الزمان : حوالى خمسمائة سنة قبل المسيح . المكان : جبل ((أولمب)) العظيم ومن تحته السفوح الخضر .. والارض الاغريقية الخصبة ومدنها الزاهرة . المشهد : رجل نحيف ، أصلع ، تنفخ الريح فى ردائه الفضفاض .. ويتناثر الحصى من تحت نعليه وهو يتسلق الجبل والى جانبه فتى فيه منه شبه . هذا أقريطون وابنه يتحاوران . تعالوا نسمع ...
الابن : شكرا لك ياولدى . هذه الرحلة معك ومع رفاقك ممتعة بحق . فأنا لم أحس بالتعب منذ خروجنا من أثينا . اقريطون : يسعدنى أن أسمع هذا منك . استمتع اذن بهذا الجو المنعش . فليس انقى من هواء المرتفعات .
الابن : متى نبلغ قمة (( أولمب )) يا أبى ؟ اقريطون : لن نبلغ القمة . وحسبنا ان نصل الى نصف الجبل . الابن : ولماذا نصف الجبل ؟
اقريطون : لاننا من هنا سنسمع جزءا من الخصومة التى سألتنى عنها صباح اليوم . الابن : خصومة الآلهة مع صاحبك سقراط ؟
اقريطون : قلت لك انه ليس صاحبى . هو معلمى ومرشدى وأنا فخور بصحبته . فلعلك لاحظت من خلال رحلتنا هذه انى من أحب تلاميذه اليه . الابن : فعلا .. ( وبعد صمت وجيز ) ان اسئلة كثيرة تحيرنى يا والدى : من الذى بدا الخصومة سقراط أم الآلهة ؟ ولماذا ..؟ وكيف يتجرا صاحبك .. عفوا .. معلمك على الآلهة - فهل هو قادر عليها ويطمع حقا فى غلبتها .. وكيف ترضى - هى - به خصما ؟ وعندى سؤال آخر ..
اقريطون : ( يقاطعه ) مهلا يا بني مهلا ، سأحاول أن أشرح لك . هؤلاء الذين يتربعون حذو السحاب .. فوق قمة (( أولمب )) ليسوا آلهة بحق . هم تالهوا بمشيئتهم وبغرورهم . وربما ساعدهم بعض البسطاء على التأله . فلم يرضوا بالارض مقاما .. وزعموا ان مكانهم فى السماء .. لانهم أرقى من بقية مخلوقات الله ولذلك فهم فى نظر سقراط .. الطائرون القاعدون .. وهم السلبيون كالتماثيل التى كان أبوه يصنعها من الحجارة .
الابن : وهكذا عرجوا الى السماء .. اقريطون : عرجوا ولم يقدروا .. فاكتفوا من الصعود بالجهد الضائع وبقمة الجبل . اما سقراط فقد كشف عيوبهم بمجرد الدعوة الى الصلاح وهو بصدقه يعريهم ويفضحهم .
الابن : وردت عليه الآلهة .. الصاع صاعين !! اقريطون : الآلهة لا ترد بالقول بل تفعل .. أو هى توهم بانها تفعل .. وردودها ليست موجهة فقط الى سقراط .. بل فيما بينها أيضا ، فهى تتخاصم بلا كلل .
الابن : ( ينظر الى أعلى الجبل فى ذهول ) .. عجبا ! لولا انك والدى ما صدقتك . الآلهة يتخاصمون ؟ اقريطون : يتعاركون .. ويتبادلون كل ما يتبادله صغار الناس من احقاد .. ومكائد .. ومؤامرات . الابن : ولماذا ؟
اقريطون : ليظهر كل واحد منهم للملا الاعلى انه الامثل . الابن : الامثل ؟ اقريطون : نعم .. الامثل والاصلح .. الابن : أمر عجيب . ولكن لماذا جاء سقراط ونحن معه الى (( أولمب )) هل جاء خصيصا ليسخر من الآلهة فى عقر دارها ؟
اقريطون : جئنا الى هنا مثلما زرنا أماكن اخرى فى رحلتنا الطويلة . الابن : وانت .. لماذا صعدت بى الى (( أولمب )) ولماذا توقفنا وسط الجبل ؟ اقريطون : رأيت ان لا ابتعد بك كثيرا عن سقراط حتى تفهم ما يقول . فسقراط يا ولدى يتكلم ورجلاه على الارض . واردت أيضا أن لا اجعلك قريبا من الآلهة .. الا بالقدر الذى يسمح لك بالملاحظة والتأمل والفهم .
الابن : تخاف علي ان رقيت كثيرا .. ان أتأله ؟ اقريطون : لا تكن سخيفا ! ولا تجعلنى اندم على التحاور معك .. تتأله ؟ أنت ؟ وماذا فى جعبتك من العلم والادراك ؟ ألأنك عرفت بعض الأشياء ؟ اكتف الآن بالسماع وحاول ان تفهم . كيف تريد ان يكون لك رأى نافذ .. وانت بصدد المعرفة والفهم ؟ بالمناسبة .. انصحك ان تكتسب الافكار أولا ثم تحللها دون أن تجزم بشئ .. الا بعد اجهاد العقل .. والثقة من القدرة ع التحليل .
الابن : .. اذن الآلهة لا تحب سقراط . اقريطون : الاغلب على الظن انها لا تحبه .. لانه يشهر بها .. وينشر غسيلها .. ويؤلب عليها الناس ( وفجأة ينظر الى أسفل ) انظر هناك .. ناحية الحقول .. ( بين الحقول .. يظهر رجل قصير ، جاحظ العينين .. أفطس الانف .. غليظ الشفتين .. يمشى على مهل .. مطرقا يفكر .. وحوله جمع من تلاميذه ) .
اقريطون : انظر اليه مليا .. وانتبه ايضا لما عسى ان يقال هناك .. فوق (( أولمب )) العظيم . الابن : قل لى يا أبى .. لماذا لا يصعد سقراط الى القمة ليصارع الآلهة . ولماذا يكتفى بالدعوة الى مبادئه فى الارض ؟
اقريطون : أولا .. لانه يعرف ان قمة الجبل ليس مكانها الطبيعى .. ومن باب أولى السماء التى يطمحون اليها . ثم هو لا يحارب الآلهة بالذات . فى البداية لم يكن له بها شأن . انما يدعو الى أفكار تشرفه ولا تعجبها .. ومن هنا بدأ الصراع .. انظر .. واسمع .. ( سقراط يجلس عند شجرة رمان .. ويتأمل زهرها الاحمر يتدلى كفوانيس المضيئة .. أو كالآذان الصاغية .. ويجلس حوله مريدوه صامتين .. ) .
الابن : لماذا لا يتكلم سقراط .. ولم ينظر الى فوق ؟ اقريطون : لعله يتلقى الاشارة المقدسة . الابن : وهل يوحى الى سقراط يا أبي ؟ أهو نبي ؟ اقريطون : لا أدرى ان كان نبيا.. ولكنه يقول : إنه يتلقى الاشارة الالهية المقدسة .. وان هذه الاشارة تأمره ان يتعاون مع الآخرين على معرفة الحق .. والعمل به .. والآن انظر .. ( يحول الأب والابن نظرهما الى اسفل حيث سقراط وتلاميذه ) .
افلاطون : هل سمعت ما يقوله خصومك عنك ؟ سقراط : نعم سمعت . يقولون : إنى أتكم كثيرا .. وأفكر أكثر مما يلزم .. وانى أحلم .. وألهث وراء الامثل . كسينوفون : انت علمتنا ان نبحث ونفكر .. وحرضتنا على زلزلة كل متفق عليه .. وكل ما هو معلوم بـ : كيف ؟ ولماذا ؟ اقريطون : يغمز ابنه كى يحول اهتمامه الى قمة (( أولمب )) (فيرفع رأسه). أبو للون : أنا إلاه النور والفنون والجمال .. فاسمعوا وعوا .
افروديت : خير لك ان تكتفى بالنور والفنون وتقول ذلك لمن يريد أن يسمعك .. فأنا إلهة الجمال .. والجميع يعرفون ذلك . ليروس : عدتما اذن الى الخصام !! لا كنت إله الحب ان لم أنجح فى تحقيق الوئام بينكما ..
ارطميس : (إله الصيد ) انظرا .. هذا سقراط .. يبشر كعادته بالفضيلة ويدعو الى الخير والجمال .. ويحلل الشر .. وينادى بالبذل والمثابرة . هرمس :(إله التجارة ) مسكين .. يضيع وقته .. هو يدعو الناس الى معرفة الحقيقة داخل انفسهم قبل اى شئ آخر .. هل هناك واحد لا يعرف نفسه ؟
اقريطون : ( يشير على ابنه بتحويل وجهته نحو الارض ) . افلاطون : (يواصل حديثه مع سقراط ) .. هم يؤمنون بالآلهة .. وانت لا تؤمن ..
سقراط : أنا لا اؤمن بالآلهة المصنوعة من الوهم والكراهية والحقد وحب الذات .. انى احتفظ بايمانى بالاله الطيب العظيم .. كسينوفون : والدى أوصانى بأن الازمك واسمعك .. لكنه قال لى : إن ما تدعونا اليه ليس جديدا فالانبياء دعوا ايضا الى القيم .. الى الحق والجمال والتسامح .. وقال لى : إنها قيم خالدة وسيدعو اليها بعد خمسمائة سنة من الآن نبي من أرض فلسطين .. وكذلك بعد ستمائة سنة أخرى نبي آخر من بلاد العرب .
سقراط : هذا صحيح ، وأبوك رجل حكيم . فالقيم المثلى يحبها كل الطيبين والحكماء .. لانها تتفق والفطرة السليمة .. وهى فعلا قديمة كالازل . غير ان الجديد فى كل عصر هو ازدراء البعض بهذه المثل وتكالبهم على المادة ، والصراع .. بالغدر والبهتان . ( تسمع جلبة حذو السحاب فيرفع اقريطون وابنه رأسيهما ) .
أبو للون : .. لا .. ان سقراط الحد .. ويجب ان نفعل شيئا لنوقفه !! ونخرس لسانه . اسكليبيوس : (إله الطب) : نتعاون عليه . (يفكر ..) ولكن كيف .. ونحن لا نحب بعضنا البعض ولاهون فى تصفية حساباتنا ؟
أبو للون : نقضى على سقراط ثم نعود الى صراعنا .. هذا هو الحل .. هرمس : نعم هذا هو الحل .. ولابعاد الشبهات عنا .. نوغر عليه صدور سكان أثينا حتى يتهموه باهانة الآلهة واثارة الشغب .. فلعلهم يشنقونه .. أو يرغمونه على قدح من السم .
اسكليبيوس : بوصفى إله الطب ، يمكن لى ان أعد مشروعا .. بعد ما اختار السم الملائم . المهم ان لا نتورط . ارطميس : لا عليك سنجعله عملا شعبيا نابعا من الغضب بحيث لا يتطرق الينا اى ريب .
اقريطون : ( يلتفت فجأة الى ابنه ) : مالك يا بني .. ان جبينك يتفصد عرقا .. الابن : لنعد الى رفاقنا يا أبى .. انى لم أعد احتمل . إن ما يحدث هناك سخيف .. بل فظيع ولا أريد أن أشغل بالى كثيرا بهذه الامور الآن على الاقل . لقد صدمت .. وخير لى أن أنسى كل هذا .
اقريطون : حسنا تفعل يا ولدى .. حسنا تفعل .. هيا بنا . ( يأخذان فى النزول ) .
