الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الماء والحياة الدينية

Share

ان دراسة تاريخ الاديان لمفيدة للغاية لانها تعلمنا ان الاديان تتغير وتتطور مع بقاء بعض الخاصيات القارة اهمها الدور الذى يقوم به الماء فى المعتقدات والعبادات القديمة والحديثة .

لقد عبد البشر الماء وألهوه منذ عصر ما قبل التاريخ وذلك ان الماء قوة من قوى الطبيعة ونتيجة ذلك عبادة الانهار والينابيع والبحيرات والابار والبحار واهم دليل لذلك تعدد المعابد واشباه المعابد بالاماكن التى ينبع منها الماء - واذا لم يعبد البشر الماء فانهم يستعملونه فى عباداتهم وصلواتهم وذلك ان عادة الوضوء والاغتسال بالماء ليست خاصة بالاسلام بل توجد فى كثير من الاديان القديمة والحديثة

كذلك ترك عبادة الماء والبحار والعيون والابار والبحيرات لم يمنع العوام من سكان الارياف من تعظيمها وتقديسها وزيارتها ابتغاء للرحمة او الشفاء او لنقض الاسحار كما ان انتشار الاديان الوحدانية لم يزل عبادة الآلهة العتيقة اذ نستطيع ان نقول ان الآلهة الاروبية القديمة تنصرت واصبحت قديسين وقديسات وان الآلهة البربرية العتيقة اسلمت واصبحت تعظم وتكاد تعبد فى زى الاولياء الصالحين . واذا تجولنا بالبلاد التونسية فاننا نلاحظ ان البئر تقوم بدور كبير فى الحياة الدينية مهما كان الدين . فاذا وجدنا مسجدا فاننا نرى بجانبه ميضة واذا وجدنا كنيسة فاننا نرى فيها اناء للماء المقدس (Eau benite) او حوضا للتعميد (Baptistere) واذا وجدنا معبدا يـهوديا فاننا نرى فيه ما يشبه حوض التعميد النصراني واذا وجدنا ضريحا لولى صالح فكثيرا ما نرى في مدخله حوضا صغيرا او قلة فيها ماء مبارك يشربه الزائرون .

ما هي اسباب عبادة الماء وما يمس بالماء وما هى اسباب تقديسه واحترامه واستعماله فى العبادات الى ايامنا هذه ؟

لذلك اسباب متعددة :

١) الماء هو الشرط الرئيسي لوجود الحياة البشرية والحيوانية والنباتية ومنذ

عصر ما قبل التاريخ لاحظ البشر ان زوال الماء عن مكان نتيجته موت كل حى من نبات وحيوان وانسان وكل ما يمس بالحياة والموت له علاقة بالدين والعبادة - فلا ننس قوله تعالى : " وخلقنا من الماء كل شئ حي "

٢) الماء عامل من اهم عوامل النظافة البدنية وكثيرا ما كان يقع التباس فى ذهن القدماء بين النظافة البدنية والطهارة الروحانية وبين الاقذار والذنوب وكل ما يتعلق بالحسنات والسيئات له علاقة بالدين والعبادة

٣) الماء العذب النقي جميل بالاخص اذا انعكست فيه صور الاشجار والحيوانات والنساء الحسان وكل ما هو جميل وذلك جعل جميع الشعوب تتخيل الجنة رطبة كثيرة المياه وجهنم جافة حارة وكثيرا ما يصور الرسامون إلهة الجمال افروديت ( Aphrodite ) أو فينوس (Venus) عارية وبجانبها ماء تنعكس فيه صورتها .

٤) الماء عامل من عوامل الشفاء خاصة اذا كانت فيه معادن نافعة او اذا كان حارا ولهذا فان القدماء كانوا يعظمون المياه المعدنية الحارة تعظيما خاصا وكثيرا ما يعثر المفتشون الاثريون على معابد بالقرب من العيون الحارة وذلك لان كل ما يمس بالشفاء يمس بالحياة والموت اى بالدين .

وعبادة الماء وتعظيمه امر عادى خاصة فى الاديان الوثنية القديمة والحديثة . فعند العراقيين القدماء نلاحظ ان فى مقدمة الآلهة اله المياه ويسمى " أي " Ea او انكى Enki وباللغة السومرية " اي " معناه بيت الماء اى عالم المياه . ولاله

الماء معبد " بأريدو" Eridu بالعراق الجنوبية و " أريدو " هى اليوم بلدة تسمى " ابو شهرين " وكان العراقيون القدماء يعتقدون ان الكون يسبح فوق الماء وذلك انـهم يتخيلون وجود عالم للمياه يسمى" الابزو" Apsu تأتى منه الانهار وترجع اليه .

واله المياه " أي " او " انكي " كانت له رموز اهمها السمك وكان كهنته يلبسون لباسا يشبه السمكة . و " أي " او " انكي " لم يكن اله المياه فحسب بل كان يعتبر اله الفنون والصناعة والجمعيات الحرفية (Corporation ) ويعتبر " أي " او " انكي " كخالق الجنس البشرى اذ تقول النصوص الكلدانية العتيقة انه لما اراد الاله مردوك (Mardok ) خلق الانسان الاول المسمى فى اساطيرهم " للو" استنجد بأبيه " أي " وكلمة " آيار " التى تطلق على شهر من اشهر السنة مشتقة من " أي " ويعتبر " أي " إله الحكمة والذكاء اذ يقول " حمورابى" الشهير انه انتصر على اعدائه بفضل الحكمة التى انعم عليه بها إله المياه " اي " او " انكي "

و"أي" هو الاله الناقض للاسحار المضرة - فهو سحار ولكن سحره نافع يشفي المريض - وكانت بمعابد " أي " احواض مياهها مباركة نافعة في جميع الميادين .

وفي اسطورة الطوفان البابلية يبدو " أي " كحامى الجنس البشري فهو الذي نصح نوح البابليين بان يلتجئ بمركب مع ممثلين من كل جنس حي .

وكان العراقيون القدماء يعبدون النهرين الكبيرين دجلة والفرات كنطفتين من " أي " . وكان الاله " نهر " منبع الخصب والعدالة فهو الذى ينعم على المحسن ويعاقب المذنب ونجد فى مجلة قانون حمورابي فصلا يرغم المتهمين ببعض الجرائم الخطيرة كالسحر المضر او الزنا بالغوص فى مياه النهر ( دجلة او الفرات ) فاذا نجوا يعتبرون برآء واذا غرقوا فهم مذنبون .

وكان العراقيون القدماء يعبدون إلها آخر يعتبر نطفة من " اي " او " انكي " وهو انه القنوات " ننشى " وكانت له معابد كثيرة بمدينة لاقاش Lagash العتيقة .

واما فى مصر الفرعونية فان النيل كان الها من اهم الآلهة وهو مظهر من مظاهر الاله " أزيريس " وكل من تجول بمصر يلاحظ ان هذا النهر العظيم فيه نوع من الجاذبية وهي التى صيرت اكثرية المعابد المصرية لا تبعد عنه اكثر من بعض الاميال . فكانت تقدم له الهدايا والقرابين الحيوانية والبشرية وما زالت الحفلات تقام له الى ايامنا هذه والفلاح المصرى مازال يعظمه تعظيما يقرب من العبادة المحضة .

واما اليونان القدماء فكانوا يعبدون المياه فى جميع مظاهرها . فلكل نهر اله واشهر الانهار المؤلهة : نهر أشيلووس Achiloos وهو اهم انهار بلاد الاغريق

اما اله البحر فهو بوسيدون Poseidon وزوجته هى امفيتريت  Amphitrite وهناك شبه آلهة تظهر فى الرسوم والتماثيل فى شكل نساء جميلات عاريات يمثل بعضها مياه البحر الهادئة وتسمى نيرييد  Nereides وتمثل الاخرى مياه الينابيع والبحيرات وتسمى ناياد Naiades .

فاما الرومان القدماء فانهم كانوا يعظمون الماء كاليونان ويعبدون اله المياه العذبة المسمى نبتونوس Neptunus  ثم انهم تأثروا باليونان واعتبروا نبتونوس اله البحر وكانوا يعبدون الها خاصا بالينابيع ويسمى " فونس "Fons " وبنوا له معبدا بالقرب من باب من ابواب رومة . وكانت تقام له حفلة سنوية يوم ١٣ اكتوبر تسمى فونتيناليا (Fontinalia)

واما بالشمال الافريقي العتيق فان عبادة المياه كانت ذات اهمية كبرى وهذا امر معقول فى بلاد جافة شعر سكانها بحيوية الماء من قديم الزمان هكذا اكتشف الاثريون بالقرب من تـمقاد Timgad تمثالا للإله اسكلاب Esculape بجانب معبد شيد بمقربة من حوض للسباحة اقيم بجانب عين امتازت مياهها بقوتها الشفائية واسكلاب عند قدماء اليونان والرومان والافارقة اله الشفاء واعتبر إله الحمامات والمياه الحارة الطبيعية كذلك عثر بحمام الجديدى بالبلاد التونسية على تمثالين صغيرين للإله اسكلاب المذكور ولزوجته "هيجاى" (Hygea ).

وعثر بالقرب من عين زغوان وعين تبرنق بغربى البلاد التونسية

((Thuburnica على معبدين مخصصين لآلهة المياه اي ( Naides) ويسمى هذا النوع من المعابد نانفاي ( Nymphie ) واذا تجولنا اليوم بالارياف الهندية نلاحظ ان المكان المقدس في كل منزل هو البئر .

فلا ننس الدور الذى يقوم به نهر الغنج (Gange) عند الهنود اذ مازالوا يعتقدون ان كل من غاص فيه غفر له من كل ذنوبه .

ونجد الى يومنا هذا طائفة دينية تعيش بالعراق الجنوبية وهم الصابئة (Sabeens) او المندية (Mandees ) ويطلق عليهم العراقيون اسم المغتسلة وسبب ذلك انهم لا يعيشون الا بالقرب من نهر الفرات حيث يغتسلون كل يوم لتغفر لهم ذنوبهم .

اما بالكمبودج (Cambodge ) فمفروض على المتدينين ان يحفروا بحيرة صناعية بجانب كل معبد وتسمى "الترثة" ( Tirtha)

واذا طالعنا الخرافات والاساطير الريفية الاروبية فاننا نلاحظ ان المستنقعات ذات المياه القذرة المضرة هي مقر الجنيات المفسدة والاشباح والشياطين وبصفة عام كل رموز الشر والفساد وكأن الرومان واليونان يعتقدون ان من خصائص جهنم نهران مياههما راكدة قذرة هما نهرا الستيكس Le styx والاشرون L Acheron .

اشترك في نشرتنا البريدية