- 1 - الليل .. ( * ) لحن الوفاء الدافيء يتسرب فى الدواخل تدريجيا مميطا اللثام من فواجع سر مدية تنكشف الاغوار عارية الاديم واللهيب مسعر تنتفى ابجديات حب . والوجوه الكحيلة ترمق الايام تنتظر لحظات الصب الكبرى وها أنت تمرق بين اشجار الصنوبر البرى حاملا هواجس حاقدة . انت هنا لحن تائه عبر وجود عبثى السمة يلفح الصقيع الارض الجرداء والليالى المضنية تتبع الطريق الصعب . أو ان وقفت وحيدا ذات مساء على حافة الهوة الفاصلة بين النار الحرى والضياء الازلى اتخذت وجهة الصخب دون عنف . وضعت حدا لما ينقر الداخل ولم تتجرأ ولم تتوان عن النظر من جديد بحثا عن الهوية المفقودة .
الاسم : مصطف السلطان - ولدت صخبا ليلة شتائية في بدء القرن المشؤوم . لا تعرف بالضبط منشأك ، انما هي ملامح استجلاها الاب من الذاكرة . شاءت الصدفة ان تأتي في زمن الاكفهرار . لعله التوله القاتل تقول تلك التى راقبتك وانت تستقبل العالم الآثم : ولدت زمن التحام الاوقات لحظة المواجع وانفجار اللغم الذى أودى بحياة العم حمدان ... الوجه الصبوح الذى عابثك طويلا كان يمرر اليد على الجسم اللين ... بقول : طفل لا كالاطفال ... وكبرت لقبت ( بالعبيط ) والمشؤوم .
تساءلت والام تجرعك شراب الخزامى والشيح والعرار عن المباح فى الزمن الكلب . التجأت مرة الى النار تلمستها بيد مرتعشية ضاحكا كنت ، وباحثا عن السر.. وكنت رغم الصغر تتذكر الطعم الكريه لمشروب قالت العجوز المجدورة الوجه انه الدواء لداء سعال الديك . تساءلت بعد مدة وانت على رصيف مدينة ساحلية ذات هواء منعش ، تساءلت وانت ترمق
الوجوم الصبوحة التى لا تنى عن الغبطة والابتسام ، تساءلت هل عرفت هذه الوجوه صفع مدن الاغلال والتفسخ واعياد العذابات الصباحية وشراب الخزامي والحلفاء .
هذه الايام وهى تمضى تباعا لا تستقر على حال . إنهزمت زمن المرارة أم هى تقاتلك صمتا . نوح هي المواسم هذه ، وراحة رغم ذاك العبد فى هذه الاهزوجة يمزق ويجلد لكنه فى الاخير يغرق . فى وحل الايام .
كان الطعم فجا . شربت منه فتسرب الى كيانك نغصا . وددت لو تلاطم المحيط صنوا للامواج العاتية . واندهشت . تطلعت الى وجوه قمحيه باسمة و السؤال ممض . ماذا لو تذوقت ذاك الشراب الحنظلي كل من ( بيازريس ) وايزابيل وكاترين ! ؟ ضحكت . . .
كاترين ارهقتك كثيرا . انهدت امامك به العديد من المحاولات اليائسة ولم تفشل لكنك تجرعت ، وامام المسرح الكبير عذاب عذاب الانتظار القاتل ... اما روديكا ... روديكا الرومانية الاصل والآتية من بحار الشمال الجامدة .. روديكا هذا الشئ الآخر المر - الحلو معا . . لعله الطحلب البحرى او ان اخضراره وابان رونقه البدائى . . قالت لك : لا تبتسم . هنا لا نحب العبادة والتوله الكبير.. الفؤاد فانوس نحاسى اخرق .
كانت اليد ثلجية الاديم ، والدمع في العين نوطة وداع .. هل هي المواجع أم هو الصقيع .. وروديكا كانت ملتقى الخيال والخبال وكانت نقطه بدء للانهيار حدثتها عن الهموم والرؤى والآفاق واوضحت لها معانى المحاماة والدفاع الشرعى عن المظلوم .. وحادثتك ليلة شتائية عن ماسى اصقاع بعيدة ... تقول : الحرب نوطة لا مناص منها ، وتتار هذا العصر لا يعرفون معنى للهدوء والراحة . غرقتما فى قتامة الايام . الحديث عن الحرب يفقد المشاعر والدفء . وتذكرت مدينة مسوره مررت بها ذات مساء .. كان ليلها متلالا الاضواء .. والجو به رطوبة خاصة . . اندسست في فراش بارد الحواشى .. تفكر فى الرحلة القادمة .
- 2 - القطار راسب . حثة باردة . هنا في المحطة تبدو الكآبة كيانا سرمديا رقدت جحافل ثم مرت . رمقت الاشياء المحيطة بعين مغترب . مند متى
وانت مسكون . النظر تحد صارخ والكيان المكهرب يبحث عن القرار الذاكرة نشيج رمادى الوشائج . كنت طفلا متهدج الصوت تجرى وراء فرس حرون . الاب يزعق ، والفرس فى شروده يحكى الدهر . الطفل - البعمر يسرع الخطو للمسك بالزمام الصعب المدرسة حقبة لا بد منها . وفجأة ، وفى نفس المكان وعلى هامش مساء شتائى حيث الاواصر جاء عون ، جاء الى الاب الشيخ مبتسما . قال : مصطفى السلطان . تقدمت : تفضل . قال باقتضاب وهو يحدجك بنظر متفحص : ( تعال ... ) خرجت ، كان الجبل الاجرد يحيط بالمدينة - الكآبة ... ليلتها ، لم يعرف لك مقر .
القطار راسب جحافل المسافرين تتوارد كأسراب طيور مهاجرة . فتح باب از المحرك . الدخان يتصاعد ليعم الاعالى . دخان مخنق ... العربات تقترب لتلتصق تكون سلسلة متعاقبة .. واحدة ، اثنان ، ثلاثة .. المسافرون يتجمعون على الارصفة حسب التوجهات اقتربت من سارية عليها ملصقات متآكلة الاطراف تمعنت فى الخطوط المنحنية والصور . خمنت لعلها اعلانات لبعض المواد التجميلية ... تذكرت هيلين . ومساحيق سنوات الثلاثين .. والشعر القصير ، وجدائل مارتين الرائعة ... نقرت على المقعد الخشبى لم تشأ الجلوس ... الرحلة طويلة ، شاقة وقد مللت الجلوس بين تلك الجدران الملساء ... الآن وانت تتهيأ للركوب تترك وراءك مدينة خلبت منك اللب .. تتركها غير عابيء بالآتي. .
جاء القطار . مرج . وهرج . والمناكب . تأخرت عن الصعود لم لا تنتظر القطار الموالى ... لم السرعة وانت الذى تضيع الوقت ربحا له .. تذكرت تلك الايام البائسة ، ولعلها ايام الخير الحق لم نكن لننتظر القطارات المولية ، ولم نكن نجد صعوبة فى الارتقاء .. الآن . الخطو كئيب ، وأوجاع فى المؤخرة تخز كذبؤابات الاشعة .. كنت لحنا جذلا ، قال العون يتفحصك باهتمام بالغ : ( الضابط منشرح بضبطك ) . وقال الضابط : ( نحن عادلون مع رجال القضاء كما تعلم ... )ضحكت ... وعندما أودعت الغرفة - المعبد - السجن - قلت : ( مستقر رائع ... بعد حرية دامت عقودا خمسة .. )
وعندما صعدت القطار ، ارتكنت فى زاوية بحثا عن الدفء والراحة ورمقت حمائم تعبر الساحة من العاب عنكبوتية ، الوجوه هذه الايام فاقدة
لكل تعبير واضح ، ساهمة هي العيون الداجيه هذا ما استقر عليه رأيك انها ايام الانجلاء والذوبان الفاضح . تذكرت روديكا وهي تسترق السمع لدقات قلبك وتقول : يمكن للانسان ان يعلم كل شئ وعند الاستباحة تؤكد : الحياة رونق متألق سريع الافول.. .
تأوهت . ورغم بلوغك العقد السادس فان المواجع مهما عظمت تمحي وانت تنظر الى أفق شمسى الاطراف تتجسد أمامك الاحداث . هل أنت مدمن على حياة الذكرى أم هي مواجع الإيام تعود يتناغى القمر ليالى الظلمة ويستبيح الرونق الآفل لحظات الصب . ابتسمت وانت ترمق طفلا جلى الملامح آتيا من بعيد يحمل في عينيه مآسي الصمت المترب هذا الطفل . هذا الغد المضمحل والمفعم بدياجى الآتي ، بسم لليوم القادم . انظر . المواسم تأتى متتابعة تحكى أزلية الاقدار . وفي ذاك العهد القاتل رافقك صبى نقى البسمة ترافقتما عبر محطات الدراسة . ولم تفترقا الا بعد مضي عقدين من الزمن اذ دفع بك فى السيارة وكان مشهد الصبى المكسو دما نازفا يرعد . ورغم ذاك قال . اياك والخوف . نحن فى زمن الاجهاضات المستمرة . ابتسمت .
تحرك القطار . عما قليل تبتدئ رحلة اردتها مضنية ... رمقت اليد هذه المرة احسست ان الدم يستعيد دفعاته الاولى ... رمقتها مرة اخرى ، وبوعى لتعلم انك .. حر ، طليق ...
- 3 - - الاسم ! - مصطفى السلطان العمر ؟ - 50 سنة - المهنة ! - محام - لسان دفاع شرعى .
بجلاء كنت تجيب . كنت ممن يكرهون التلعثم والذين يتلون الصفة المفضلة - المتعبة : الصدق . الاباء الصرامة مع النفس والصراحة مع الآخرين . امراض المجتمع مواجع قاتلة خمنت وانت ترمق الجسد المسجى ماذا وراء الجسد وإلام المصير . ؟ انهد والوعى منا الى اضمحلال قالت ايزابيل وانتما تركبان القطار الهوائى : السماء اروع من اليابسة قلت : الارض هى المطمح قالت : ارنو دائما الى الاعلى قلت لها والذوبان يستهويك : اقلعى عن الارتطام باليم المجمد . أجابت : أفق ولا تنس الكوابيس ... تلثمت بالصبر حينا ... قال : يبدو انى اعرفك ..
تأملته جيدا . لطيف الابتسام ، حسن الهندام ، حليق الذقن متأنق خمنت : ملابسه مستوردة ... كانه القادم من الاعالي .. رفعت الرأس اشيب الشعر هو . . . بهى الطلعة جميل الصورة مرت أمامك عديد الاخيلة . . وجه مدور به بعض النمش لم تسعفك الذاكرة .
تملت : لا غرابة ... قال : ألم تتخرج من كلية الحقوق ...
أومأت كنت حريصا على الكلام والصمت معا . الدياجى لا تفيق بسرعة ظلمة البحر الآفل ، منذ متى فارقت جحافل القتل اليومى ، صمت قليلا نظر في الوجه وأمعن . قال بعد لحظات وله قصوى : اعمل فى وكالة للانباء خارجية . صمت صمت وبعد مدة أضاف : الهواء فى الخارج منعش .
حركية القطار أزيز متواصل . احببت هذه الرحلة لانها عين الارهاق ... وهى أيضا عنوان الترويح عن النفس المترعة ... تقول تيريز : الرحلات انعاش للضمير المقتول ...
قال : أنت ..كنت من المحظوظين.. ايام الدراسة . وصميت ليواصل بعد حين : اما انا فعرفت الويلات وما عرفت القرار .. هذه المرة استفاق عنك كابوس صارخ ، ولم تصمت قفز الوجه العذب الي النفس المتعطشة الى ماضيها الآفل وقلت : انور عبد المجيد ..! قال : نعم ...
اوما منك الراس . ابتسمت . قفزة هي نحو الماضى السحيق الجرى وراء الفراش اوان الطفولة الاولى . . . ثم طرق باريس الملتويه ومحطات سان جرمان ومداخل سان لازار وأعالى محطات عربات الفضاء رمقك من جديد الاسم الاسم هكذا صاح خبت فى نفسه تلك النزوة . اطمئن ولم يأمن راك تلتفت الى الخارج اخرج سيجارة سالك التدخين ابتسمت وانت تنفث الدخان بفرح طاغ ... علمت ان الاصدقاء الاقدمين ينبشون الماضى فى عملية يائسه لاستعادة الايام الهاربة . وتذكرت قوله حكيم صيني قيل انه عاش الدهر : الصديق تاريخ حتى رغم المواسم الآفلة ... هذه المرة قلت مبتهجا : كان القطار رحيما . ( للرواية صلة )

