- ١ - يلمس كل باحث تلك الفوارق الجليه الموجودة بين اللهجات العامية المتفرعة من اللغة العربية الفصيحة فى اقطار العروبة : حجازها ونجدها ويمنها وشامها وعراقها ومغربها. ويستطيع الباحث الحصيف ان يرد اسباب وجود هذه اللهجات واسباب تعددها الى ثلاثة امور جوهرية تضافرت على تكوين ما عرف بعد الاسلام باللغة العامية فى مدن الاسلام . اما الامور الثلاثة المشار إليها فهى . -
اولا - اختلاف لهجات العرب النازحين الى الاقطار المذكورة آنفا ؛ وبالطبع ان كل طائفة وكل قبيلة ، من عرب الجزيرة تستمسك بلهجتها واصول تعابيرها فى الوطن الذى نزحت اليه من جديد وهكذا الاخري ، وغيرهما ايضا ومن المعروف فى بدائه التاريخ ان لهجة قريش غير لهجة اليمن ، ولغة اليمن غير لغة الشام ، وهذه غير لغة نجد .
ثانيا - اختلاف ((رطانات)) الاعاجم الذين اسلموا أو دخلوا فى الذمة بعد الفتوح الاسلامية فى مشارق الارض ومغاربها، وتاثير هذه الرطانات فى ابناء العروبة فى الجزيرة العربية وغيرها . ومن المسلم ان عرب العراق تاثروا بالفارسية وعرب مصر تأثروا بالقبطية، وعرب المغرب تأثروا بالبربرية وعرب الشام تاثروا بالرومية اما عرب الحجاز ونجد واليمن فمن المعقول ان يكونوا اقل تاثرا بهذه اللغات من سواهم بحكم بعد مواطنهم عن مواطنها ، ولكنهم تأثروا بكمية اكثر وبصورة واسعة جدا بلغات القوم ،بسبب اختلاطهم الذى لا ينقضي بكل المسلمين فى مواسم الحج والزيارة وفى الصناعة والتجارة وبسبب رغبة كثير من المسلمين فى الاقامة بالجزيرة العربية لانها مهد الاسلام الاول .
ثالثا - اختلاط العرب فى اقطارهم بالشعوب الاعجمية وتناسلهم معهم وتسرب لغاتهم وعاداتهم وكثير من مرافق حياتهم والفاظهم الى العرب والى لغتهم واستحكام هذا الاتصال بسبب التعليم والتعلم والحاكمية والمحكومية .
الى هذه الاسباب الثلاثة ترجع عوامل تكون اللغة العامية فى تعبيراتها واختزالانها وغلطاتها وجميع ما اعتراها من تطور ونشوء ؛ وتقلص وتمدد .
وممن تفطن فى العصور القديمة الى تأثير هذه الأسباب فى تقلص الفصحى فى لغة العرب ونشوء اللهجات العامية فى بلدانهم ومنازلهم على حساب اللغة الفصحى امام الادب فى زمانه ابوعمر و عثمان بن بحر الجاحظ فقدعقد فصلا شائفا ؛ فى مفتتح كتابه (( البيان والتبيين )) المع فيه الماعا مجملا غير مفصل ولا مقسم الى هذه الأسباب الثلاثة. قال فى التنويه عن السبب الأول وما أحدثه من تأثير فى تكون اللهجات العامية . -
(( وأهل الأمصار انما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب ولذلك نجد الاختلاف فى الفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر ))
وقال فى التنويه عن العاملين الثاني والثالث : - (( ألا تري ان أهل المدينة لما نزل فبهم ناس من الفرس فى قديم الدهر علقوا بالفاظ من الفاظهم ولذلك يسمون البطيخ الخريز ، ويسمون السميط : الروذق ويسمون المصوص : المزوز . ويسمون الشطرنج : الاشترنج (١) الى غير ذلك من الاسماء : وكذلك أهل الكوفة ، فانهم يسمون المسحاة : بال : وبال بالفارسية ولو علق ذلك لغة أهل البصرة - اذ نزلوا بادنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب كان ذاك أشبه ، اذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بادنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب
ويسمى أهل الكوفة الحوك ( وهو البقلة الحمقاء المعروفة فى الحجاز اليوم بالرجلة )) باذروج . والباذروج بالفارسية . والحوك كلمة عربية ))
وقد كتب الأمير شكيب ارسلان من المعاصر بن بحثا مستفيضا عن اختلاف اللهجات العامية فى العصر الحاضر ، ولكنه قصر أكثره على المظاهر، من الكلمات كالأمالة وما أشبه ؛ ولم يجتز به الى الخوض فى بيان أصول الكلمات العامية الدارجة المنتشرة فى الاقطار العربية ؛ وأسباب حدوث اختلاف اختلافها فى التعبير والنطق عن أمها الفصحى . والبحث المشار اليه منشور فى مجلة المقتطف. أما أنا فقد عنيت بالبحث فى هذا الامر الذى هو بيان (( أسباب حدوث اللهجات العامية وردها الى أصولها الصحيحة اذا كانت لها أصول صحيحة من اللغة )) واقتصرت بحثى على اللهجات الموجودة فى الحجاز ونجد ، فى عصرنا الحاضر، والدافع الى هذا هو الرغبة فى افادة اللغة من جانبيها : الفصيح والعامى، وتنوير أفكار أهلها والكشف لهم عن مناح بسيطة من هذا الارتباط المحكم العرى السارى بين الفرع والاصل ، وأرى ان هذا يعد من قبيل (( فتح الباب )) لفرسان الأ دب ؛ لينيروا جوانب هذا الموضوع الهام الذى له أقوى الصلة بحياتنا الفكرية منذ أجيال ، ولا يزال ستار الاهمال مسدولا عليه فانه من سقط المتاع .
هذا ولعدم اتساع هذه المجلة لبحوث ضافية فى أصول الكلمات التى أبحث فيها فانى سألتزم الاختصار فيما أورده من هذه الكلمات وها أنا أشرع فاقول : ١ - (( رجغ )) تطلق هذه الكلمة ، بالجيم بعد الراء ، في الحجاز على معني الوحل والطين . ولا تظنن أيها الأديب اللبيب ، ان عروة الصلة مفصومة بين هذه الكلمة وبين البيان العربى الصحيح ، ففي كتب اللغة ان (الردغ) براء ودال مهملتين مفتوحتين هو الطين والوحل بعينه، ولقرب مخرج الجيم من الدال خصوصا فى لغة الحجازيين ابدل الناس الدال
من ( الردغ ) بالجيم فقالوا الرجغ بدل الردغ فحذار من ان تتلوث بالردغ ياظريف العرب !
٢ - (( الدبش )) بفتح الدال والباء . هو المتاع عند الناس فى هذه البلاد . وتوافق اللغة على هذا الوضع تماما. فنظم دبشك فى الحضر والسفر يا أخا العرب
٣- (( المعوشة )) - اذا سمعت هذه اللفظة من متحذلقى العرام هنا ضقت ذرعا بالجهل المركب ، قلت فى نفسك ما أجهله وأخطأه ! انما هى . (( المعيشة )) لا المعوشة ، وأنت لا تدرى ان ابن العرب أصاب بطريقة الوارثة والنسب ؛ فالمعوشة لغة ازدية في المعيشة ، فحسن معوشتك ، وأمن معيشتك يا حصيف العرب !
٤ - (( القراش )) بصيغه المبالغة ، بمعنى البدوى الذى يجمع الحطب ويخرج منه الفحم ويحمله ويأتى به الاسواق فى المدن علي جمالته . والقرش لغة : الجمع ومنه سمى قريش، فما عليك اذا وافقت على ان القراش هو جماع الحطب وحمال الفحم من البادية ، فتنبه يا أريب العرب .
٥ - (( النتش )) فى لغة العوام الخطف والاستخراج . وله وجه وجيه من الصحة فى اللغة الفصحي ففيها ان النتش:استخراج الشوكة بالمنتاش وهو المنقاش ،وجذب اللحم ونحوه قرصا ،فتفطن لدهاةالنتش بارحالة العرب!
٦ - (( التنكيش )) عند العامة هو استخلاص شئ من شئ؛ ومنه تنكيش الاسنان : أى استخراج ما يتخللها من المواد الغذائية . وفى مصادر اللغة ما يفصح عن صحة هذا الموضع، فمعنى نكش الركية، وهى السقاء :اخراج مافيها من الحمأة والطين . فنكش اسنانك إثر الطعام يا حاذق العرب !
٧ - (( الغضارة )) فى عرف أهل نجد تطلق على (( الزبدية )) ؛ وهى القدح أى الماعون المجوف المستدير غير (( المفلطح )). والغضارة لغة: هى الطين اللازب الاخضر الحر . ومن هذا الطين تعمل الغضارة ، وسميت بها
تسمية للفرع باسم الاصل ، مجازا مرسلا لطيفا . وباب المجاز المرسل مفتوح لك علي مصراعيه فادخل بدون وجل يا منطيق العرب !
٨ - (( الزبدية )) يستعملها الناس فى الحجاز بمعنى الماعون الذى يدعى فى نجد بالغضارة ، وهو أيضا استعمال صحيح ؛ لانها نسبة الى الزبد الذى يوضع في الزبدية ، فلا تخش بأسا من هذا الاستعمال يا كاتب العرب !
٩ - (( مفلطح )) تطلق هذه الكلمة فى عرف أهل الحجاز على معنى عريض فيقول لك أحدهم: فلان رأسه مفلطح،أى عريض ،وهذا أيضا مستقيم فالمفلطح في اللغة هو العريض؛فلا تكن عريض القفا ولا ((مفلطحه))يا ظريف العرب !
١٠ - (( زنخ )) هو المعفن المتغير فى مصطلح أهل الحجاز اليوم .وفى اللغة ان الدهن اذا تاتغير يقال له : زخ ، أي متغير ، فلا تكن زنخ المحضر ولا المعشريا وجيه العرب!
١١ - (( صمخه )) يقول لك الحجازى: صمخت فلانا باللكفوف ، أى صفعته بجمع كفى مرارا وهو وضع صحيح ما عليه غبار، ففى اللغة ان((صمخ)) بتخفيف الميم ، بمعنى اصاب صماخه وعينه بجمع كفه ، وشدد الناس الميم للتكثير ، فلا تتورط في موجبات الصمخ يا لبيب العرب !
١٢ - (( الجمع )) بضم الجيم وسكون الميم ، يقول لك عامى الحجاز : ضربت فلانا بالجمع ، أى بجمع كفى مقبوضة . وهذا هو معنى الجمع لغة ؛ فلا تسبب لان تضرب بالجمع يا فتى العرب !
١٣ - (( أملط )) يقولون فلان أملط : أى عريان متجرد كما خلق. والاملط لغة من كان كذلك . فتحفظ يا شيخ العرب !
١٤ - (( تمغط )) عند العوام بمعنى تمدد وتمطي ؛ وهو اصطلاح صحيح يوائم الوضع اللغوى الفصيح ، فتمغط بعزمك حتى التريا ياشباب العرب !

