فهل فى المادية أزمة ؟
إذا رجعنا إلى قول سطالين السابق فى كيفية انبثاق الافكار وعلاقتها بتطور الحياة المادية لمجتمع وفى تأثيرها على التطور الاجتماعى نستطيع أن نتبين ما يلى :
أ ) إن الحياة المادية تتطور بعيدا عن الافكار وقبل انبثاق هذه الافكار ، والافكار نفسها هى نتاج التطور المادى .
ب ) إن الافكار التى سبق أن انبثقت تعود فتسهم فى انجاز المهمات الجديدة . ولا يمكن فهم هذه المهمات الجديدة الا باعتبارها خطوة جديده فى التطور .
فما هى ديناميكية التطور كما تراها المادية الجدلية ؟
إنها كالآتى :
فى حالة التطور الذى لا يتوقف توجد مهمات جديد فتنبثق أفكار جديدة لتسهم هذه الافكار فى انجاز تلك المهمات . معنى هذا أن هناك دورة كاملة للتطور بدأت بالمهمات وانتهت بالافكار والصعوبة كلها ، كما لاحظ سارتر بعمق ، تكمن فى سير هذه الدورة مرة أخرى ابتداء من الافكار بعد انجازها للمهمات التى كانت جديدة .
وبناء على أن حركة التطور دائمة . فالمشكلة الكبرى التى تواجه الماديين - المبتذلين ، الارثودكسيين - تتمثل فى هذا السؤال : كيف وقد وقفنا عند الافكار أن نبدأ منها لتطوير المادة دون أن نعترف لها بالقدرة على الخلق وهم ينكرون عليها هذه القدرة ؟
ويبدو أن الكتابات الماركسية الحديثة ، أو قل القراءات الحديثة لها ، اصبحت تعترف اعترافا يكاد يكون حاسما بدور الفكر فى التطور الانسانى وليس هذا انحرافا ، أو تشويها للفكر الماركسى بل هو تصحيح وتطوير له على حد زعمها .
وجدير بنا أن نلاحظ ما يلى : بعث انجلز برسالة إلى صديق معاصر له يسمى (( بلوخ )) بتاريخ 1890/9/21 جاء فيها :
(( لقد كنا ماركسيين وأنا مسؤولين جزئيا عن تركيز الشباب على الجانب الاقتصادى تركيزا أكثر مما يستحقه . لقد كان لا بد لنا نحن من أن نركز على المبدأ الاساسى فى مواجهة معارضينا الذين ينكرونه ولم يكن يتوافر لنا دائما الوقت والمكان والفرصة المناسبة لنسمح للعناصر الاخرى بالتدخل فى التأثير المتبادل بالقدر الذى تستحقه )) .
( راجع : ماركس انجلز : دراسات فلسفية الطبعة الفرنسية ، المنشورات الاجتماعية ، باريس 1968 ، ص 154 ، ص 156 ) .
يؤكد هذا النص على طابع رد الفعل والتحدى من أجل إثبات الوجود أمام التيارات الفكرية الاخرى ، الامر الذى جعل الماركسية تغالى فى الالتجاء الى الرؤية المادية لتفسير كل حدث إنسانى . يعترف الماديون الجدليون بالتأثير المتبادل بين الفكر والمادة عندما يعلنون : (( إن الافكار قد انجزت المهمات التى وضعها التطور المادى )) . ولكن المشكلة ليست هنا بل فى اتساق هذه الحركة الجدلية بعد انجاز الافكار لعملها ، ولكى تتسق الحركة لا بد من القول بأن الافكار تعود فتضع أمام التطور المادى مهمات جديدة أى القول بأن الفكر يخلق المادة وهذا ما يتهرب منه الماديون الجدليون .
نصل مما تقدم الى نتيجة خامسة :
- إن أزمة المادية الجدلية هى نفى الصفة الخلاقة عن الانسان بالرغم من التراجع والتلاعب اللفظى والتخريجات الجديدة للمنظرين المحدثين .
- انتقل السؤال من : أيهما وجد أولا المادة أم الفكر ؟ الى السؤال : أيهما يلعب الدور الاساسى فى حركة التطور .
إن (( قضية الاساسى وغير الاساسى قضية فارغة من أى مضمون حقيقى ، إذ عندما تتوقف نتيجة ما على شرط أو أكثر ، بحيث لا تقع الا باجتماعهما معا يكون من اللغو القول بأن هذا الشرط أساسى وذلك الشرط غير
أساسى . فضرورة أى شرط لتحقيق أى شئ يجعل من هذا الشرط أساسا لوجوده )) .
( د. عصمت سيف الدولة ، أسس الاشتراكية العربية ، ط الدار القومية، القاهرة 1965 ) .
إن فكرة الاساسى وغير الاساسى ، ليست فى نهاية التحيل غير تعبير عن اختيار فكرى - فلسفى مبدئى وليست نتيجة استقراء واختبار علمى .
وقد كانى ماركس جدليا 1843 عندما كان يكاد يكسون جاهلا بتاريخ ومبادئ الاقتصاد السياسى ، ثم ثقف نفسه فى هذا الميدان فعرف أدوات الانتاج ، والقيمة وغير ذلك من مصطلحات هذا العلم فأصدر مع انجلز سنة 1848 (( البيان الشيوعى )) متضمنا (( اسس )) نظريته فى تفسير التاريخ ماديا .
وصرح انجلز فى تعليقه على طبعة 1888 لـ (( البيان )) بجهل ماركس لما وصل الى اكتشافه العالم مورجان Morgan من كون المجتمعات البشرية مرت بأطوار شيوعية فى البداية . وبسبب ذلك انتهى ماركس الى كون النظام الشيوعى لن يتضمن متناقضات دون التفطن الى أن الاول كان خاليا من ذلك ومع ذلك حصل التطور ، فلا بد ، طبقا لنظريته فى التطور التاريخى ، من أنه كان متضمنا لمتناقضات .
نصل من ذلك الى نتيجة سادسة :
- عن وعى أو عن غير وعى منه ، فقد درس التاريخ من من منطلق مادى جدلى ، ولم يدرس التاريخ كبداية ليعرف قوانين تطوره . تلك نقطة هامة يجب الانتباه اليها .
- يصرح ماوتسى تونغ فى فصل (( عن التناقض )) من كتابه : (( أربع مقالات فى الفلسفة )) ( ط. الفرنسية بيكين 1966 ، ص 65-66 ) بما يلى : (( عندما يعرقل البناء الفوقى ( الثقافة ، السياسة ... الخ ) تطور القاعدة الاقتصادية ، فان التغييرات السياسية والثقافية تصبح هى الامر الاساسى والحاسم )) . ثم يتساءل هل يعد هذا مناقضا للتمسك بالمادية الجدلية ؟ ويجيب بالنفى : (( لأننا نعترف بأن الاساس المادى خلال المجرى العام للتطور التاريخى يحدد الاساس الروحى والوجود الاجتماعى ، لكننا نعترف فى نفس الوقت ويجب أن نعترف بالفعل الراجع الى الاساس الروحى فى الاساس المادى )) إنه التراجع الذكى الذى تفرضه الظروف الاديولوجية والسياسية .
ويصرح كتاب حديث ألفه 39 عالما سوفياتيا 1963 صدر تحت عنوان : (( أسس الماركسية - اللينينية )) ( نقلا عن أسس الاشتراكية العربية . د. عصمت سيف الدولة ) بقوله : يجب (( أن نعرف التأثير المتبادل بين العوامل والظواهر المختلفة بل أن نعرف الجانب الحاسم فى التأثير المتبادل . فعند اكتشاف هذا فقط نستطيع أن نفهم فهما صحيحا مصدر الحركة وأن نقدر القوى الخاصة بها وان نعرف الخط الاساسى واتجاه التطور )) التطور قائم ولا نزاع حوله أو نقاش .
أشار ماركس فى ج 1 من رأس المال الى الاختلاف المنهجى بينه وبين هيجل والتناقض الحاسم بينهما . فاذا كان هيجل يجعل حركة الفكر (( ذاتا )) يطلق عليها (( الفكرة )) وهى التى تصنع الواقع ، وأن الواقع هو الصورة الذهنية للفكرة فان ماركس يرى العكس هو الصحيح فحركة الفكر هى الانعكاس الامين للحركة الواقعية منقولة الى المخ .
وهكذا تنقل قوانين الجدل الهيجلية من مستوى الفكر الى مستوى المادة فتعطى ((المادية الجدلية)) وتنقل الى مستوى التاريخ فتعطى ((المادية التاريخية)) وتنقل الى المستوى الاقتصادى الراسمالى فتعطى (( الشيوعية )) كنتيجة (( حتمية )) لمراحل تطور الانتاج وعلاقاته . وبناء على ذلك ليس غريبا أن يصرح ماركس فى (( البيان الشيوعى )) بـ (( أن دور الشيوعيين مقصور على التعبير عن حركة تاريخية تجرى تحت أنوفهم)) قول منجسم مع المقدمة للايمان بالحتمية فى التطور التاريخى حسب قوانين مستقلة عن ارادة ووعى البشر .
دافع عن هذا لينين العظيم فى كتابه (( المادية والنقد التجريبى )) ( راجع دراستى بمجلة (( الفكر )) ، عدد 6 ، مارس 1977 ) .
قبل قيام ثورة 1717 الاشتراكية وقيادته لها ولكن ممارسة النضال بعد الثورة وتحمل أعباء قيادة التغيير الاجتماعى فى مختلف مجالاته بين أن الممارسة تسير على غير انضباط بالنظرية وان بالنظرية قصورا واضحا أمام الواقع ولذا قال : (( إن عقل الانسان لا يعكس العالم الواقعى فحسب بل يخلقه أيضا )) لاحظ يخلقه بدلا من يطوره أو يغيره .
واليوم نلاحظ مراجعة جذرية ، فى الخفاء ، ( حبذا ونحن ننادى بالتفتح على العالم أن لا يكون مقصورا على فرنسا الامر الذى جعلنا لا نقرأ حتى
الماركسية إلا من خلال الثقافة الفرنسية ) للاسس التى تقوم عليها (( المادية الجدلية )) . وهذه بعض النماذج من حوار الكاتب المصرى الماركسى الدكتور مراد وهبة مع الفلاسفة السوفيات فى موسكو ( راجع كتابه : محاورات فلسفية فى موسكو ، ط . دار الثقافة الجديدة ، القاهرة 1974 ) .
أ ) إنكار حتى للمنطق الجدلى : يقترح ماركوف وروزافتين إلغاءه كلية . فطلب د . مراد وهبة ، مستغربا ، الى بجمولف تفسيرا لهذه الظاهرة فكان جواب الاخير بأن ذلك مردود الى اهتمام الدولة بالتطور الاقتصادى والتكنولوجى وما يترتب على ذلك من مشكلات ليس فى امكان المنطق الجدلى حلها ولذا وقع التركيز على المنطق الصورى والرياضى ( بعد أن كان هذا المنطق الصورى موضوع سخرية فى الفترة السلطالينية ) .
ب ) يقول بجمولف ( أستاذ فلسفة جامعة موسكو ) بالاتفاق الكامل مع لينين من عندما يقول : بأن الجدل (( ليس دوقما بل هو مرشد للعمل )) . ولذلك فلا يرى بحمولف (( ما يمنع من احداث تعديل فى المادية الجدلية )) اذا ما ظهر وما يناقضها فى مستقبل العلم . وأن الفلاسفة السوفيات يتبنون هذا الاتجاه والدليل عل ذلك أن أشكال الحركة كما تصورها انجلز هى موضوع مناقشة . وخلاصة ذلك أن مفهوم انجلز للحركة ليس دقيقا
ويعلق نارسكى ( أستاذ فلسفة ، جامعة موسكو ) بأنه ليس غريبا أن يطرح لينين أفكارا متعارضة مع بعض مما قال به انجلز فمثلا : المادة عند انجلز موضوع حسى ، فى حين أنها عند لينين : (( الواقع المادى خارج الذات )) أى أنها مقولة فلسفية
وقال بيدف أستاذ علم الاجتماع ( كلية الفلسفة جامعة ليننغراد ) : إن ماركس لم يعالج الانسان على أنه (( ذات )) بل على أنه (( موضوع )) ، فسأله د . وهبة : أليس الالتفات اليه ك (( ذات )) كفيل باحداث تعديلات فى بعض المبادىء الماركسية ، فأجاب بيدف : (( ليس ثمة مانع من ذلك اذا لزم الامر )) . من المعروف أن التعريف الماركسى للانسان هو أنه : (( جملة علاقات اجتماعية )) .
ج ) إتجاه الى تعديل فى (( المنهج )) .
يقول كل من دبوفسكوى وشيلين ( أستاذا فلسفة ، جامعة موسكو ) : ليست المعرفة مجرد انعكاس للموضوع المدرك ، بل هى كذلك خلق جديد
وتغيير لحالة بهدف تلبية احتياجات الانسان . وهما يسخران من نظرية ( الاستحابة السلبية )) ويقولان إن هذه النظرية لا يروج لها الا العوام وبعض الفلاسفة (( الذين يتصورون أنهم ماديون جدليون )) - وكم هم كثيرون فى وطننا العربى - ذلك أن هذه النظرية تتصور (( الذات العارفة )) لا على أنها (( فعالة وخلاقة )) ولا على أنها الى (( هادفة الى تحقيق رغباتها وارادتها ))
- يقول ألنيكف ( أستاذ فلسفة ) : إن الذات تنطوى (( على شئ ما )) يسهم فى (( تكوين الموضوع )) . ثم يسأل عن مفهوم الانعكاس ؟ ويجيب : إن المعرفة عملية عزل للموضوعات ثم انتقاء لواحد منها قصد ادراكه . ومن هذه الزاوية يقال : إن الموضوع ينعكس فى الذات ، ولكن بين نقطة البداية والنهاية توجد عمليات بيولوجية ونفسية واجتماعية .
- ويعلق كوزنتسوف ( أستاذ فلسفة ، جامعة موسكو ) على قول لينين : إن المعرفة : فى جوهرها (( انعكاس لواقع )) وبأن المشكلة كلها تدور على مفهوم (( انعكاس )) وهذا المفهوم عند الفلاسفة السوفيات فى طريقه الى أن يتحول . إن لفظة (( انعكاس )) يجب أن لا تفهم حرفيا بل يجب أن تؤخذ على انها لفظ ينطوى على (( تشبيه )) أو (( استعارة )) .
فأين تصورنا للانعكاس من هذا الكلام . لنتثبت قبل أن ننطق ونلهج بما لا نعرف .
- يقول بلاتنيف وماتشيمانف ( أستاذا فلسفة ) إن للعقل (( قدرة خاصة على الابداع والخلق )) إنه ليس سلبيا بل إيجابيا إنه يضيف إلى ما هو معطى له.
- يقول روزنتال مؤلف كتاب (( مبادىء المنطق الجدلى )) : إن الفكر فى حركته يصدر عن العينى فى الادراك الى المجرد . ومن المجرد الى العينى . ولكن فى هذه المرحلة يصعد على أساس جديد وأرقى .
- يقول نارسكى ( أستاذ فلسفة ، جامعة موسكو ) : إن العلم يستطيع أن يقدم حلولا لما فى اذهاننا من قضايا ولو أن الماركسيين الفلاسفة قبلوا هذا لأمكنهم تجاوز كثير من السخافات . منها : استبعاد المنطق الرياضى وعدم الثقة فى المنطق الصورى ونظرية النسبية والسيبر نطيقا .
نلخص أهم ما أوردناه من الافكار منذ بداية البحث فيما يلى :
1 ) تنازل عن التمسك بأن المادة هى الوجود الاول .
2 ) انعكس ذلك على الموقف من التطور .
3 ) ترك أولوية الوجود الى التأمل الميتافزيقى .
4 ) نتج عن ذلك اختيار البداية بعد الوجود الاول أى مواجهة (( الفكر )) و (( المادة )) وقد وجدا فعلا .
5 ) والاعتراف لكل منهما بدوره فى عملية التطور ( راجع جان بابي Jean Baby نحو عالم أفضل . طبعة ماسبرو الفرنسية باريس : 1973 . فصل : التراكيب الفوقية والتحتية ) . وأن أيا منهما لا يلعب الدور الحاسم .
6 ) ابراز الفاعلية الايجابية للذات ، للعقل ، وفى كلمة واحدة للانسان فى عملية التطور الاجتماعى وفى مواجهة (( الموضوع )) : المادة ، أدوات الانتاج .
المعرفة الحسية والعقلية :
يقول أصحاب (( أسس الماركسية اللينينية )) :
- الادراك الحسى هو أول خطوة للمعرفة .
- الحواس لا تستطيع ادراك الطبيعة الداخلية للظواهر وعلاقاتها وصلاتها الضرورية .
- إن الوصول الى معرفة العالم المحيط بنا تحتاج إلى معرفة تختلف نوعيا هى التفكير الذى يأخذ شكل الفهم والادراك والحكم والافتراض والنظرية .
- الادراك الحسى يعلق بالفرد والجزء والوقائع العلمية أو الاوجه الخارجية للظواهر .
- لكن الادراك المجرد يعكس الاعماق الداخلية للحقيقة لانه لا يتبع الوجه الخارجى المحسوس للظواهر ، ويميز العلاقات والعلاقات الجوهرية .
- قوة الفكر تتمثل فى قدرته على التجاوز وتصور المستقبل بواسطة القوانين الموضوعية التى اكتشفها .
- الفكر ونتاجه ( الادراك ) متصل بالعالم الموضوعى اتصالا مباشرا خلال نشاط الادراك الحسى .
- لا يتقيد الادراك الفكرى بالوقائع المحسوسة ولا يتوقف عليها نسبيا ، ولذا جاءت قدرته على تحليل الظواهر والدراسة النظرية .
نصل من كل ما سبق ذكره الى نتيجة سابعة :
انهيار ركن آخر يتمثل فى اعتبار الفكر انعكاسا للمادة واصبحت له فائدة ذات وظيفة خاصة .
ما العلاقة بين المادة والفكر ؟
يقول أصحاب (( الاسس )) المذكورة :
- الفكر ( نشاط الذهن ) خاصة مميزة للمادة ولكن ليست شكلا خاصا من أشكالها .
- المادة : هى أى شئ خارج العقل ولا يتوقف عليه .
- من الخطأ اعتبار الفكر جزءا من المادة وفى الوقت الحالى يعتبر التوحيد بينهما من المفاهيم المادية المنحطة .
هل معنى هذا أنهما منفصلان ؟
يقولون :
- المادية الجدلية ترفض فصلهما لان هذا من مخلفات النظرة البدائية عندما كانت الظواهر تفسر بالرجوع الى الروح التى يفترض دخولها الجسم .
هل معنى هذا أنهما متصلان منفصلان ؟
يضيفون :
- إن حل المشكلة السيكوفيزيولوجية : العلاقة بين النشاط العقلى وجهازه المخ ( عضو مادى فسيولوجى ) يجب النظر فيه الى كل من الاختلاف والاتصال بينهما .
- من المهم وعى الخلاف بينهما لان الوحدة تؤدى الى الغموض .
- ومن جهة أخرى لا يمكن فصل الوعى عن المخ لانه من وظيفة المخ . إنهما متصلان مختلفان مع الاعتراف بوجود المادة وتأثير الفكر .
وهكذا نصل الى نتيجة ثامنة :
لم نعد قادرين على معرفة تطور العالم واتجاه تطوره عن طريق معرفه قوانين تطور (( المادة )) أو قوانين تطور (( الفكر )) .
ولما كان لا بد من البحث عن طريق واحد ( حتى لا نسقط فى الثنائية ) يجمع بين الفكر والمادة ( حتى لا نسقط في الجهالة البدائية ) ولا يوحد بينهما ( حتى لا نسقط فى المادية المنحطة ) ، فأين يا ترى يمكن أن توجد تلك الوحدة ؟
وهكذا نصل الى نتيجة ثامنة هامة :
- إن تلك الوحدة توجد فى الانسان ! نعم فى الانسان !
يقول أصحاب (( الأسس )) : إن النشاط المادى للانسان هو نقيض نشاطه الذهنى ، غير أن هذين النقيضين يتداخلان كل فى الآخر ويؤلفان وحدة ذات وجهين للحياة الاجتماعية ، غير قابلين للانفصال ومتفاعلين )) .
إنه التراجع أيها الرفاق .
هل هناك قوانين تطور لتلك الوحدة من المادة والفكر ؟
إذا كان من الممكن الحديث عن التغيير الانساني لحياة فى مختلف نواحيها ، أى اذا كان من الممكن أن نتحدث عن مستقبل آخر بدليل عن الحاضر الماضى ( لأن الحاضر امتداد الماضى ) فلا بد من معرفة (( منهج )) التغيير . كيف لا نبحث عن (( المنهج )) ؟ وكل الماركسيين ومنهم الروسى أفانا سييف فى كتابه : ( الفلسفة الماركسية ) يؤكدون على (( المنهج )) إذ بدونه لا يمكن حل أى مشكلة علمية أو عملية وكيف لا نبحث عن (( المنهج )) وانجلز يقول بأن (( الممارسة هى (( محك النظر )) وأنها أى الممارسة ضمن (( نظرية المعرفة )) . فالمنهج يصحح بالممارسة الفعلية .
هكذا نجد أنفسنا أمام منهجين :
أ ) اتخاذ ما يؤدى اليه الادراك الحسى فنكون أمام التجربة والخطأ .
ب ) اتباع ما انتهى اليه الفكر واكتشفه (( وهو يعكس الاعماق الداخل للحقيقة )) أى اتباع احكام النظرية . أكد لبنين فى ج 14 من كتاباته أن الممارسة الفعلية يجب أن تكون الاساس الاول فى نظرية المعرفة )) . كما أكد أنه يجب أن لا نعتبر النظرية الماركسية شيئا كاملا لا يمكن المساس به بل
إنها أرست فقط حجر الزاوية للعلم الاجتماعى . وأنه يجب على الاشتراكيين أن يتقدموا فى كافة الاتجاهات اذا أرادوا أن يحفظوا للحياة تقدمها .
وهكذا نصل الى نتيجة تاسعة :
ابتدأت الماركسية بمنهج صريح محدد وانتهت بمنهجين :
أ ) المادية الجدلية ، نظريا .
ب ) الممارسة الفعلية ، عمليا .
وللتأكد من الخطأ المنهجى للمادية الجدلية كما تبرزه التجربة يمكن مراجعة خطاب اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى الى مثيلتها السوفياتية بتاريخ 1964/2/29 وخطاب سوسلوف فى اجتماع اللجنة المركزية السوفياتية يوم 1964/2/14 .
وهكذا نصل الى النتيجة العاشرة :
- لا بد من تصحيح المنهج أو السير طبقا لمنهج التجربة والخطأ العشوائى .
ال حد هذه النقطة نكون قد قمنا بالجانب السلبى من عملنا وهو كشف الاختلاف بين ما تسير عليه الحياة وأساليب التغيير الاجتماعى فى التجربة وما تبنى عليه النظرية (( المادية الجدلية )) فى المعرفة والتغيير .
إنها ليست إدانة لمجرد الادانة كما تمليها المصلحة الطبقية او الافكار القبلية بل محاولة لتنظير الممارسة كما يقدمها الواقع الحياتى البشرى خاصة بعد قيام ثورات اشتراكية كبرى فى العالم .
نحن من الذين يؤمنون بأن لا وجود لغير ماركسية واحدة منطلقها الاصلى (( المادية الجدلية )) فكل خطأ بعد ذلك لن يكون الا فى التخريج والاستنتاج أو ذلك فى الاصل بالذات . أما ما يدعيه الماركسيون الجدد من تجديد وتطوير للماركسية فلا أساس له من المنطق . كثير غيرنا من تناول التخريجات والاستنتاجات وكشف عن انحرافها عن (( المادية الجدلية )) مدافعا عن الاصل أو مبينا خطأ ذلك الاصل دون أن يتجاوز ذلك بخطوة . أما نحن فاننا قمنا بتصحيح المنهج ليستقيم على قدميه من جديد .
وقبل أن نورد هذا التصحيح للمادية الجدلية نسأل هذا السؤال : هل بقى معنى ، بعد كل الذى أوردناه ، لوصف الانسان بأنه مادى أو مثالى ( كما عودنا القاموس الماركسى الارثودكسى ) لتقع المعرفة والتصرف على ضوء ما نعرف من كون المادة والفكر تتبادلان التأثير والتأثر .
لهذا نلتقى عند القوانين الجدلية الهيجلية التى أخذ بها ماركس رغم اختلاف هيجل عن ماركس من حيث المنطلق الفلسفى كما رأينا . ولكن رأينا أيضا كيف التقيا .
القوانين الجدلية بعد التصحيح : ( د. عصمت سيف الدولة ، المرجع نفسه ) .
لقد اثبت العلم هذه القوانين :
1 ) الطبيعة وحدة ترتبط فيها الظواهر والأشياء ارتباطا كليا وعضويا ويكيف بعضها بعضا بالتبادل ومعنى هذا أن كل شىء مؤثر ومتأثر وقد أضاف العلم الى هذا مبدأ النسبية من حيث مدى التأثير والتأثر .
2 ) كل شىء متجدد باستمرار وفى تغير دائم نتيجة للحركة الدائمة . واثبت العلم الحديث أن أصغر جزء من المادة وهو الذرة عامر بالحركة التى لا تهدأ .
3 ) التغيرات الكمية تؤدى الى تغيرات كيفية . واذا كانت الاولى لا دلالة لها فالثانية ظاهرة وجذرية . وتخضع المادة فى سيرها لقوانين حتى ولو لم ندركها . وإن قصور حواسنا ووسائلنا عن ادراك (( دلالة )) التغييرات لا يعنى أنها (( كمية )) وليست (( كيفية )) . فالتقسيم بين تغييرات (( كمية )) و (( كيفية )) هو تقسيم فكرى لمراحل التطور كما يذكر اصحاب (( الاسس )) أنفسهم : (( يجب أن نتذكر دائما أنه لا يوجد طبعا (( نوعية )) بذاتها . هناك أشياء وظواهر متميز بعضها عن بعض بخصائص نوعية عندما تصل التغيرات (( الكمية )) الى نقطة معينة تتغير خصائص المادة (( نوعيا )) فتتحول الاشياء من شىء الى شىء مختلف )) .
ولنا أن نضيف ما يمكن أن يرفع به خلط فى مسألة حركة المادة ، وهو أو كل نوع من المادة كالنبات والحيوان والجماد ، وكل نبات أو حيوان أو جماد له قوانينه الخاصة أى النوعية التى تحدد مدى تأثيره فى غيره وتأثره بغيره من المواد : فهناك قوانين للنبات تكون علم النبات مثلا وغيرها للحيوان تكون علم الحياة وغيرها للجماد تكون علم الجيولوجيا وهكذا . . .
ولنا أن نصوغ هذه القوانين الثلاثة فيما يلى :
كل شئ متأثر ومؤثر ، يمارس هذا التأثير أو التأثر خلال حركته الدائمة المستمرة التى لا تتوقف والتى تؤدى اثناءها كمية التأثير والتأثر الى أن تتغير خصائص الشىء نفسه بحيث تتغير هذه الخصائص تدريجيا وإن كنا
لا نحس ذلك التغير التدريجى غير الظاهر ، وعندما تصل كمية التأثر أو التأثير الى درجة تختلف باختلاف القوانين التى تحكم الشىء المتأثر يفقد هذا الشىء خصائصه ومظهره الاولين وتصبح له خصائص ومظهر آخر بحيث يختلف نوعيا عن الشىء الاول أى تلحقه خصائصه الجديدة (( بنوع )) من الاشياء غير النوع الاول الذى كان ينتمى اليه ، يصبح جامدا بعد أن كان سائلا . . . تعمل هذه القوانين (( معا )) فى كل لحظة وفى كل مكان فيكون الناتج تأثيرا فتأثرا فتحولا فتأثيرا فتأثرا فتحولا وهكذا حركة دائمة وتحول مستمر )) .
4 ) الديالكتيك أو الجدل : عرفه لينين بأنه (( تقابل النقيضان فى ذات الشىء )) أى فى محتوى واحد . وأكد أن المعنى الدقيق للجدلية هو دراسة التناقضات داخل ذات جوهر الاشياء .
يؤدى التناقض هذا الى صراع والصراع يؤدى الى خلق شىء ثالث ، يختلف عنهما ، يمثل حركة تقدمية الى الامام . فاختلاف رأيين مثلا اثناء حوار يصل الى رأى ثالث متقدم عنهما . بدون تناقض لا صراع وبالتالى لا جدل :
وهكذا نصل الى النتيجة الحادية عشرة :
- الجدل هو عملية خلق وتجاوز وإضافة
به تحل مشكلة خلقها (( الماضى )) ويتحقق به جديد فى (( المستقبل )) .
وهكذا نصل الى النتيجة الثانية عشرة :
لا يتحقق هذا فى الطبيعة ( راجع دراستى فى مجلة الفكر عن الديالكتيك والطبيعة ، العدد 6 و 8 من سنة 1977 ) .
كل ما فيها تحولات دائمة بحيث لا يظهر جديد تحت الشمس فيتحول الماء مثلا الى بخار ليعود الى ماء . فتحول القانون الكلى للطبيعة والتطور هو القانون الكلى للانسان .
التحول حركة دون إضافة والتطور حركة فاضافة .
يشير أصحاب (( الاسس )) الى أن المادة تخضع الى قانون أساسى عام : (( لا تفنى ولا تتجدد ولكن تتحول )) .
وهكذا ننتهى الى أهم نتيجة وهى الاخيرة :
إن الجدل قانون لتطور الانسان ولذا سمينا المنهج الجديد بعد التصحيح والاضافة (( جدل الانسان )) ( د . عصمت سيد الدولة ، المرجع نفسه ) .
( يتبع )
