الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

المادية الجدلية, أم جدل الانسان

Share

ما هو جدل الانسان ؟ ( * )

إن إصرار المادية الجدلية على التمسك بتلك القوانين الكلية التى يخضع لها الكون كله بمختلف عناصر تركيبه : الطبيعة ، الانسان ، المجتمع وتجاهلها الانسان وقوانينه النوعية جعلها تفقد القدرة على السيطرة على تفسير كثير من الظواهر الانسبية والطبيعية وما طرحته حياة الناس من أحداث وتطورات وكان لا بد [ ان تشد المادية - باسم التطوير - من أطرافها لتغطى الحياة الانسانية فى القرن العشرين فتباعد نسيجها حتى أصبح ثغرات كبيرة فقالوا وليس فى ذلك عجب : (( إن الطريقة الميتافزيقية مناسبة إلى حد ما للاستعمال اليومى وللمراحل غير المتقدمة من التطور )) [ ( د . عصمت سيف الدول المرجع نفسه ) .

إن الانسان ، كما انه كائن عضوى مكون من لحم ودم وعظام وآلاف المركبات الكيميائية هو أيضا كائن (( ذكى )) ولذلك فهو (( وحدة نوعية )) متميزة عن بقية الكائنات الاخرى (( بالذكاء )) فهو وحدة نوعية من (( المادة والذكاء )) .

استطاع هذا الكائن الذكى اكتشاف كثير من النواميس التى تنظم نشاط الانسان مثبتا ذلك بالتجربة والاختبار فكان بن ذلك مثلا علم الطب وعلم لنفس . ومن الحقائق الثابتة التى قدمها علم النفس ، وحتى الملاحظة العادية , أن الانسان يمتلك القدرة على :

أ )  التذكر

ب ) الادراك

ج )  التصور

د ) العمل

ولا يمكن لعالم نفس - حتى من المدرسة السلوكية نفسها - ( 2 ) أن يشك فى هذه القدرات بل لا يمكن لانسان عادى أن يجهل هذا . ( يمكن الاستفادة من كتاب الماركسى الفرنسى روجه غارودى فى كتابه بالفرنسية : مفاتيح لفهم ماركس ) .

إن الحركة الحدلية الخاصة بالانسان والتى أطلقنا عليها (( جدل الانسان )) ترتكز الى العملية التالية :

أ ) التذكر

ب ) فالادراك

ج ) فالتصور

ولا يعنى أن هذه الحركة حركة فكرية والجدل جدل فكرى . لماذا ؟ !

- لأن : التذكر يشمل (( المادة )) .

والادراك يشمل (( قوانين )) المادة .

والتصور هو (( تركيب ذهنى)) للمادة .

ولأن المادة هى محتوى الفكر والفكر محيط المادة ، يتحدد بها ، وتتحدد به ، وتكون معه وحدة لا تنفصم ولذلك قلنا : جدل الانسان وليس جدل الفكر حتى لا تتهم (( بالمثالية )) و (( الهيجلية )) و (( اللاعلمية )) . . الخ . الاتهامات المعروفة.

ولأن الفكر كذلك ليس إلا خاصة من خصائص الانسان .

د ) أما العمل هو الحركة الاخيرة من الجدل هو عمل مادى وهكذا تبدأ الحركة الجدلية من مشكلة تسهم فيها المادة لتنتهى الى حل مادى يسهم فيه الفكر .

إن النقيضين فى الحركة الجدلية عند الانسان هما الماضى والمستقبل اللذان ينفى احدهما الآخر ولا يلغيه ولا يلتقى به قط ومع ذلك يجتمعان فى الانسان وجها لوجه .

إن الماضى مادى غير متوقف عليه وغير قابل للتغيير وبمجرد وقوعه بفلت من امكانية الالغاء ولكن الانسان إذ يعرف عن طريق استرجاعه - دور الذاكرة كيف وقع يدرك امتداده التلقائى فى المستقبل )) ( د . عصمت سيف الدولة ، المرجع نفسه ) .

(( والمستقبل بالنسبة للانسان تصور - دور المخيلة - لا يحده قيد من الزمان او المكان وأقصى مستقبل لاى إنسان أن تتحقق فيه جميع احتياجاته )) ( المرجع السابق ) .

يجتمع فى الانسان النقيضان : الماضى والمستقبل وتثور المشكلة المعبرة عن الصراع بين النقيضين والمشكلة هى عبارة عن الفرق بين الواقع المسترجع من الماضى والمستقبل المراد .

ويعبر عن المستقبل تعبيرا سلبيا ب (( الحاجة )) أى شعور الذات بعدم الاكتفاء ( من تجربة الماضى ) ونزوعها الى الاكتفاء ( فى المستقبل ) ومقاومة الظروف ( الماضى ممتد تلقائيا فى المستقبل ) لاشباع تلك الحاحة . وكلما كان الفرق كبيرا كان التناقض عميقا فيقوى الصراع وتحتد المشكلة . وبقدر ما يسترجع الانسان من ماضيه يتصور من مستقبله ويتحدد شمول المشكلة التى تطلب الحل . وما تسميه حاضرا هو تجميد للزمن أو الغاء له عند نقطة الالتقاء بين الماضى والمستقبل .

هكذا يكون الصراع فى الانسان ويتولد الحل الذى يتجسم فى العمل متضمنا إضافة جديدة .

والسؤال الذى يحتاج الى جواب هو كيف نصل الى الحل ؟

هناك خطوات تسبق الحل تتمثل فى :

أ ) استعمال الانسان لادراكه لمعرفة كيفية نشوء المشكلة أى وجه التناقض بين الظروف والحاجة .

ب ) استفادة من معرفته كيف وقع الماضى ؟ أى قوانين وقوعه من أجل تعديل شروط تحقق تلك القوانين والحيلولة دون استمرار الماضى فى المستقبل مستعينا فى كل ذلك ومتسلحا بالمعرفة العلمية للظروف لتعديل المستقبل الذى يتصوره وهو ما يمكن التعبير عنه ب (( الممكن العلمى )) .

2 ) تحقيق الحل بالعمل حتى لا يبقى فى مستوى الامانى والرغبات ، ويكون العمل ماديا أو ذهنيا حسب طبيعة المشكلة المطروحة . إن الحل يلغى من الظروف كما يحددها الماضى ما لا يتفق مع المستقبل كما يريده الانسان ويلغى من المستقبل الذى أراده ما لا يتفق مع إمكانيات الظروف وقوانين تغييرها النوعية فيخلق فى كل لحظة وفي كل مكان مستقبلا متفقا مع حاجة الانسان وظروفه ; أى خاليا من جمود الماضى وخيال المستقبل أما أداة الخلق فهو العمل الذى يحل التناقض وتتم به الحركة الجدلية ( 3 ) ( د . عصمت سيف الدولة ، المرجع المذكور ) .

القوانين العلمية التى يعترف بها جدل الانسان:

اذا كانت حياة الانسان حركة متطورة جدلية وكان منهج (( جدل الانسان )) يعترف للانسان بحرية الارادة والقدرة على التغيير للظروف والاوضاع الحياتية تغييرا علميا لا وهميا . فما هى الشروط والقوانين التى بدونها تكون حركة الانسان مجازا لا حقيقة ؟

إنها :

أ ) قوانين كلية ( التأثير والتأثر والحركة والتغير ) .

ب ) قوانين نوعية للطبيعة فى مختلف أجزائها ( التحولات النوعية ) .

ج ) قوانين نوعية للتفكير ( المنطق الذى ينظم العمليات الذهنية بداية من الفكرة الاولية أو المقدمة الى ما يترتب عليها من نتائج . وبدون احترام المنطق يكون التفكير هذيانا أو سفسطة ) .

إنه المنطق الصورى الذى رفضه الماديون الجدليون فى وقت ما ثم عادوا اليه كما رأينا . وسمى (( صوريا )) لأنه يضبط قواعد التفكير السليم تمييزا له عن القوانين التى تضبط حركة المادة .

يستتبع ما ورد ذكره أن : ( راجع عبد الله الريماوى مجلة الثقافة العربية الليبية عدد 7 ، ماى 1974 ) .

أ ) الفكر فعالية من فعاليات الانسان أساسية وأولية غير مشتقة أو ثانوية من أى فعالية أخرى أو بالنسبة لها . انه إحدى الفعاليات التى تميز الانسان عن غيره من الكائنات الحية تميزا نوعيا بمعنى أنه يقف على مستوى متكافئ من الاولية ( أو الاسبقية ) ومن الاساسية مع الانتاجية الانسانية كفعالية تتيح للانسان تحقيق حاجاته من الطبيعة . وليس من الصواب القول بأن الفكر فعالية مشتقة من الانتاجية أو فى خدمتها . كما لا يستقيم الامر القول بأن الفكر بمضامينه المختلفة انعكاس للعلاقات الانتاجية وبالتالى ذا سمة طبقية , وإن كانت بعض المضامين كذلك . فالفعاليتان الانسانيتان : الفكر والانتاجية ليستا مشتقة أحدهما من الاخرى ، أو أن أحدهما أساسية والاخرى ثانوية , ولكنهما متفاعلتان وتتبادلان التأثر والتأثير . الانسان كائن منتج يتطلب ذلك استعمال فكره لتحقيق حاجاته وتحسينها كما وكيفا مع نمو الحاجة وتزايدها وهو كذلك كائن مفكر يتطلب منه ذلك وضع انتاجه وتقدمه فى خدمة فكره وقيمه وغاياته من ذلك حب الاستطلاع الذى يدفعه للمعرفة من أجل المعرفة ذاتها . فى كلمة واحدة إنهما فعاليتان أساسيتان كل تصور غير هذا يعلى من أحدهما دون أخرى هو تصور بعيد عن الصواب .

وفى اعتبارنا للانسان بأنه كائن ذكى ذو فكر وقلب وإرادة نرتفع به من مستوى كونه جماد أو حيوانا أو رأس مال فى عملية الانتاج رخيصا أو ثمينا . ويترتب على هذا نتائج تجاه الانسان والامة والقومية والطبقية وحركة التاريخ ومنطلق تلك الحركة والحضارة والقيم . وليست الحضارة الا موقف من الانسان بما يدخل فى ذلك من فهم وتقييم يتبلور فى نظم وعلاقات وفعاليات تجسم هذا أو ذاك التقييم : إحترام رأيه وفكره وهذا هو التأكيد الصحيح للديمقراطية .

وعلى الصعيد الفلسفى ليس هذا تعبيرا عن عقائدية مثالية أو غيبية تعطي للفكر أو للمادة الوجود الاول كمقوم من المقومات الاساسية للانسان . وفى هذا اسقاط حاسم للموقفين (( المثالى )) و (( المادى )) اللذين يصران على وحدانية الفعالية و المقوم على ما بينهما من اختلاف او تناقض فى تقدير هذه الفعالية أو المقوم ، وإقامة الإنسان على انقاضهما بتعدد فعالياته ومقوماته الاساسية الاولية التى تشكل (( والوحدة الجدلية )) المكونة ل (( الشخصية الانسانية )) المفكرة المنتجة ، المريدة ، الاجتماعية التراثية .

ب)  ان الرابطة الفكرية وما تتبلور فيه من تراث مشترك وحياة عقلية مشتركة احدى الروابط الاساسية الاولية التى تقوم عليها حياة المجتمع وهى أوسع مدى وأفقا من الروابط الانتاجية - الاقتصادية .

ج ) إن الفكر الذى يعبر عنه الوعى المحرك للارادة الانسانية عامل أولى وأساسى يقف الى جانب عوامل التناقضات والصراعات الطبقية على نفس المستوى من الاولية والاساسية فى تقدير منطق التاريخ إتجاها وسرعة . بل إن التناقضات ذاتها لا تتحول إلى صراع إلا من خلال وعيها ومن خلال إصدار حكم أخلاقى برفضها ( 4 ) فتوفر عامل الوعى شرط أولى وأساسى مثل عاملى التناقض الموضوعي والارادة الفاعلة لامكان التغيير الاجتماعى . وان التناقض المفحر للصراع )) علاقة لا يمكن إلا أن تقوم إلا بين قوى بشرية مفكرة واعية مقيمة مريدة ولهذا فمن السخف ، فى اعتقادنا ، الحديث عن نناقض وصراع على مستوى الطبيعة بين عناصرها الميتة أو حتى الكائنات الحي باستثناء الانسان والانسان مثله . فلسنا ننكر تناقر شحنتين من الكهرباء من نفس النوع ولا كفاح الكائات الحية للحصول على مقومات البقاء والوجود والتقاتل فيما بينها من أجل الحياة ولكن كل هذا لا يرقى الى مستوى الصراع

لان التناقض والصراع المحرك للتاريخ مقصور على الانسان والقوى البشرية ومقصور على تحريك التاريخ الانسانى لا الطبيعى .

د ) معنى ذلك أن التاريخ ليس ركاما من الصدف والاحتملات التى لا منطق لها ولا قوانين تحدد حركتها ومعنى ذلك أيضا أن لا وجود لحتمية عمياء تقود حركة التاريخ أى عوامل قدرية تقع خارج انسانية الانسان سواء أكانت قدرية (( مادية )) أو (( مثالية )) .

حتمية التاريخ تتبع من وعى الانسان وإرادته اللتان تتماثلان مع مقومات وجوده ومتطلباتها وفعاليتها الاساسية الاولية الاخرى .

ه ) إننا لا نغالى إن قلنا إن التقدم الحضارى جعل دور الفكر يزداد فى عصرنا ليشمل كل الدوائر :

1 ) دائرة تعريف الانسان وتقييمه .

2 ) دائرة تعريف المجتمع وتحديد روابطه .

3 ) صنع التاريخ وتحديد منطق حركته .

وإن هذا ليفسر لنا حركات الاحتجاج بين الشباب الرافض فى العالمين المصنعين : الرأسمالى والاشتراكى .

جدل الانسان والصراع الطبقى : ( د. عصمت سيف الدولة : الثورة العربية ط . دار الفكر ، بيروت 1972 )

إن الانسان كائن إجتماعى بالطبع كما يقولون وهو كما رأينا جهاز الجدل فهو كائن جدلى بالضرورة ، له دائما حلول لمشكلاته .

يذكر انجلز فى رسالة منه الى بلوخ بتاريخ 21 و 22 سبتمبر 1890 : [ . . . يبدو أن التاريخ من ناحية ثانية يجسد نفسه بطريقة تؤدى الى أن تنشا النتيجة النهائية دائما من قلب تصارع إرادات أفراد عديدين كان كل فرد منهم قد راح يتصرف حسب ما تمليه عليه مجموعة من ظروف الحياة الخاصة . وهكذا تتكون هناك قوى متداخلة لا حصر لها ؛ أى سلسلة لا نهائية من القوى متوازيات الاضلاع المتداخلة فى بعضها التى تنتج عنها ، فى النهاية ، محصلة واحدة : الحدث التاريخى . وهذا بدوره يمكن النظر اليه كنتاح لقوة ، إذا ما أخذت بكليتها ، تعمل بلا وعى ولا ارادة . وذلك لان ما يريده كل فرد لوحده

يصدم بما يريده أفراد آخرون . فأما الذى ينتج من ذلك فهو شئ غير إرادى . وبهذا يكون التاريخ الماضى قد جرى على طريقة عمليه التطور الطبيعى ، وانه خاضع أساسا لقوانين الحركة نفسها . ولكن ارادات الافراد - تلك الارادات التى تجعل كل فرد يسعى لبلوغ ما فرض عليه من خلال تكوينه الفيزيقى والخارجى ، وظروفه الاقتصادية ( اما ظروفه الشخصية هو بالذات , وإما ظروف المجتمع الاقتصادية بصورة عامة ) - ولكن تلك الارادات لا تنال ما تريد ، وإنما اندمجت فى مجرى جماعى ، فى محصلة عامة .

الى أن يقول : إذ كل إرادة تسهم فى عمل المحصلة ، وهى مندمجة فيها الى هذا الحد أو ذاك . ما يحدث فى الطبيعة لا يحدث كغاية واعية سعى اليها بينما ما يحدث فى المجتمع لا يمكن إلا أن يكون له غاية واعية وهدف . الا ان تصارع ممارسات الافراد يخلق وضعا (( شبيها كليا بالوضع الذي يسود الطبيعة اللاوعية )) فاذا كان هدف الفرد هدفا اراديا فان النتيجة التى تأتى من أعمال عدة أفراد لست ارادية ولا نهائية حيث تنتهى الى نتائج غير النتائج المقصودة . وهكذا يكون للمجتمع قوانين عامة داخلية هو أيضا كالطبيعة ] .

هذه القوانين الداخلية هى انعكاس للمتناقضات الكامنة فى أسلوب الانتاج تلك المتناقضات التى تفجر الصراع الطبقى وتحدد أماكن الناس من علاقات الانتاج . ذلك هو المنطق الماركسى .

ولكننا نفضل استبدال تعبير (( الصراع الطبقى )) ب (( الصراع الاجتماعى )) للاسباب التالية :

1 ) لان مفهوم الطبقة ليس واضحا كل الوضوح ماركسيا .

2) فى الصراع الطبقى يتحدد موقف كل انسان بمصلحته فقط وفى الصراع الاجتماعي بالمصلحة العامة ( الحالية أو المتوقعة ) والوعى عليها والنضال من أجلها . لهذا يسهل تفسير كون قادة الطبقات المستغلة من العمال والفلاحين لم يكونوا من هذه الشرائح الاجتماعية بقدر ما كانوا من المثقفين أو البورجوازية الصغيرة ( ماركس ، انجلز ، لينين ، ماو ، كاسترو ، جيفارا ... الخ ) وكون الانسان يستطيع تجاوز طبقته الاجتماعية لهو مما يثبت حرية الارادة ودور الوعى .

فالصراع الاجتماعى (( أشمل اجتماعيا )) من الصراع الطبقى .

3 ) الطبقة بالمفهوم الماركسى لا تتضمن بعدا اجتماعيا قوميا ولا تفرق بين أمة مجزأة تناضل من أجل وحدتها وأمة مكتملة التكوين مما أحدث البلبلة فى أفكار الناس بين الانتماء الاممى والقومى الى حد التنكر للانتماء القومى من اجل حلم أممى لطيف ولهذا فالصراع الاجتماعى (( أشمل من حيث الساحة )) من الصراع الطبقى .

4) الطبقة بالمفهوم الماركسى تناضل من أجل (( مصالحها الخاصة )) فى حين يرى جدل الانسان ( أو الجدل الاجتماعى ) أن التقدميين لا يناضلون من أجل مصالحهم الخاصة لانه مهما تكن مصالح الناس مختلفة ومتفاوتة طبقا لقسمة العمل بينهم وللجهد المبذول من كل واحد فى موقعه فان كل مصالحهم متفقة فى الحل التقدمي لمجتمعهم حتى ولو كان البعض من الناس من العاطلين الذين لا عمل لهم ، وذلك فى فترة تاريخية معينة . ومعنى هذا أن المضمون الاجتماعى للصراع الاجتماعى محدد موضوعيا بالواقع الاجتماعى ذاته ولهذا يدور الصراع الاجتماعى حول مصالح الشعب ككل من ناحية وبين قوى التخلف من جهة ثانية حتى ولو كانوا من (( المتمركسين )) .

لهذا فالصراع الاجتماعى (( أشمل قوى )) من الصراع الطبقى .

5 ) يدور الصراع دائما حول مصالح متناقضة فى المجتمع وهو وحده أداة حل التناقضات فى أسلوب الانتاج ويجب على الناس فى مفهوم الصراع الطبقى تحديد مواقعهم على وجه يعكس المتناقضات ويتسق معها فى حين أن الصراع الاجتماعى يرى أن غاية الصراع هى تجريد قوى التخلف من أسلحتها الاقتصادية والسياسية والثقافية ... الخ التى تعيق حركة التطور . ومن هنا يتوقف الصراع على موقف تلك القوى . وهكذا نرى أن نظرية الصراع الاجتماعى (( أشمل اسلوبا )) من نظرية الصراع الطبقى .

فى ضوء هذا المنهج الجديد (( جدل الانسان )) يمكن لنا دراسة وفهم كثير من المعضلات الفكرية التى عجزت (( المادية الجدلية )) عن استيعابها دون أن تسقط فى التناقض أو التلفيقية مثال ذلك : مشكلة الاخلاق ، مشكلة الدولة ، مشكلة الامة ومقوماتها وكيف نشأت الامم عبر التطور التاريخى ؟ ومشكلة الفن ومعنى الالتزام .... الخ .

سوف نحاول فى مستقبل الايام الشروع فى تسليط الاضواء على هذه القضايا تجديدا للفكر وخروجا من المقدسات ، نعم المقدسات التى يرى البعض

أنها صالحة لكل زمان ومكان وكأنها ليست من خلق البشر

ملاحظة : بعد كتابة هذا البحث ، وقع هذا الكتاب : (( مواقف )) للفيلسوف الماركسى المتصلب لوى التيسر louis Althusser ( ط.  الاجتماعية الفرنسية , باريس 1976 ) . بين يدى فقرات حوارا جرى معه حول دور الفلسفة فى الثورة لفت نظرى منه قوله يكون الماركسية التقليدية كانت ترفض ان توصف ب (( الانسانية )) ويعلل ذلك بأن الواقع العملى يثبت استغلال الاديولوجية البورجوازية لهذا الوصف لقتل كلمة أخرى حيوية بالنسبة للبروليتاريا هى : الصراع الطبقى .

ثم قوله بأن الثوريين يعرفون بأن كل شئ يتوقف فى آخر الامر لا على التقنيات ، أو الاسلحة . الخ . ولكن يتوقف على المناضلين ، ووعيهم الطبقى اخلاصهم وشحاعتهم ، ( وكلها قيم إنسانية ) . وبالرغم من ذلك فان كل التقليد الماركسى رفض القول بكون (( الانسان )) هو صانع التاريخ لان الواقع العملى يثبت أن هذا التعبير استغل من طرف الاديولوجية البورجوازية التى تستعمله لمقاتلة أى قتل تعبير آخر حيوى وحقيقى بالنسبة للبروليتاريا : إن الجماهير هى صانعة التاريخ . ص 46 - ص 47 .

ما معنى هذا الكلام من شخص (( كالتيسر )) ؟

للقارى أن يستخلص من ذلك ما يستطيع أن يصل اليه اجتهاده وليقارنه بما صدر فى هذا البحث .

أما أنا فأقول : إنه تركيز على دور الانسان فى حركة التطور الاجتماعى ولكنه لم يصل الى تحديد قانون حركة الانسان ( جدل الانسان ) .

اشترك في نشرتنا البريدية