوعب محتواها الضخم . آجل إن الشعر ديوان العرب ، فقد حفظ الشعر عن هذه الآمة أشياء كثيرة ، فقد كان مستودعا لتراثها ، من افكار وعادات وديانات وآساطير ، وقد كان بعد كل هذا سجلا حافلا للغتها . فقد حفظ الشعر هذه العربية كما حفظها كتاب الله الكريم ، وليس بنا حاجة للاستدلال على هذا الذى نذهب إليه ، فقد استشهد العلماء الأقدمون الشعر لإثبات المعاني ، ومن أجل ذلك حفلت المجاميع اللغوية والمعجمات بالشئ الكثير من هذه الشواهد الشعرية مشيرة للدلالات اللغوية ، وربما ستعين بالشعر على توضيح غريب القرآن ومجازه على نحو ما فعل أبو عبيدة فى " مجاز القرآن " وأبو عبيدة من السابقين فى هذا الموضوع ، وإن تنكر الأصمعى اللغوى الشهير لهذا المنهج ، وخشى أن يستعين بالشعر على شرح المجاز الشريف .

ولقد ظل الشعر عبر العصور مادة لغوية جليلة القدر ، وأريد فى هذا المكان أن أثبت أن الشعر فى مختلف عصوره قد حفظ اللغة ، وهيأ لها مستوى خاصا بها ، وربما استقل بهذه الميزة عن النثر ، فالشعر العربى بقافيته ووزنه ومعانيه وأغراضه قد عمل على التزام لغة تختلف فى ألفاظها وتراكيبها عن لغة النثر ، ولا أريد فى هذا المجال آن أقيم الدليل على هذا ظنا منى آن ذلك شىء قد عرفه من عنى باللغة وآساليبها فى التعبير . ومن البديهى أن المرء يلتزم فى الشعر بلغة لا تجرى على قلمه ، ولا تخطر فى فكره إن كتب ناثرا ، وما أظن أن الدكتور طه حسين يلتزم الأسلوب الذى عرف به فيما لوتهيأ له أن يعاني تجربة الشعر .

ومن هنا كانت دراسة لغة الشعراء مفيدة الفائدة الكاملة لنعرف طرفا

من شاعريتهم وتكوينهم الفنى ، ومن أجل هذا عقدت العزم على أن أقوم بدراسات لغوية اعرض فيها لشعراء عراقيين شيوخا وشبابا ، ذلك آن للشباب فى أيامنا منهجا يختلف عن منهج الشيوخ من الشعراء ، او قل عن منهج من ارتضى لنفسه المنهج القديم الحافل بالقافية والمتمسك بالأعاريض المعهودة وأنا أبدأ هذه الدراسات بدراسة لغوية لشعر الكاظمى

الكاظمي من الشعراء العراقيين ، وقد قيض له أن يصبح شاعرا كبيرا قبل أن يغادر العراق الى مصر مقيما فيها شطرا كبيرا من عمره ، على أن هذه الاقامة على ضفاف النيل لم تغير من تكوينه العراقي شيئا ، فقد ظل محافظا على منهجه وطريقته ، والنقاد جميعا متفقون فى هذه الناحية

والكاظمى جدير بالدرس من الناحية اللغوية ، وهو نمط خاص فى الشعر العراقى الحديث او قل فى الشعر العربى عامة

ونستطيع ان نلمح معالم هذا الصنف من الشعر العراقى فى الشعراء العراقيين الذين نشأوافى المواطن الشيعية كالنجف وكربلاء والكاظمية والحلة ومن أهم خصائص هذا الشعر الروح البدوية والطابع البدوى فى مبانيه ومعانيه . واذا كان الكاظمى قد تأثر باستاذه ايراهيم الطباطبائي كما يحدث هو عن نفسه ، فمن الصحيح أن نقول : إن هناك قدرا مشتركا يقوم على هذا النمط الشعرى عند كثير من شعراء الشيعة ممن نشأ ودرج على المذهب التقليدي القديم .

ولعل من الواجب أن نذكر أن جذور هذه المدرسة تغور بعيدا فى التاريخ فتستقر عند السيد الشريف الرضى نقيب الطالبيين وشاعر الشيعة ، وربما شملت هذه المدرسة شعراء سبقوا السيد الشريف وعرفوا بنزعتهم الشيعية مثل دعبل الخزاعى والسيد الحميرى . وقد أحس النقاد الأقدمون بخصائص هذه المدرسة النبي تمثلت فى شعر الشريف وفي شعر من جاء بعده ناهجا منهجه مثل مهيار الديلمى ، وتبدو هذه الخصائص فى عامة شعر الشريف ولا سيما فى حجازياته وهى مجموعة القصائد التى تشوق الشاعر فيها الى مواطن آبائه واجداده واقفا على رسومها واطلالها . سافحا عبراته فيها ، ذاكرا ايامه وعهوده الأولى ، وليس ادل على ذلك من أبياته المشهورة :

ولقد مررت على ديارهم           وطلولها بيد البلى نهب

وبكيت حتى ضج من لغب        نضوي ولج بعذلي الركب  

وتلفت عيني ومذ خفيت          عنى الطلول تلفت القلب

وفي هذه القصائد ذكر للمواقع باسمائها التاريخية فقد يذكرها الشاعر عند مروره بها ، وربما ذكرها وهو لم يشهدها ، ذلك انها تمثل في ذهنه بادية نجد ، وربوع الحجاز كأن يقول فى مقطوعة له :

أيها الرائح المغذ تحمل             حاجة للمتيم المشتاق

اقر عني السلام ظبي المصلي         فبلاغ السلام بعض التلاقى

وكقوله في قصيدة له :

اراك ستحدث للقلب وجدا     اذا ما الضعائن ودعن نجدا

بواكر يطلعن نقب الغوير        شأون النواطر نأيا وبعدا

وهو يظل فى هذا النمط البدوى فيذكر الظعن والظعائن والقباب والهوادج فيقول :

على قنوين ألا من رأى         ظعائن بالطعن والضرب تحدى

كأن هوادجها والقباب          يثنين منهن بانا ورندا

وهو يظل مخلصا لهذه الطبيعة البدوية فيذكر البان والرند والآثل وكآن بغداد عاصمة الحضارة وحاضرة الدنيا قد خلت من يانع الشجر الحضري فراح الشريف متعلقا باشجار بيئته البدوية فيقول مثلا .

يا روض ذي الأثل من شرقي كاظمة

قد عاود القلب من ذكراك أديانا

أمر بالركب مجتاز بذى سلم

لوما شريتك بالأوطان أوطانا

فقد ذكر كاظمة " و " ذا سلم " من مواقع البادية ، والروض ذا الآثل ليظل في حيزه البدوى ، فرياضه ليست بساتين بغداد ، وانما هى بادية الحجاز بأثلها وبانها ورندها وضالها وسلمها " د الريح تجاذبه على الكثيب فضول

الريط واللمم" فيحلو له الوقوف ببيون وآن يمتع نفسه بالتعريج على الرمل داعيا لهذه المغاني آن تجود عليها الديمة الوطفاء السكوب والدعاء بالسقى والرعى من تقاليد أهل البادية والشعر الجاهلى يزخر بالفاظ الدعاء من هذا الباب ، والماء آجل شى يتمناه الانسان فى البيئة الجافية المجدية ، والشريف يقول فى كل هذا :

يا ليلة السفح هلا عدت ثانية     سقى زمانك هطال من الديم

الى ان يقول :

وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا      على الكثيب فضول الريط واللمم

يشي بنا الطيب أحيانا وآونة       يضيئنا البرق مجتازا على إضم

يولع الطل بردينا وقد نسمت      رويحة الفجر بين الضال والسلم

يا حبذا لمة بالرمل ثانية            ووقفة ببيوت الحي من أمم

ولقد تأثر بهذه الطريقة الكثير من شعراء الشيعة الذين عاشوا بعد الشريف الرضى ، وظل هذا النغم البدوى محتفظا بايقاعه حتى جاء العصر الحديث وما زلنا نحسه فى البقية الباقية من الشعراء الذين لم يتنكروا للشعر فى طابعه التقليدى ، فأنت تقرؤه فى شعر الشيخ جواد الشبيبى وفى شعر ولديه الشيخ محمد رضا الشبيبى والشيخ باقر الشبيبى ، كما تحسه عند كثير من شعراء النجف والحلة ، وربما لانعدم ان نجد فى شعر الجواهرى آثار هذه المدرسة الفنية على الرغم من آصالة الجواهرى فى الشعر وقدرته على الابتكار في نطاق الشعر المعروف ، فأنت تقرأ مثلا قصيدة الجواهرى ( آمنت بالحسين ) فتبدو لك آثار هذه المدرسة التى تحدثنا عنها ، وهو يقول فيها :

فداء لمثواك من مضجع    تنور بالأبلج الأروع

بأعبق من نفحات الجنان     روحا ومن مسكها أضوع

ورعيا ليومك يوم ( الطفوف )     وسقيا لأرضك من مصرع

فالدعاء بالسقى والرعى ما زال ماثلا فبى هذه القصيدة الجواهرية ، وهو بالطريقة التي جاءت في قول الشاعر القديم :

ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى     ولا زال منهلا بجرعائك القطر

ثم اقرأ وقوف الشاعر في تربة الحسين الطاهرة قائلا :

شممت ثراك فهب النسيم          نسيم الكرامة من بلقع

وعفرت خدى بحيث استراح       خد تفرى ولم يضرع

ألا تشعر بوقفة الشاعر فبى هذه التربة المطهرة وفى شميم هذا الثرى وتعفير الخد فيه شبها يقول السيد الشريف فى إحدى مقطوعاته .

شممت بنجد شيحة حاجرية         فأمطرتها دمعى وافرشتها خدى

 

ولابد أن اعود الى الكاظمى لأنتبين معالم هذه الطريقة التى اسلفنا الكلام عليها ، وانت اذا قرات شعر الكاظمي بدا لك فى روحه البدوية التى  درج عليها ، ولا يحلو له الا الالتزام بها ، ولن يستطيع الفكاك منها ، فهو بدوى إن مدح عظيما ، اوتوجه الى صديق ، او قال في مناسبة وطنية او انصرف الى نفسه شاكيا غدر الزمان به ، ذاكرا عهو ده وأيامه الخالية مفتخرا بأمجاده ومآثره ، فأنت تقرأ فى مجموعته الأولى ( 1 ) قصيدته " عمي صباحا أيها المنازل " فتحس هذه الروح البدوية ماثلة لعينيك فى صورها فهو حين يقول :

عمى صباحا أيها المنازل     ورددى لحنك يا عنادل

يعيد علينا قول امرىء القيس :

ألا عم صباحا أيها الطلل البالى      وهل يعمن من كان فى العصر الخالي

لولا أن الكاظمى يشفع تحية المنازل الأطلال بعبارة حضرية " ورددى لحنك يا عنادل " و لكن هذه الحضرية لا تبقى مع الكاظمى الا فى هذا الشطر الثاني من البيت فيعود الى طريقته ومنهجه ، فيدعو أن " يبقى مثلث القطر أكناف الحمى و " أن يجود عليها الرباب الهاطل "

سقى ملث القطر أكناف الحمى        وجاد تربه الرباب الهاطل

وحديث السقى قديم في ادبنا العربي القديم ، وطبيعي ان الشقى يدعو بالسقى والرعى فى بيئة اشد ما تكون افتقارا للماء والكلأ ، فقد

دعا النابغة لحبيبته بالسقى والرعى وهو دعاء حسن توجه به الى آحب الناس إليه فقال :

نبئت نعما على الهجران عاتبة          سقيا ورعيا لذاك العاتب الزارى

وجميل بنا ان نتذكر قول دى الرمة فى دار مى حبيبته فى البيت الذى ما زلنا نقرؤه فى شواهد النحو :

ألا يا اسلمى يا دارمى على البلى         ولا زال منهلا بجرعائك القطر

ويكثر حديث الدعاء بالسقى فى شعر الكاظمى فى قصائد عديدة ذات موضوعات مختلفة ، فهو يقول في قصيدة " اين الشقيق المفدى " (2)

يا دار حياك سح            من الغمام وسكب

ولا أغب ثراك الأنيق بالقطر سحب

وفى قصيدة عنوانها " ألا خبر من ثنايا العراق " نقرأ قوله : (3)

هل الدار إلا كعهدى بها       يباكرها العارض المغدق

أم البين أسلمها للبلى        وعاث بها الذئب والخرنق

وفى قصيدته " مضى عصر الهوى " (4) ، نقرأ فيها :

سقى الله أيامنا بالحمى       وطيب ليلاتنا الماضية

فنذكر قول الشريف الرضى فى ميميته :

يا ليلة السفح هلا عدت ثانية           سقي زمانك هطال من الديم

ويتوجه الكاظمى للدكن فى الهند فيتذكر أيامه ولياليه فيدعو لها أن تجود عليها ( مستهلات الحيا  السرب " فيقول :

لا عدت أيام صبوتنا        مستهلات الحيا السرب

وسقت عنا منازلنا         واكفات العارض السكب

وليلات لنا سلفت         كن في أمن من الريب

على أن هذا الطابع البدوى يتمثل فى ذكر الكثير من الأمكنة والمواضع البدوية فى قصائد مختلفة الأغراض ، فهى تعرض له فى قصائد الرثاء والمديح والفخر والتهنئة والمناسبة الاجتماعية والوطنية ، وهو حين يعرض لهذه الأمكنة

ذاكرا روضها الذي ينفح بالشيح والقيصوم ويعمر بظلال الأثل ونفحة الأراك وكل هذا مما تجود به الطبيعة البدوية من نبات ، وكأن الشاعر الكاظمي لم يألف الا البادية ، وكأنه لم يعش في حواضر العراق وعلى ضفاف النيل ، فالروض فى شعره هو روض " ضارج " وضارج من اسماء الأمكنة فيقول :

" طرزت الازهار روض ضارج " . . .

وهو شديد الحنين إلى أيامه بالحمى ، والحمى فى لغة الشاعر اشارة إلى معاهد صباه ومرابع وطنه ، وتذكير بالروح البدوية فى شعره ، ومعلوم ان " الحمى " من الفاظ الشعر القديم ، فقد جاءت غير مرة في حجازيات الشريف الرضى ، والكاظمى يدعو أن يسقي ملث القطر " أكناف الحمى " فيقول ؛

سقى ، ملت القطر أكناف الحمى      وجاد تربه الرباب الهاطل

ويعود فيخاطب جيرانه " بمحانى الحمى " وفى " معاهد اللوى " واللوى موضع فى بلاد العرب فيقول :

أجيراننا بمحاني الحمى        ومن أين مني جيرانيه

وياليت أيامنا بالحمى         تعود لنا مرة ثانية

سقى الله أيامنا بالحمى        وطيب ليلاتنا الماضيه

روت معاهدنا باللوى           روائح أدمعنا الغاديه

ولعل من هذا الباب ارجوزته التى تحمل عنوانا هو " ما حيلتى والدهر من خصومي " وفيها دلالة واضحة على طابعه البدوى الذى يتمثل فى وصف البيئة الصحراوية بسهولها وحزونها ومواضعها ونباتها فيقول فيها

امزح فى السهول والحزوم       على بنات الوخد والرسيم (5)

أرعى بها ما مائلة الخيشوم       فى كل روض خضل الجميم

يعترض النسيم بالنسيم             ينفح بالشيح وبالقيصوم

وتادة فى الجذع والغميم           تحت ظلال الاثل والكروم

في قصيدة يتشوق فيها الى العراق تبدو هذه الروح البدوية فى الحنين

الى الديار والوقوف بها ، ودعائه لها ان يجود عليها " العارض المغدق " فيقول

دع الوجد يصبح او يغبق            ويشئم بالكلف المعرق

ولا تزجر الطير عند الاراك           ينعب بالبين او ينعق

وذرنى اسائل عجماءها              عساها تكلم او تنطق

الا خبر من ثنايا العراق               يطلع او زورة تطرق

هل الدار إلا كعهدى بها              يباكرها العارض المغدق

ام البين اسلمها للبلى              وعاث بها الذئب والخرنق

ثم ان هذا الطابع يبدو فى شعره الغزلي الذي يشبب فيه " بليلاه " وليلاه واحدة من عرائس الشعر فيعرض لوصف ديارها ذاكرا " حاجرا " و " الرمل " و " النقا " و " نجران " وطبيعى ان يحضر فى هذا النسق البدوى الفاظ "  " الحمى " و " الرشا " و " المها " و " الغزال " ويمثل كل هذا فى قصيدة من قصائده العراقية القديمة فيقول :

كم بالقبيبات على حاجر     من قمر باد ومن حاضر

وكم على الرضاض من رملة      من رشإ ظامي الحشا ضامر

ومشرئب بالحمى آلف            لمشرب بالحمى نافر

ما بنت عنى يا غزال النقا         ما خطر السلوان فى خاطرى

فدى لعينيك عيون المها             من رمل نجران الى حاجر

ويظل الكاظمى فى هذه الروح البدوية " يجوب الدياميم " كما يحدثنا هو فى شعره ، وهو يستعمل " بنات الوخد والرسيم " فى بيئته البدوية التى رسمها لنفسه متخيلا وبينه وبينها ما نعرفه من ظروفه التى قد عاش فيها ، فيقول مثلا :

امرح فى السهول والحزوم         على بنات الوخد والرسيم

ارعى بها مائلة الخيشوم            فى كل روض خضل الجميم

ومن عجيب انه يكتب بقصيدة له للشاعر محمود سامي البارودى وهو فى مصر فيفتتحها بقوله (6) :

لمن النجائب سيرهن وخيد         تطوى وتنشر دونهن البيد

طربى اذا ماقيل قلص للسرى        حاد وشمر سائق غريد

عوج الخياشم يندفعن الى الحمى       ما لم يطرن فذائد ومذود

فالشاعر يحدثنا عن " نجائبه " فى " وخيدها " تطوى البيد وتنشرها " وهى " عوج الخياشم " وهو يطرب لحديث السرى ولغناء الحادى . ولا اريد ان ابحث بحث الناقد الادبي فاقول بمذهب التقليد عند الشاعر ذلك انى لم اقصد الى هذا ، بل اريد ان اثبت فى هذا البحث مكانة اللغة وطابعها عند الشاعر فانا حين اقرأ قوله :

سروا يخبطون الدجى والحشا         على إثر آثارهم جارية

اذكر قول الشاعر الفرزدق .

سروا يخبطون الليل وهى تلفهم       على شعب الاكوار من كل جانب

ولا اهتم بتأثر الشاعر الكاظمى ببيت الفرزدق بقدر اهتمامى بهذه الروح البدوية فى شعره ، ثم إنى إذا قرأت قول الكاظمى .

مثلك اهدى من هداة القط        لكل داء غار او انجدا (7)

لا احفل بالبيت القديم فى قول الشاعر .

تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا       ولو سلكت سبل المكارم ضلت

وإنما أعنى بالمثل البدوى القديم " أهدى من القطا " وكيف حضر فى مخيلة الشاعر فوضعه فى إطاره الخاص فاستعمل الغور و النجد إخلاصا لهذه الروح البدوية التى طبع بها والتى تحضره حتى فى مقام الرثاء ، فقد خاطب فى رثاء سعد زغلول أم سعد قائلا

ثكلت رضوى تعالى         ويذبلا وحراء

فقد جاء برضوى ويذبل وحراء من جبال بلاد العرب المعروفة فى التاريخ الادبى لتسلم له هذه الروح البدوية التى طبع بها . وهو حين يحن إلى وطنه العراق ، او يتشوق الى مصرم محل إقامته ، نراه

يعيد علينا اسماء المواضع فى مثل " رامة " و " زرود " فيقول .

حبذا لو براممتى وزرودى       من زهت رامة به وزرود (8)

راممتى مصر حيث صرت إليها    وزرودى العراق حيث اعود

وينتقل على عادته الى الدكن  فى الهند فيعيد علينا ذكر " كاظمة " من مواضع بلاد العرب التى جاء ذكرها فى الشعر القديم فيقول

من معيد عهد كاظمة       بين جد القول واللعب

و " كاظمة " هذه هى التى ذكرها الشريف الرضى غير مرة كما فى قوله .

يا روض ذى الاثل من شرقى كاظمة

قد عاود القلب من ذكراك أديانا

والكاظمى من الشعراء الذين رزقوا طول النفس فقصيدته فى كثير من الاحيان تنيف على المائة بيت ، وطبيعى أن هذه العدة من الابيات تقوم على القافية الموحدة ، وطبيعي ان ياتي فى هذا العدد الكثير من المنظوم الغريب من اللفظ وغريب الكاظمى متأت من التزام القافية . ومن اطالة النفس فيها ، وربما التزم الصعب من القوافى فاضطران ياتى بالغريب كما فى قصيدته " انا والدهر " والتى تنيف على المائة بيت والتى يقول فيها (9)

اصبحت تقرئك الظنون      إذا راتك العين طلسا (19)

الكون لوحك فاتخذ          من أدمعي للبؤس نفسا (11)

وتركتني مثل الاميم اسير فى الطرقات رعسا (12)

أغضبت يا طرفى وفاتك أن ترى يققا وطبسا (13)

مالي ارى عنقى تهس بقاصم الاسرار هسا (14)

مالي ارى كبدى تغس بزاخرات الوجد غسا (15)

ويزعزع الحدثان أسمى العالمين علا وإرسا (16)

ويسود من كان العفرنى فى الورى من كان طبسا (17)

ولعن الله شيطان القافية فهو الذى الجأ الى استعمال هذا الغريب ، وليس الكاظمى بدعا بين الشعراء فى هذا الباب فقد عرض الكثير منهم مثل هذا ، ويستمر الكاظمى فى هذه القصيدة الطويلة فياتى " بالقفس " وهو الموت ، " والحلس " وهو العهد والميثاق و " القمس " بمعنى الغوص ، و " الكدس بمعنى اسراع المثقل فى سيره ، و " القرس " بمعنى البحر ، و " اللدس " بمعنى الخوار الفاتر ، و " الرغس " بمعنى الخير والبركة ، و " الشأس " بمعنى الصلب وغيره هذا من الغريب الذي جاءت به هذه القافية . وقد عرض الغريب للكاظمى فى قصائد عدة بسبب من القافية كما فى قوله فى قصيدة يصف شجارا وقع فى حان .

إذا بجماهر شنوا القرع والوخا (18)

واخشى ان يهاض العظم ان لم يكتس النحضا (19)

والكاظمى مقلد فى غزله فالمرآة الحسناء هى الشمس ، وقدها الرشيق هو " غصن البانة الاملود " ، والجيد جيد الغزال والعيون عيون المها الى غير ذلك من الالفاظ التى حفل بها الشعر القديم فى هذا الباب كما فى قوله .

وافتك ترفل فى رقاق برود       هيفاء تبسم عن شتيت برود (20)

توليك اقصى ما وليت من المها      من كل واضحة المباسم رود

كالشمس إلا انها حلت على         عذبات غصن البانة الاملود

تبدو فتملأ كل عين بهجة             كالبدر لكن لم تزل بمزيد

تسبى الغزال واختها بنت السما       بسناجبين واضح وبجيد

وكقوله فى قصيدة اخرى .

ومهاة تسبى المهاة بجيد           جؤذرى ومقلة دعجاء

ولغة الكاظمى على العموم قديمة فى الفاظها وفى تراكيبها ، فقد حفظ من الشعر القديم الشىء الكثير ، ومن اجله ظهر اثر ذلك فى شعره فأنت حين تقرأ قصيدته في حرب طرابلس الغرب عام 1911 والتي يبدأها بقوله . (21)

لا يصدق السيف مالم تصدق الهمم    بالساعد الفتل يمضى الصارم الخذم

.

لابد ان نذكر قول ابى تمام فى وصف يوم عمورية .

السيف أصدق أنباء من الكتب       فى حده الحد بين الجد واللعب

والكاظمى حين يقول فيها :

وساوس واحاديث ملفقة          تلك الاماني التى يزهو لها الكلم

يذكرنا بقول ابى تمام فى القصيدة نفسها .

...........   تخرصا واحاديثا ملفقة "

وفى قصيدته التى عنوانها " وليس سواكم ايها العرب لى فخر " (22) يذكرنا الكاظمى بالمتنبى فهو يقول :

فكم وقفة من بعد اخرى وقفتها        مسافة ما بيني وبين الردى فتر

وقفت وما فى الامر عندى ريبة          أقلب من طرفى كمن رابه الامر

والمتنبي يمدح سيف الدولة ويشد نمو اقفه فيقول :

وقفت زما فى الموت شك لواقف     كانك فى جفن الردي وهونائم

والكاظمي يقول في قصيدة له

غرام يقيم ولا من براح            وليل يطول ولا من صباح

وقلب يضاع ولاناشد .................

فيذكرنا بقول الشريف .

يضاع فينشد قعب الغبوق             وقلب يضاع ولا ينشد

ولابد لى أن اختم هذا البحث فأقول : ان لغة الكاظمى غنية بالفاظها وتراكيبها ومصدر غناها آن اصولها رسخت فى القديم الذى ثقفه فطبع به كما اشرت .

اشترك في نشرتنا البريدية