راها فى حفل مع رجل وامرأة مسنين . . فسأل احد اصحابه ممن يعرفون الناس فقال له : انهما ابواها . . وهى وحيدتهما . . وفهم الصاحب ما يريده من سؤاله فراح يحدثه عن والدها الاستاذ الذى ما كاد ينطق باسمه حتى اهتز له . . هو يعرف هذا الاسم
وحدق غير مامرة بالبنت الجميلة . . فاقتنع بعظيم جمالها . . ومثير سحرها . . ورضى أن يحاول الاقتراب من هذا النور الوهاج الملتمع في عينيها الواسعتين ، كان يبدو انها لم تجاوز الثامنة عشرة لكن رغم هذا العمر الصغير كان كل شىء فيها ناضجا . . حتى النظرة وليلتها سأل وسال . . وكان همه السؤال ، لم يجسر على الاقتراب منها . . كانت محوطة بذينك العجوزين يقيانها شر النظرات والتطفل . واستقر برأسه انها طالبة . معروفة باستقامتها ولطف اخلاقها
عاش اياما وليالي مفكرا فيها.. تغير حاله منذ ان رآها . . ولعله الساعة فطن الى ان هذا الشعور نحو تلك البنت والرغبة فيها والميل الى رؤيتها . والوقوف حول باب مدرستها . . هو ما يسميه الناس بالحب . واقتنع فيما بينه وبين نفسه بانه اصبح محبا وان له محبوبا . . وانه كغيره من المحبين يمر بمرحلة التعذيب التى لابد منها . . فلا كلام من الحبيب ولا لقاء به . . وشعر بأنه فى حاجة الى ما يخفف عذابه . . والى ما ينسبه هذا الالم الذي بدأ يعتمل داخل صدره . . فمضى الى ركنه الذى كان لا يلتفت اليه - في بعض الاوقات - الاسبوع الكامل ، مضى اليه ونفض عنه الغبار . . وجمع ادوات . واحضر معدات هى اقرب الاشياء الى قلبه حتى مدة قريبة . . ولكنها اليوم تحتل المكانة الثانية . . فاقرب شئ الى قلبه الساعة هو ابنة الاستاذ .
كان هناك بالركن ثلاث لوحات او اكثر تنتظر منه ان يتمها فيمرر عليها ريشته لاخر مرة ولكنه ماذهب اليها . . لقد التأمت في دماغه خطوط لوحة
اخرى جديدة . . . لوحة ستحدث ضجة حول اسمه . . لكم جعلته منتشيا تلك الضجة التى احدثها ، فى السنة الماضية ، عرضه لجمع كبير من لوحاته . . وعاد بذهنه الى ما كتبته الصحف عنه . . والى تلك الرسائل والبرقيات المهنئة . . ما احلى الضجة حول اسمه . . لا بد ان يتناهى اليها شئ عنه .
هو متاكد من ان لوحته هذه التى سيبدأ فى وضع مخططها . . سيكون لها النجاح التى حظيت به رفيقاتها السابقة . . وفي هذه اللحظة مرت براسه فكرة ، توقف عندها قليلا . . ثم رحب بها كثيرا . ومضى الى ركنه يعمل ريشته العبقرية فى اللوحة الجديدة ، طوى نفسه على هذه الفكرة . . وعاش يعمل فى ركنه الصامت ويرمى بنفسه بين الفينة والاخرى ، فى الطريق امام ذات العينين الواسعتين . . وشاء ان يخاطبها ولكنه ما قدر على ذلك . . وفكر فى ان يوسط احد اصحابه ، ولكنه لم يرد ان يوسط صديقا فى التعرف بانسانة راح يبنى حولها كل اماله . . فسيراها ذات يوم خطيبته . . وزوجته . وملهمته . . بل ها هى منذ ذلك اليوم تلهمه . . ما أحوجه اليها . كان يومه ينقضى بين رسم وخلط دهن . . ونظرات يبعثها فى اتجاهها ، وهو يمشى خلفها ، تخترق منها الاعماق . . وتستقر على كل عضو من جسدها المياس
واحسب انها احست به فاصبحت وهى تمر به تطفح على شفتيها الرقيقتين ابتسامة خفيفة متسترة ، وشع فى اعماقه نور . . هذه البسمة الخفيفة زادت من حماسه ونشاطه . . واضحت اللوحة الفتانة . . بين يديه على وشك الانتهاء انه ماسجل قط مثل هذه السرعة ولكن لاتحسبنها سرعة بدون جودة . انهما معا . . وعجب من نفسه . . انه يكاد ينتهى منها . . وعادت الفكرة الى راسه . . سيهدى هذه اللوحة اليها . . نعم سيقدمها اليها . . وسضحى بتلك الضجة التى يمكن ان تجرها اليه فتثيرها حول اسمه . . سيضحى وما الحب الا تضحية . . هذا ابسط ما يقدمه اليها . . ولكن كيف ؟ وعن طريق من ؟ وتحت اى عنوان ؟ وتكاثرت الاستفهامات فلم يتبرم بها سيجد حلا . . هو متأكد من انه سيجد حلا .
وفى المساء . . وهو يعود الى بيته بعد ما هبطت الشمس خلف اسوار المدينة . . ودب الظلام بصربها فكاد لا يصدق ، كانت في طريقه بذلك النهج الصغير . . الساكن الذى يقضى الى بيته ، كانت داخل سيارة . . لم تكن وحدها . . كان حولها شاب فى مثل عمرها . . كانت ملتصقة به كادا ان يصبحا انسانا واحدا . . وتقدم . . كانت تقبله عندما رفعت رأسها الصغير على وقع اقدامه .
ولم تتم اللوحة . . حتى اليوم . . بقيت بالركن الصامت . . وبدأت تتساقط على وجهها ذرات غبار رمادى . . بقيت حول صاحباتها فى حاجة الى ساعة عمل او اقل من ذلك .
