الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

اللهجة المصرية (*) ، بين التأثر والتأثير

Share

موضوع الليلة هو (اللهجة المصرية بين الثاثر والتاثير) واللهجة المصرية فى الاصل كما يبدو لى مزيج مركب من اللهجات العربية والعامية الحجازية والمغربية والسورية وتحتوى على الكثير من الكلمات الدخيلة على اللغة العربية بحكم من امتزج بهم اهل مصر من اتراك وغير اتراك . وقد انصهرت هذه اللهجات فى بوتقة اللهجة المصرية العامية التى نراها اليوم فاصبحت مصرية . وهذه اللجهة المصرية هي ذات فرعين متمايزين بارزين : الفرع القاهرة ، وهو يمتاز بخفة التراكيب وبالتوقيع وبالنبرات والانكماشات والامتدادات ، وقد اصبحت معروفة متميزة بطابعها المعروف وهي رقيقة كرقة لغة اهل الاستانة فى التركية وميزتها وعلامتها الفارقة هي شيئان بارزان فيها وهما قلب القاف همزة اني وجدت فى اية  كلمة فالقلب هو "الالب والقلم هو" الالم" والقرب هو "الارب" وهكذا دواليك وهذه الظاهرة العجيبة ليس لها مثيل فى اللهجات العامية المتداولة بين العرب المولدين مطلقا ولا نعلم منشأها ، فان العرب المولدين شانهم مع القاف احد امرين اما ان يقلبوها الى جسم فارسية وهذا صنع الاغلب الاعم فى الحجاز ونجد واليمن وسورية وجنوب مصر واما ان تبقى قافا . كما هو الشأن فى اللهجات العامية بتونس والعراق والجزائر والمغرب الاقصى وهناك قسم او فريق فى سوريا تابع القاهرة فى وضع هذه القاف فنطقوا بها الفا وهذا على ما يظهر لي ناشئ من الاتصال المباشر الذي كان بين حكام القاهرة وسورية فى عهد حكام الاتراك ومحمد على باشا ومن بعده من ولاة سوريا المصريين والعلامة الفارقة الثانية من علامات لهجة القاهريين هي قلب الجيم العربية الى جيم اعجمية فالجمل "هو الكمل" والجلوس هو "الكلوس ، والجبل هو "الكبل" وهكذا وقد انفردت مصر بهذا الوضع الشاذ الغريب دون سائر بلاد العروبة ، وقد حدثت حديثا ظريفا فى هذا الشأن يتخلص فى ان التفريق بين حجاج المغرب الاقصى وحجاج مصر فى سنة

من السنوات الماضية قد اشكل وتعسر فقد اختلط امرهم على من يهمه الامر بالباخرة فى السويس فى احدى سنوات احد الخديوين فالكل بيض ، والسجن عربية متشابهة والجميع فى ملابس الاحرام وكلهم يرومون الصعود الى الباخرة متدافعين وقد احتار الموظف فى التفريق بينهم فاذا بصديق له لبق فطن يقول له : قل لكل من يريد الدخول من هؤلاء الحجاج : انطق بهذه العبارة ، وبموجب نطقه تدرك حقيقته . قل لهم لينطقوا بهذه الجملة : (الجمل طلع الجبل) وبنطقهم تميزهم . المغاربه ينطقونها بالجيم وبلهجتهم المستعجلة المقتضبة والمصريون سيمدون ما بين بعض الحروف وسينطقون بالجيم فارسية وبذلك تعرفهم بلهجتهم وكانت حكمة رائعة دقيقة انقذت موقف صاحبنا الموظف المختار ، وسرعان مافهم كل شئ .

والفرع الثانى من فروع اللهجة العامية المصرية فرع اهل الصعيد وهو اعمق  عروبة ، واقرب قربا الى لهجة هذه البلاد وفيهم قبائل عربية نزحت قريبا وبعيدا  منها الى مصر مما اثمر قرب لهجتهم الينا ، وقد تفاعلت اللهجة المصرية فيه من قبل مائة عام مع اللهجة الحجازية واثرت تلك فى هذه تأثيرا لا يزال واضحا حتى الآن خاصة  فى المدن التى كانت لها صلة مباشرة مع مصر ، وهي مكة والمدينة وجدة وينبع والطائف  ورابغ ففي هذه المدن تجد الفاظا وعبارات وتراكيب ولهجات هي الفاظ مصر وعباراتها وتراكيبها العامية ولكنها قد أصبحت اقليمية بعض الشئ ومن هذه العبارات عبارة (ماعليش) فانها لا تزال تقال فى مصر ولكن بهذه الصيغة (ما عليش) وعبارة (جيتلك هذا) المحرفة عن العبارة العربية الفصحى التى هى (جئت لك بهذا)  او ما اشبه . فانها تقال فى مصر حتى الآن ولكن على مقتضى اللهجة المصرية ، هم يقولون (كبتلك) بالجيم الاعجمية على حسب نطقهم الجيم العربية . هذا فى شمال مصر اما فى جنوبها ، وهو الاكثر تفاعلا مع مدن الحجاز فانهم لا ينطقون بالجيم العربية جيما اعجمية كما يصنع اهل القاهرة ومن سار على دربهم من مجاوربهم ومقلديهم . بل إنهم ينقطون بها جيما عربية ؛ صنع اهل الحجاز  فالعبارة المذكورة آنها متماثلة النطق تماما فى النبرات والحروف بين الفريقين : اهل الصعيد ، وأهل الحجاز ولنجد . وقد انكمش تأثير اللهجة المصرية بعض الشئ

إبان الاحتلال البريطانى وفيما بعد الحرب العالمية الاولى بحكم انفصالها عن بقية بلاد العروبة وبحكم انفصال هذه عن بعضها بحكم الاحتلال أو الاستعمار أو الحماية او ما اشبه من ادوات التفرقة الغربية ، فلما استيقظ الوعي القومى العربى فى مصر وعادت الى فهم نفسها واستيقظت الحياة فى شتى اقطار العروبة عادت مصر تحتل  مكانة مرموققة بين اقطار العرب ونظمت بعثات علمية لها وانتدبت اساتيذ لها وهكذا بدأنا نسمع فى السنوات الاخيرة بين الاوساط المتعلمة وبين الاوساط شبه المتعلمة اناسا يسرهم ان يحسنوا تقليد اللهجة المصرية لا حينما يكونون مقيمين بها .. ومن الحق ان نقول : ان التعليم يهذب اللهجات ويقارب بينها ، وقد هذب التعليم الواسع فى مصر بالنسبة لحالتها السابقه اسلوب اللهجة العامية بعض الشئ وخفف من رعونتها وقربها بعض الخطوات الى حيز أمها : اللغة الفصحى وكذلك الشأن - نسبيا -  فى هذه البلاد وبذلك ازداد تقارب التفاهم والتآلف وبذلك كان تاثير اللهجة التى اهلها اوسع ثقافة واعمق اكثر  فى اللهجة التى اهلها اقل ثقافة ، وشان اسلوب اللهجة العامية فى هذا شان اسلوب الادب ، الا ان هذا يتأثر بقوة بالغه بما هو أقوى منه بحكم ان معتنقيه فئة محصورة محودة اتخذوا هذا الاسلوب منارا واستاذا لينقذهم من براثن الجمود والخمول التى فتكت بمقومات تفكيرهم من طريق التقليد والنقييد . اما اللهجات العامية فليس امرها كذلك . انها اشبه ببحر واسع يحتمل ان تنطوى مياهه على كل شئ . ماصلح وماطلح وما افاد وما لا يفيد ، وما يرقي وينهض وما يحط ويسقط . ولكن جوه على كل حال ، ولكن محيطه على كل حال ، متاثر بهذا الذى وجد طريقه سهلة ميسورة الى مياهه، وبقدر تاثره يؤثر فى الاجواء التى حوله والتى هى اشد التصاقا به فى الانتفاع بمن يعيشون فيه وما يوجد فيه .

وقد كونت الليجة المصرية العامية ادبا عاميا يتمثل اغلبه فى الزجل ويتمثل اقل فى النثر الهكمى والنقدى الساخر اللاذع ، الا ان هذا الادب "العامي المتاثر بلهجة الادب الاندلسي ، وبزميله الأدب السورى - لم يقو على ان يتجاوز محيط مصر ولا على ان يخترق سياج حدودها الى اقطار العروبة الاخرى ، اللهم الامن ناحية الاستحسان والتذوق والفهم اخيرا فى بعض الاقاليم العربية المجاورة لمصر ، كالحجاز

ما عدا تونس ، فانها قد تاثرت فى فنونها بهذا اللون من الأدب بحكم الاتصال الواسع المدى القديم والحديث، وقد كان فى هذه البلاد ادب شعري عامي يسمونه (الحمينى) بضم الحاء وفتح الميم، وتكوينه واهدافه وأساليبه مقاربة للادب العامي الشعرى المصرى، ولعله يكون قد تائر به بعض الشئ الا انه استطاع مع ذلك ان يحتفظ بطابعه الحجازى فى طرق التعبير عن خلجات النفوس وفي اساليب الاستيحاء والاستعطاف وابراز العواطف وعرض الرغائب .

وبعد فهذه لمحات خاطفة عن اللهجة العامية فى مصر، متاثرة مؤثرة، وفي هذه اللمحات استعراض يصح ان يكون مبدأ دراسة عميقة واسعة لهذا الموضوع الذي له صلة دقيقة بماضى هذه البلاد وحاضرها خاصة ، وله صلة دقيقة حافلة بماضى بلاد العرب وحاضرها عامة ؛ واول الغيث قطر ثم ينهمر .

اشترك في نشرتنا البريدية