الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المائدة الانيقية، او، الحب عند "مى"،

Share

لم يكد يرفع قدح الشاى الى فمه حتى رده الى المائدة متعجلا حذرا فقد احس برعدة خفيفة تصعد في جسمه وتنتشر وتوشك ان تبلغ ذراعه فتضطرب يده بهذا القدح الممتلىء الذى كانت ترفعه ويحدث هذا الاضطراب وان خف حدثا على هذه المائدة الانيقة التي لا ينبغي ان يفسد جمالها قدح يميل الى يمين او الى شمال ويتخفف من بعض ما يحتويه .

ترى في منزل من هاته المائدة الانيقة التي يصورها لنا طه حسين في كتابه " احاديث " وفي حديثه يائس ، انها لجميلة وانيقة حقا .

ومن هو صاحب هاته اليد التي تحمل قدحا طافحا ولكنها لا تلبث ان ترده الى المائدة مخافة ان يتخفف من بعض ما يحتويه فيفسد من المائدة رونقها وجمالها .

ان الكاتب لم يذكر فى حديثه لمن هاته المائدة الانيقة الجميلة ولا في يد من هذا القدح الممتلىء ولكنه يستطرد فى حديثه فيقول ما تلخيصه .

" ولم يكن لصاحبنا متسع من الوقت ليتسائل عن مصدر رعدته ، وربة الدار قد اقبلت اليه مبسوطة الاسارير ، وقالت له همسا وثغرها يتسع عن ابتسامة غامضة ، وفى نبرة لا تخلو من غضب - هل تعلم يا سيدى ان صمتك الليلة يسونى ؟ قال: وهل سرك قط منطقي يا سيدتي ؟ قالت وقد اتسعت ابتسامتها : هذا حساب سنستوفيه اذا خلت لنا الجنة بعد حين . قال وهو يدافع غيظا يريد ان ينفجر : تريدين ان تقولى اذا خلا لنا الجحيم بعد حين ، - هناك انصرفت عنه فى رقة ورشاقة بعد ان حدجته بنظرة هزت قلبه وحيرت عقله ،

وبعد لحظات من الوجوم اخذ يأكل القليل ويشرب الكثير مما امامه ثم دخل الحديقة محيبيا فرحا ، مرحا ، وقد تحول خموده الى نشاط قال بعض الزائرين انه يوشك ان يخلو من الوقار .

اما هى فقد مضت توزع بين الزائرين سحر اللفظ واللحظ : تقف عند هذا وتبسم لذاك وتشرف مع هذا على حركة الخدم من موزعي الطعام والشراب ، والكل يرمقها فى اعجاب واكبار .

ولما انصرف من الزائرين اكثرهم ولم يتخلف منهم الا المقربون كان صاحبنا قد تخلف لانه من اخص الخاصة واقرب المقربين ، تخلف لا لهذا فقط ، بل ايضا لان له حسابا مع صاحبة الدار .

كانت الحديقة فى تلك الليلة جنة وجحيما فى آن واحد : جنة بأشجارها الباسقة وبازهارها الباسمة وبخضرتها الرائعة ، وبضوء القمر الرقيق الذى يطرح على كل شىء اردية دقاقا ، وكانت جحيما لهذا الذى فتن بصاحبة الدار اى افتتان ، فكان النعيم اقرب الاشياء اليه ولكن حبه كان جدبا لاحظ له من خصب ، وكان لقاؤهما شكاة متصلة تصدر عنه ورثاء متصلا يصدر عنها ، ولكنه لم يتجاوز هذا الحد كأنما هو غاية الحب .

ولكن هناك شيئا كان يخفف من عذابه ويضفى على روحه شيئا من الطمأنينة وهو يعلم انه مشوق شوقا اليه ، ولم يكن بينه وبين صاحبة الدار من فروق تحول دون ان يستحيل هذا الحب الى زواج سعيد ، ولكنه لم يكن يشير الى الزواج او يذكره حتى تتبدل الاجواء فتعصف العواصف ويدلهم الجو .

وفي يوم لم تجد بدا من ان تقول له وقد املها بشكاته ، وأبرمها بإلحاحه اتهمها بالتحكم فيه وبانها خدعته عن نفسه واظهرت له من الوان الحب ما اطمعه واغراه ، ولكنه كلما اراد ان يقطف ثمرة او ان بشم زهرة وجد سدا منيعا ، فإذا حاول ثارت ثورة عظيمة

قالت له اذ ذاك

" انك لتعلم انى لاضمر من حبك اقل مما تضمر من حبى وانى لا اجد الى السلو عنك سبيلا كما انك لا تجد الى السلو عني سبيلا ولكن بينك وبيني فرقا عظيما وامدا بعيدا فى فهم الحب وتقديره . فحبى

نقي ممعن في النقاء صاف ممعن فى الصفاء يجد غايته في نفسه ولا يريد بعد هذه الغاية شيئا ، فانا احبك وحسبي اني احبك وقد لا يوئسني ان اعرف ان في حبك لى ضعفا وفتورا وانك لا تستطيع ان تلهو عني بما شئت من اسباب اللهو . اما انت فإن حبك لا يقنع بنفسه وانما يتجاوزها الى اشياء لعل الاتصال بينها وبين الحب النقى البرئ ليس من القوة بمقدار ما تظن واني لامنحك خير ما عندى واصفيك مودتى واشغل

بك عقلي وقلبي وضميرى وارى ان هذه المنزلة هى ارفع منازل الحب وارقاها وادناها من الكمال . ولعلك لا تقنع مني بذلك بقدر ما تقنع بما هو اقل منه خطرا واهون شأنا واسرع منه الى الزوال والانحلال اصفيك حبا من شأنه البقاء والاتصال الذى يشبه الخلود ، وتسألني حبا هينا رخيصا ينعم الإنسان به ساعة قصيرة ثم يشقى به ساعات طوالا

واني لاكبر ما بيننا من الحب وارتفع عن هذه الصغائر التى تدنسه ، ولولا ان هذا غير مألوف واني أرفع نفسي عنه وأبرؤها منه لابحت لكل واحد منها أن يلتمس متاعه ورضى جسمه حيث شاء حتى اذا إلتقينا لم يكن بيننا الا طهر لا تشوبه شائبة ولا يعرض له الكدر بما تثير غرائز الجسم من هذه العواطف الآثمة الهوجاء ،

ولكنه سمع وكأن لم يسمع وابى الا أن يمضي في شكاته . وهكذا كانت حياتهما الحاح وامتناع ، شكاة ورثاء ، رضى وغضب ، ورجاء وقنوط ، حتى ذلك المساء الذى أقبل فيه الى الحفل ، والذى وعدته فيه بأنها ستستوفى معه الحساب .

لما خلت لهما الجنة كما قالت وخلا لهما الجحيم كما قال منحته عشر دقائق شكا فيها بثه وفجر فيها غضبه ثم غسل هذا الغضب بما ذرف من دموع ، ثم منحت نفسها عشر دقائق ردت فيها على تجنيه وزجرت فيها غضبه ومسحت فيها دموعه ثم خصصت عشر دقائق اخرى للتصافى والائتلاف .

وحين تقدم الليل جلسا الى الحديث والطعام وكان لم يكن شىء .

ولما نهضا ليفترقا ، وبلغا باب الحجرة ، منحته قبلة ولم يكن في يوم من الايام يقدر انها ستعد له هاته المفاجأة ، وكما أشارت اليه انصرف موفورا ولم يسالها غيرها .

ولما لم يستجب له النوم وقد مضى من الليل اكثر من ثلثيه ، دخلت عليه الخادم تحمل فطور الصباح والصحف ، وقدمت له ايضا غلافا لم يكد ينظر فيه حتى عرف خط صاحبته ، ولما فضه وقعت في يده صورة نظر فيها فأخذته رعدة وسال على جسمه عرق بارد .

وأخذ يقرأ فإذا على القرطاس:

لعلك عرفت صاحب هاته الصورة وتبينت ما بينك وبينه من شبه قريب وفهمت كذلك ان القبلة التى منحتك اياها كانت قبلة الوداع ، فان الحب والموت صديقان تفرق بينهما الحياة ثم لا يلبثان ان يلتقيا ذات صباح او ذات مساء

وهكذا تحدث طه حسين على هذا الحب اليتيم ولكنه لم يشر قط لمن هاته المائدة الانيقة ولا في يد من هذا القدح الممتلئ ولكنه صورهما كاملين فجعلهما خير ناطق . حتى لم يعد يخفى على كل من عرف مى زياده فقرا لها او قرأ عنها وسمع عن صالوناتها انها هى بطلة الحدث فانت تشعر عندما تتحدث مى على لسان الكاتب ان الحديث قد تغير ، وتشعر ايضا ان التى تتحدث ليست امرأة عادية بل كأنها تلك التى قال عنها طه حسين .

ان مي تمثل في نفسى بداوة البادية وحضارة الحاضرة وثقافة العرب القدماء وثقافة العرب المحدثين والاروبيين وكل ما يتمني المثقف ان يصل اليه " .

ولكن كيف يروى لنا الدكتور السهرة من اولها الى آخرها ، وقد قال " قد تخلف صاحبنا مع الخاصة لانه من اخص الخاصة واقرب المقربين اتراه هو ايضا من اخص الخاصة ، نعم لقد قال متحدثا عن صالون مى :

وقد اتيح لى ان اكون من خاصة مى بفضل الاستاذ لطفى السيد فكنت اتأخر في الصالون حتى ينصرف الزائرون ،

لقد كتب الكثيرون عن حب مى ورايى انه لم يفلح احدهم بقدر ما افلح طه فى حديثه هذا ، وبالرغم من انه لم يأت على جميع ظروفه وتطوراته فقد استطاع على ضوء سيرة مى وفلسفتها ان يشرح مفهوم الحب عندها ، فكتب وكانما قد املت عليه ما كتب .

هذا هو الحب عند مى كما صوره لنا الدكتور طه حسين او بالأحرى كما رايته انا خلال حديثه " يائس ، من كتابه احاديث ،

فمي هي صاحبة المائدة الانيقة التي لا ينبغي ان يفسد جمالها قدح يميل الى يمين او الى شمال

وصاحب هذا القلح الممتلىء الطافح بالشاى اللذيذ هو انطون الجميل .

أما تلك الصورة التى بعثت بها اليه لعلها تلك التى في كتيب (The borzoi) والتي كتبت تحتها عندما تأخر جواب صاحبها جبران .

هذا سبب علتى من زمن طويل ،.

وهكذا كانت مى تحب ، فكان حبها لصفائه لا تلحظ له شكلا ، لا يتجسم في مادة ولا يترك اثرار وكان لنقائه لا يغضب ، ولا يرضى لا يسمن ولا يغني من جوع . لقد شف حتى افلت عن المادة .

ولكنها كانت بين صاحبى هاتين الصورتين بمثابة ذلك الذى حدثها عن نفسه فقال : عسى ان اقول عن رجل يوقعه الله بين امرأتين امرآة تحول من احلامه الى يقظة ، وامرأة تحول من يقظته الى احلام

وهكذا كانت مى فانطون الجميل يشدها الى الارض ويزين لها اليقظة ، وجبران يهدهد احلامها ، فكانت روحها تطير اليه فى اليوم مرارا ولا تبيت الا فى خدره . ومى كان يحلو لها عبر المحيطات ، وشق الاجواء وكان يحلو لها ايضا ان تنظر الى ازهار الحب بدل من ان تشمها فتدوى او تقطفها فتندثر ، ولكنها كانت تنسى أو تتناسى فى حسرة ان اعمار الازهار قصيرة .

اعرف انك محبوبى وانى اخاف الحب ، انى انتظر من الحب كثيرا فاخاف ان لا يأتي بكل ما انتظر ، أقول هذا مع علمى بأن القليل من الحب كثير

هكذا قالت لمحبوبها جبران . الذى لم ترجح كفة حبه في قلبها الا لانه اكثر احلاما وابعد منالا ولانه ايضا اكثر شهرة .

وقد ياخذنى بعضهم على عبارتى الاخيرة ولكني رايت ذلك سببا من جملة الاسباب . لقد تزاحم على صداقتها جميع من عرفتهم من ادباء عصرها فكادت تملك قلوبهم جميعا ، ولكن لم يظفر بقلبها

غير جبران اما هذا القلب فكان ارحم من ان يصد صدة واحدة او ان يعرض اعراضا كليا او ان يجفو جفاء تاما ، فعرفت كيف تصرفهم في لين اعذب من الحب واحر منه لفحا .

اما هذا الذى ملك قلبها حتى صرفها عن كل شىء سواه وملك عقلها حتى دخلت " العصفورية لفقدانه فلا غرو ان يلقى من قلبها هذا المكان الكبير وهو اكثرهم احلاما ، واعذبهم غناء ، واكثرهم شهرة ، وابعدهم تأثيرا ، واضمنهم للخلود . فوجدت فيه فتى الاحلام ومجد الواقع

ولكن لربما كانت من الملايين اصحاب القلوب الضعيفة الذين قال عنهم الناقد الكبير حنا الفاخورى ان جبران قد استمال قلوبهم الضعيفة باسلوبه السلس البديع

اشترك في نشرتنا البريدية