- 3 - (*) كان صاحب النظارات كثير الالتفات . صمتما . تنحنح رجل يجلس فى المقاعد الامامية ، يضع " بيرية " على الرأس ... تناومت . همت برحيق طفولى . الارجوحة لا تستقر ، والطفل يرمق عالما كئيبا ... قال أنور : كان مشوارى طويلا ...
وتعاوده الذكرى . صفيع الايام ودياجى الاحلام . وتوترات بادية فى السرمدى . وتتجافى داخله الاوهام فينحاز لنقطة البدء . والآلام تعتصر . هل فهم العصر أم هو الفشل والأغواء القطار يتحرك إلى أمام وكل شئ مرتبط بدوافع المحق والاقتتال وصخب الايام رهين نظرة ، اشارة ، كلمة ، تلميح . كذا الاهواء هي انتشاء وموت .
يتوقف القطار . يصعد الركاب . ينزل آخرون . تتغير الوجوه وذاك الرجل صاحب النظارات برمق الاعين فى تجل وتعرف فاضح . هل هى الدماثة أو البحث عما وراء الاقنعة ... المهم هذا الوجه ليس بالغريب .. لكن أين كان التعارف ومتى !؟ هل هى السنون تمضى تباعا ، مباعدة بين الناس ؟ ثم عم ولم وكيف .. هو ساهم باحث فى الوجوه المترعة كانه يبحث عن الذوات التى طالما عاشرها ... أنور أيضا تساءل عن الحقيقة ... ورغم ان العهد الذي كانا فيه يحملان بذرة التحقيق قد انفلت فان السؤال المبهم ما زال يرن من الدواخل محدثا ضربا من الارتباك ...
وسمع المحامى وانور صيحة عالية من العربة الجانبية تلاها صمت . الكل مشدوه . وكأنما العالم انجرد لكي يترك للدم حرية الانسكاب ... لم يتوقف
القطار شأنه شأن القدر وكان أنور قد تشبع برحيق جديد ... فأعاد بصوت مسموع : كان مشوارى طويلا ...
زرت اسبانيا قبيل الحرب . الانهار هناك مترعة . الاضواء المتلألئة فوق المياه ترتعش عذوبة . والقصور المذهبة الجوانب تستقبل الشمس مع تغاريد عصافير الصبح ، والنوارس على حواشى السفن مزهوة مغردة . والاحداق نائية الالم المحسور الى الدواخل لا أروع ولا أجود . اللعبة المفضلة هى المصارعة ... الاسبانى يسألك منذ البدء عن آخر فرجة هو ولوع بالقتل والاقتتال ... ليالى مدريد الشتائية دافئة رغم الرياح العانية ... تذكرت الفا .. وهى تخرج لملاقاة الريح تستنشق الصفاء فى هيام وتقول : أموت متنفسة عذوبة الهواء البحرى ... أما نسرين ... نسرين الرأفة نسرين اللبنانية المنشأ فهى تعوم فى بحر الثلج قائلة :
انى اذ أتعمق انعتق ... أنا أيضا لحظتها كنت أمارس الانعتاق من ذات شبه ميتة ... وتنتهى الاسطورة ، ويموت فجأة فرس عربى ، جواد أصيل على حافة السنديان ...
يواصل أنور : مارست مهنة المتاعب . صحفى متطلع . العقل منى متوثب الى المعرفة ... غايتى الموت علما ومعرفة .. لا أعرف النكوص على الاعقاب ... لا استجمع قوتى وذاكرتى الا اذا ارتبط الامر باكتناه الدواخل الدفينة ... قال لنا الاستاذ الاول : العلم نور قلت : العلم فناء لا بد منه ... وأرد أن استوعب الزمن القاتل . خرجت هاجرت ... لم أكن متفوقا ابان الدراس الاولى ... لكنى فى الاخير علمت انى الرجل الذى يحق له ولوج كل الدواخل ... التقنية ... الحضارة الغربية فى أدق مظاهرها الاكتشاف العملاقة فى مبدا من الذرة والرياضيات ... اكتنهت كل شئ وحاولت. التوفيق ... ومبدئى كان اللا استقرار ... واثناء الرحلة زرت الاصقاع . وأينما يوجد الثلج كنت اليه أطير ... أشعر انى اليه مدعو . أتعمق الاعالى .. ولا أبالى .. فى جبال الآلب تغيبت ما يقارب السنة . أراسل الصحف فى كل مكان ... تطوعت للترجمة وكتابة الاساطير لخفيفى العقل . كتبت الكثير... منها ما مثل وقدم عبر الشاشة الكبيرة .. قال البعض : هذا الافريقي أفاك.. هذا الآتى من الجنوب يجنح بنا عبر متاهات ادغال سمراء .. وقال الخصوم : رجل مدع ، لا مبادئ له يتاجر بمعارفه الارسطقراطية ... ولا يعترف
بهزيمة ... احببت عندئذ : الفؤاد يموت اذا افتقد الدم القانى ... ومستعد لان استقبل الموت بحقد دفين ... قال لك روبار يوما : ألم تنم على الحشائش البرية المترعة بوابل الامطار .!؟ وجلست القرفصاء امام كوخ متدع ... " اجبته متنمرا : " هناك ولدت ، ومنه انطلقت وأنا الآن اكتم اسراركم ... وأعرف خفاياكم ... " وأضفت بصوت كأنه رجع الصدى صغيرا على العويل ، علمت عندئذ انى مدعو لمقارعة الزمن - الموات - تمشقت الكلمة احتسييتها حد الانتشاء " .
أبى كان يحمل الاوزار . خاضع لسطوة الآثمين . فلاح جنوبى يعيش قحط الايام الصعبة ، وينظر مع ذلك الى الآتى بلحن جذل ... يقول أبى عند الحصاد : البذرة هى سر الكون ... تنفق فى الارض وتعتصم بدفئها ، وتلتقفها التربة وتناغيها ثم تمطرها السحائب المبيضة فتيننع وتصاعد من الهواء باحثة عن الشمس .. انها مواسم الخير تأتى عنوة ...
وأنا ... لما جئت ... كان القحط . اعدنى البعض واعدا ... وقال آخرون : بائس هو ... اما العم عبد العاطى الحاج فقال وقد رآنى لا استقر : صلف هذا الفتى ... وقال صالح البردعى البياع وامام القرية عندما يغيب الحاج سليمان : بين الشر وهذا الولد قيد أنملة ...
أما أمى فكانت تمسد على الشعر المجعد ... وترنو الى صفاء ايام قادمة ... تختزن أمى الآلام . لا تبوح . للضيم حلاوة لا يتذوقها الا العارف بالحياة . الخنوع ضرب من الممارسة الحية لمعانى العيش أمى تحتضننى .. وتربت على الكتف بحنو طاغ وتمسح على الشعر المجعد تمسد الجبين ...
ايزابيلا ايضا كانت تمسد على الشعر وتمسح الجبين ... لداتى يلاعبوننى خشية ، وكنت لا أبالى تنتفى امام الصعاب وأجد لذة اجتياز الممنوعات . ولما تحولت الى العاصمة اشفقت على النفس المترعة . الجامعة كانت غانية عجوزا ،
عارية الجسد ... ودروس الفلسفة والفنون وشتى المعارف كانت تلاحين جافية ... وعلمت أن العلماء في هذه الاصقاع طبول فارغة وهؤلاء يتبححون بلا موارد ... نجمت فجأة اتضحت أمامى سبل وتتلألأ نور وهاج . الكون رونق جذاب عند انتفاء البحث والسعى الى الاجل ... وأنت الحامل للوزر الكسر مصيب مصاب عليك بالسبح عاريا ... فكن الجاهل الساعى الى العلم ، ولتجاف الكسل المقيت ... كنت لا أنام الليل ... وما مرت على ساعات الظلمة دون أن اكون واعيا لهذا العالم ... يقول حكيم الهند الاول : كلما تعلم الانسان اكتشف جهله الطاغى ... صاح بى الهاتف : لا تلتفت الى الوراء . القحط أمر واقع .. لم أنه العقد الثانى عندما تهت . الوجهة أوربا . البدء مارساي . سعيت الى هدفى مباشرة ... وكنت أهوى الطلاسم . فرنسا عروس دنيا هذا القرن ... وباريس مدينة المدن ... كرعت من افيائها ... فكانت المعين ... أتذكر باخرة الرحلة ، عظيمة تمخر العباب ببطء ... تشق البحر فى خيلاء والنوارس البيضاء تلاعب الهواء ... تقف على حافة الاشرعة ... امضيت الرحلة رغم البرودة وصخب الامواج ودوار البحر على السطح ...
قال ربان وهو يشاهدنى أتقيا : من أين جئت أيها المعقد .. !؟ كنت صبيا يافعا . كظمت غيظى . تقدمت منى امرأة مسنة أحاطتني بذراعين لدنتين ... غمرتنى رائحة ذكية ... دعتنى إلى الجلوس فى غرفتها ... لكنى احجمت ... أتذكر اليوم الاول ومغيب الشمس ... ومع قدوم الليل هدأ البحر ... غير أن الباخرة واصلت حركيتها القاتلة ... قال ربان : هذا الهدوء منذر . البحر في الشتاء رهيب ... ولما بدأت لنا جبال الآلب صحت فرحا ... جذلا : إلى يا أعالى البياض ... اليك أسعى هاربا من الأيام الكاسحة ..ولم يعلم أحد من بلدتي الجنوبية انى وجدت ملاذا ملاكى السمة ...
وفى فرنسا اكتشفت حقيقة العلم ... العلم شر لا بد منه . والعلم خير لا بد منه . وطالبه ينزلق بين قطبين هما اساسا الوجود . وآمنت ان العلم داء . أردت التمرس به .. فكانت مصيبتى الاولى ...

