الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الليل . . . يا عائشة

Share

. . . كان قد قرر الخروج منذ مدة ، ، ربما انتظر اللحظة الحاسمة لينفذ القرار ، ، وزوحته ذات الضفائر الطويلة تدقق النظر فيه طويلا ، كلما رفع يديه بعد الصلاة للدعاء ، ، كانت تقرأ دعاءه ، ، ولم تكن تراه فى وضح النهار ،، فقد كان يخرج قبل طلوع الشمس ويعود بعد غروبها بكثير ، ، كانت دائم حريصة على أن لا ينسى " الحجاب " ، ، ففيه البركة ، ، كما أوصاها شيا القرية : - " فقد لا يعود اليك إذا نسيت ، ، ، " ، ،

- أبى قلق هذه الايام يا أمي ،، كان ابنه الأكبر ذو التسع سنوات قد أحس بقلق والده الذى لم يعد يقص عليه حكايات " جحا " و " النصيص "  بعد العشاء ،،

- لا يا ولدى ، ، لا ،، إنه متعب من العمل ،، - ألا يوجد فى قلبه رحمة هذا " المسيو بيرت "  ،، لماذا يشتغله كثيرا ، ؟ ،، - الطاعة واجبة يا ولدى ، ، ويتمتم الطفل فى غضب مرير ، ، :

- الطاعة ، ، الطاعة ، ، يطيع هؤلاء ال ، ، ، وتقاطعه عائشة بصوت حاد :

- أسكت ، ، أسكت يا ولدى ، ، فربما سمعك أحد ، ، وفجأة يفتح الباب على مصراعيه  ،، يقف الطفل واجما يكاد يخطفه الفزع ،، وينظر الى والده الذى إتكا على دفة الباب  ،، وينظر اليه والده طويلا ، ، ثم يهز رأسه ، ، ،

- قلها يا ولدى ، ، قلها ، ، ، وتدمع عيناه ، ، يجرى الطفل نحوه ، ، يحتضنه وهو يقول :

- سأقولها ، ، ساقولها يا أبى ، ، ساقولها فى وجوههم ،، تتعثر عائشة فى ثوبها الطويل ، ، وهي تحاول مساعدة زوجها " سى عباس " على القيام ، ،

- عدت يا عباس ، ، ما بك ، ، ما هذه الجروح على وجهك ؟ ، ، ، - لا شئ ، ، لا شئ ، ، يدخل غرفته ، ، يطلق أنينا وهو يحاول الجلوس على الفراش ، ، ثم يقلع ثيابه ، ،

- احضرى لى ماء ساخنا ، ، يا عائشة ، ،  تسرع دون إعادة السؤال ، ، فقد أحست أن الالم يمزق ضلوعه ، ، وبكاء الاطفال من كل زوايا المنزل يقطع كبدها اربا ، ، اربا ، ،

يدير " سى عباس "  ظهره .، بقايا السوط بادية زرقاء على جسده والدماء نسيل من كل بقعة من جسمه ، ،

- وحوش ، ، وحوش ، ،    تختلط الالفاظ بالعبرات ، ، والآلام بالتحدي ، ، وهى تضع قطعة القماش المبتلة بماء ساخن على ظهر زوجها ، ، على رأسه ، ، على ركبتيه ، ، وتمسح وجهه باليد الاخرى تارة ، ،

- هذه أيامنا ، ، وهذه ليالينا يا عائشة ، ، لقد كنت أخفى عنك  ،، ولكن الامم بلغ بي اليوم ما لم أطق إخفاءه ، ، سامحينى يا عائشة  ،، سامحيني ، ،

- على أى شئ يا عباس ، ، على أى شئ ، ، ؟ ، ،   ولكن " عباس " يخفى ما أراد أن يقول ، ، ويواصل أنيثه وعائشة " تكمد " جروحه ، ، وتضمدها بدواء محلى ، ،

- لا عليك ، ، " فالخاوة " يثأرون منهم كل يوم ، ، فى كل مكان ، ، ويقاطعها " سى عباس " فى حدة ممزوجة بألم دفين ،،

- ولكن لماذا لا أكون أنا من " الخاوة " ، لماذا لا أكون رجلا يدافع عن حرمة وطنه ، وشرف دينه ، وآلام هذا الشعب المعذب تحت السياط ،،  لماذا يا عائشة ،، لماذا ؟ ،،

- وزوحتك " يا عباس " وأبناؤك  ،، وأهلك الذين تعولهم ،، و ،،

- " كفى ، ، كفى أرجوك ،،" ويطأطئ رأسه طويلا ، ،

لأول مرة ترى عائشة زوجها يبكى كأنه صبي صغير ، ، كان ألم ظهره ، ، وكان ألم أبناء القرية ، ، وكان ألم هذا الشعب الثائر يزيده إيمانا وقوة على التحمل ، ، فيمتص دموعه ، ، ويدفن أحزانه وآلامه بين طيات الليل ، ،

كان الليل قر أرخي سدوله ، ، وتلألأت الكواكب والنجوم ، ، وسبح " سى عباس " بين ثنايا دخان الغليون المحلى ، ، وبات يعد النجوم ، ، ويعد الليالى التى مرت عليه وهو على تلك الحال لا يقوى على الحراك ،،

ويلوح الفجر من بعيد ، ، أشعة بيضاء تبزغ من هناك ، ، تدنو رويدا رويدا ، ، يصيح الديك ، ، ينظر " سى عباس " الى زوجته وقد أضناها التعب وهي حامل فى شهرها السابع ، ، يقوم على أطراف أصابع رجليه ، ، الاطفال الستة متناثرون عبر ساحة المنزل ، ، يتفقد الجميع ويطيل النظر فى كل واحد ، ، وكأنه يلقي عليهم نظرة الوداع ، ، وأخيرا يقف عند رأس " خالد " ويتمتم بصوت غير مسموع :

-لا تنس أن تقولها يا ولدى ، ، قلها ، ، وفي وجوههم ، ، كان الطفل قد خطفه النوم بعد آخر قصة يسمعها من أبيه قبل أن ينام ،، نظر "سى عباس " الى اطراف المنزل ،، أطال النظر فى كل شئ ، ، ثم ،، إنصرف ، ، وفجأة استيقظت عائشة ، ، فقد أحست بغلق الباب ،، ولم تجد زوجها فى مكانه ، ، ظننت أنه قد قرر الخروج للعمل بعد هذه الراحة الطويلة ، ، فاطمأنت قليلا وتمتمت :

- حسنا فعل، ، فذخيرة السميد والدقيق قد نفدت ، وحسابنا عند " سى قويدر " قد ارتفع ، ، وهو لم يعد يطيق هذا الدين كله ،،

وقبل أن تضع رأسها على الوسادة لتنام ثانية ، ، وجدت ورقة كتبت بمداد أسود يكاد خطها لا يقرأ ،، فانتفضت من مكانها ، ، وهرولت نحو ابنها " خالد " الذي كان قد تعلم القراءة خفية عند الشيخ " سى مسعود " ،،

- خالد ،، خالد ، ، قم ، ، قم يا ولدى ،، وقام الابن مذعورا ، ، يفرك عينيه فى ظلمة الليل ،،

- قم يا خالد ،، قم ، ، هاك قليلا من الماء ، هيا افتح عينيك ، ، - ماذا يا أمي ، ، لماذا أيقظتني والصباح لم يزل بعيدا ، ، ؟ - إقرأ ، ، إقرأ هذه الورقة ، وقرأ " خالد " بصوت متقطع وهو يهجئ حروفا كتبها والده قبل ان يودع ، ، ،

- " الليل طال يا عائشة ، ، وقد جعلني أترككم والتحق بالجبل مع إخوانى الثوار ، ، لانى أريد أن أعطى نصيبى لهذا الوطن ، ، أوصيك بنفسك وبالاولاد خيرا ، ، لكم الله ، ، ولى الله ،،" عباس . وصرخ الطفل كأنه اكتشف سرا ، ،

- هكذا يا أبى ، ، هكذا هم الابطال ،، ولكن عائشة وضعت يديها على فمه ، ، وهدأته ،،

- لا يا أمى ، ، لست غاضبا  ،، انى أعلم أن أبى كان قلقا لانه كان يريد الالتحاق " بالخاوة " إنه بطل ، ، بطل يا أمي . . ولكن عائشة وضعت يديها على فمه ثانية :

- أسكت ،، أسكت يا ولدى ، ، فربما سمعك أحد ، ، - لك الله ، ، ولنا الله يا أبى ، ، عندما يحل الصباح أذهب اليهم وأقولها لهم ، ، أقولها فى وجوههم ، وإنجلى الليل ، ، وقامت عائشة فى الصباح ترتب أثاث المنزل ، ، ووجدت " الحجاب " تحت وسادة زوجها ، ، فأيقنت أنه لن يعود ، ، فرددت " ودمع العين يسبقها " ، ، ،

- لك الله ، ، ولنا الله يا عباس .

- الجزائر -

اشترك في نشرتنا البريدية