الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

المبادئ العامة للتحليل الهيكلي، فى اللغة والآداب

Share

الهيكلية ) أو البنيائية ( هي ترجمة للعبارة الفرنسية Structuralisme المشتقة من " Structure > بمعنى بنية أو هيكل . وهي عبارة ، كما يقول " حورج مونان " ) 1 ( ليس لها أى بعد ماورائى فى علم الالسنية وانما تعنى أساسا البناء " Construction > بالمعنى المتعارف للكلمة . وهذا البناء الذي نسميه " الهيكل " يتركب ككل بناء من عناصر أساسية وعناصر ثانوية ووجوده رهبن بالعلاقة القائمة بين تلك العناصر وخاصة الاساسية منها لذلك فان الهيكلية لا تهتم بالعناصر فى ذاتها وانما تركز نظرها على نوع العلاقات القائمة بينها . فالعنصر هو كائن غير موجود ، بلغة الوجود السارترية ، حتى ينتمى الى نظام معين هو نظام الهيكل ككل .

فالهيكلية هى نظرية شمولية استفادت منها العلوم الانسانية وخاصة فى ميدان اللغة والادب وعلم الاجناس الخ . والذي يهمنا هنا هو استعمال هذه النظرية فى ما يسميه - تودروف - ( 2 ) ومن قبله ياكبسون " بعلم الانشاء الادبي "Poetique > أو " الانشائية " باختصار حيث أن الهيكلية هي نظرية نص باعتباره موضوعا مغلقا تاما . وهي فى نفس الوقت طريقة تحليل شكلية تهتم أساسا بالهيكل التعبيري ) الدال ( والهيكل السيمنطيقى ( شكل المحتوى أو المدلول ( ولكن لا يمكن فهم هذه النظرية بمعزل عن فهم المبادىء الاساسية للالسنية الهيكلية و " علم العلامات " Semiologie و " علم الدلالات "Semantique > إذ أن الهيكلية ربيبة للعلم الاول

ومستفيدة إلى حد بعيد من العلمين الآخرين . ثم ان النصوص الادبية هى نتاج لغوي قبل كل شئ ، ومعرفة اللغة شرط من الشروط الاساسية التى ضبطها (تودورف) ناقلا أغلبها عن " بنفنيست " Benveniste * ليمكن اعتبار اى تحليل علمي للادب تحليلا هيكليا ، وذلك في قوله : " ان معرفة الأدب ومعرفة اللغة أمران متلازمان .

ولا يمكن التحدث عن النص الادبى الا بالمقياس الذى نستطيع أن نتحدث به عن الكلمة فعل : " Verbe " بصورة عامة . وكذلك العكس اذ انه مكون من الكلمات " ) 3 ( .

بل ان تودورف يجعل ظهور علم " وظائف الاصوات " phonologie) ) رمزا لظهور الهيكلية فيقول : " لقد ظهر علم وظائف الاصوات ) فنلوجيا فى اليوم الذي توقفنا فيه عن وصف الاشكال المختلفة لنفس الصوت وصفا مفصلا فى تقطيعاته المختلفة Articulation > ، ذلك اليوم الذى سلمنا فيه بوجود صوت مطلق هو الصوتم " Phoneme * الذى ينتمي فى واقعه الى نظام ولا يمكن اعتباره فى حد ذاته

ويجوز أن نقول فى هذا اليوم : " إنه رمز لولادة الهيكلية " ) 4 ( .

وعلى وظائف الاصوات هو شعبة من شعب الالسنية الهيكلية التى كان باعثها الاول العالم السويسرى " فارديناند دوسوسور " خاصة فى كتابة دروس في الالسنية العامة " الذي جمعه ونشره بعد موته عدد من تلامذتة فى سنه1916 ثم توالت بعده الدراسات التى انطلقت من ملاحظاته الهامة مستفيدة من تقدم علم الدلالات . حتى استوى لنا علم الالسنية او كاد واصبح يؤثر في مختلف العلوم الانسانية بمناهجه العلمية

وقد انتشر علم وظائف الاصوات خاصة عن طريق مدرسة براغ وعالمها تروباتزكي خصوصا فى كتابه " مبادئ علم وظائف الاصوات " . تم تشعبت الى ثلاث شعب هى

- شعبة المدرسة الهيكلية الوظائفية مع مارتينية " .

- شعبة المدرسة التوزيعية مع " بلومفيلد " ) فى أمريكا ( .

- شعبة المدرسة التحويلية - التوليدية مع تشومسكى . إن " علم الدلالات "Semantique > هو " دراسة منهجية للكلام من زاوية معانى الكلمات " كما جاء فى قاموس " روبار الكبير ويرى " بارتيل ما لمبورغ " ان علم الدلالات هو " دراسة الشروط التى يجب توفرها فى " الاشارة " حتى تكون حاملة لمعني " ) 5 ( فهذا العلم هو اذن جزء من علم أشمل هو علم العلامات ( أو السيميوطيقيا " حسب التسمية الامريكية ( الذي عرفه " سوسور " في مقدمة " الالسنية العامة بكونه علما يدرس حياة الاشارات ضمن الحياة الاجتماعية " . وقد بسط " كندراتوف " ) 6 ( هذه النظرية فى كتابه " الاصوات والاشارات " وعرفها بأنها نظرية الاشارات والرموز وهي تدرس لغة الانسان والحيوان وغيرهما من النسق الاشارية والرموز مثل علامات المرور . وأساليب العرض فى الواجهات ، والفرق بين الاشارة والعلامة حسب " كندراتوف هو أن العلامة دالة طبيعية تعلمنا بوجود شئ ما ولكن دون أن يكون ذلك مقصودا . فالدخان علامة على وجود النار مثلا ، أما الاشارة فهي علامة اصطلاحية ، يقع الاتفاق بين مستعمليها على المعنى الذى سيعطى لها

فالاشارة اذن هى موضوع علم الدلالات وهى حسب سوسور الوحدة الكامنة بين مفهوم ما " Concept > " وصورة صوتية سمعية < Image Acostique<ويمثل المفهوم ما سماه بالمدلول  Signifie " . " وتمثل الصورة الصوتية - السمعية ما سماه بالدال : " Signifiant >

الاشارة =       مفهوم=       مدلول

صورة صوتية - سمعية دال

ويرى " سوسور " أن العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية فلا شئ فى لفظة " كرة " ، مثلا يدل على الكرة لا من حيث الشكل ولا أى شئ آخر . ولعل " سوسور " كان يقصد الاشارات غير الرمزية وخاصة منها

الاشارات الصوتية بصريح عبارته " دال محدد بصورة اعتباطية ضمن كتلة صوتية " ) 8 ( وذلك أن بعض الاشارات التى يسميها " كندراتوف " رموزا ، وتكون العلاقة فيها بين الدالول علاقة داخلية " Intrinseque " فعندما نرى مثلا رسما لعظام ميت على آلة كهربائية فان ذلك لا يمكن أن يعنى ألا الموت . بل حتى في الاشارات الصوتية نجد أحيانا نوعا من المنطقية الداخلية بين الدال والمدلول وذلك فى الكلمات التى هى محاكاة لبعض الاصوات مثل دقيق ، زقزق ، تكتك في العربية و " Chuchoter > فى الفرنسيه

وما اللغة الا نظام من الاشارات وقد تكون الاشارة فيها صوتا أو كلمة أو جملة . وقد تكون نبرة أو تنغيما معينا فى النطق . غير أن الاشارة كما عرفها " سوسور " ، تنطبق على الكلمة أكثر من سواها ولكننا لا نستطيع ان ندرس معنى الكلمة الا اذا كانت داخل سياق معين أو نظام نسميه نحويا بالجملة المفيدة وهى أبسط شكل لملفوظ " enonce * إذ لا تتركب الا من العناصر المكونة " elements constitutifs > أى العناصر الاساسية مبتدأ + خبر أو فعل + فاعل ( + مفعول به ) .

ومن هنا جاء التفريق الهام الذى اقترحه " سوسور " بين اللغة " Langue " والعبارة " Prole " فاللغة مطلقة ونظرية ، لذلك فهى اجتماعية أما العبارة فهي ما يتحقق من اللغة بالاستعمال وهي لذلك فردية

وهذه الملاحظة الهامة هي التى أهملها المعجميون عندما أرادوا تحديد معانى الكلمات فى غير سياق نستثني في العربية لسان ابن منظور اذ كان يورد أمثلة من الشعر والامثال والقرآن التى وقع فيها استعمال الكلمات المشروحة . ( . . وقد قال " لوسيان صباغ : " ان المعنى لا يمكن أن يبرز الا من سلسلة مهيكلة . . " ) 9 ( .

أما فورين " ) 10 ( فيفرق بين المعنى الظرفى " Occasionnel > المعنى المألوف " Usuel فالاول هو محتوى وحدة معينة فى وضع معين . والثاني هو المعنى المشترك أو المطلق . فالكلمة عند " نورين " لا يمكن أن تكتسب نفس المعنى الظرفى مرتين اذ لكل وضع خصائصه .

وبما أن اللغة هي نظام اشارى خاص فانها تخضع لوجود ثلاثة عناصر هى : 1 ( الباث " emetteur > : وهو الذي يصدر نظاما صوتيا معينا 2 ( الملفوظ "  " enonce > : أو الرسالة " message > وهي محتوى النظام  الصوتى من الاشارات التى يريد الباث ابلاغها الى طرف ثان هو المتقبل 3 ( المتقبل " recepteur > وهو الذى يتقبل الرسالة من الباث ويقوم بفك شفرتها " decodage > ليفهم محتواها السيمنطيقى

والى جانب هذه العناصر الاساسية يجب أن نذكر الوضع الذى وقعت فيه عملية البث والتقبل " situation > غير أن الدراسة الهيكلية للغة تخرج من حسابها الباث والمتقبل والوضع ولا تهتم الا بالرسالة وبكل ما يندرج ضمنها وهذه الدراسة وصفية تكتفى بوصف ما هو كائن بالفعل ولا مجال فيها " لما يجب أن يكون " أو " لقل ولا تقل " فليس للالسنى أن ينقلب الى واعظ لغوى أو شرطي ينبه دوما الى الجادة المرسومة . وانما هو ملاحظ يصف بصدق ما هو قائم بالفعل محاولا تفسيره ورده الى عوامله الاصلية . فالدراسة الهيكلية اذن هي دراسة آنية " Synchronique > تهتم بموضوعها فى لحظة من لحظات تغيره أى أنها دراسة أفقية مقطعية لموضوع ثابت فلا تهتم بالعمق التاريخي والتطور عبر الزمن " diachronie > ( أو الزمنية ( أى البعد العمودى . وهي لا تبحث عن الاسباب " les causes > وانما تبحث عن المبررات < les raisons التى تتحكم فى نظام معين  . "

وهذا المبدأ هو الذي أثار الخصام مع الماركسيين غير أن هذا الخصام قد انتهى الى نوع من الوفاق عبر عنه " لوسيان صباغ " فى كتابه : " الماركسية والهيكلية ففي الواقع لا يمكن أن يكون هنالك اختلاف جوهرى بين الوجهتين بل نلمس بالعكس نوعا من التكامل . فعندما يلح الهيكليون المتطرفون على نفي البعد التاريخي العمودى ويؤكدون أن دراستهم هى دراسة آنية أفقية ، فانهم ينسون أن كل مقطع أفقى له بعده العمودى مهما نقصت أهميته اذ أن المقطع الذي انحصروا فيه هو فى الواقع نقطة التقاء بين الخط العمودى والخط الافقى وبالتالى تكون له زمنيته مهما كانت محدودة ولا بد من اعتبارها عند التحليل . كما أن الدغماتيين من الماركسيين ينسون انه لا يمكن لنا أن نفهم العملية التاريخية في دراسة نظام معين دون أن نتعرف على طبيعة ذلك النظام فى اللحظة التى ندرسه فيها .

ولذلك فاننا نوافق " لوسيان صباغ " عندما يرى أن الهيكل الذى يكشفه التحليل لنموذج خاص لا وجود له خارج أفعال البشر التى هى موضوع الدراسة التاريخية ، ولا مجال لمثالية هيكلية من شأنها أن تجعل من الهياكل مجرد أشكال خارجة عن التاريخ الواقعى للمجموعات الواقعية " ) 11 ( بل ان " فلادمير بروب " نفسه فى دراسته الهيكلية لحكايات الجن الروسيه قد أكد أنه بالامكان أن ندرس المظاهر والأشياء المحيطة بنا سواء من حيث أصولها أو من حيث عملية تطورها ولكننا " لا نستطيع أن نتحدث عن أصل ظاهرة ما مهما كانت قبل أن نكون قد وصفناها . . " ) 11 ( .

ونعود الى الملفوظ(أو الرسالة) لنلاحظ أنه يتكون من عدة مستويات ادناها الصوتم " Phoneme > وهو أصغر وحدة صوتية تمييزية ولا يمكن ان يفيد شيئا فى ذاته . فهو على حد تعبير " صباغ " فى نفس المرجع " اشارة ذات وجه واحد ، أى دال بلا مدلول . " وانما يكتسب الصوتم معنى بانتمائه الى نظام صوتى معين وذلك بدخولة فى علاقة تفارقية أو تقابلية مع غيره من الصواتم . فالصوتم وحده لا معنى له ، أما إذا دخل فى تركيبة واحدة مع الفتحة والصوتم " ت " متبوعا بفتحة كذلك والصوتم " ب " متبوعا بتفحة ) كتب ( فانه يكسب معنى اصطلاحيا ، وهذا المعنى يمكن توليده الى عدة معان بحسب تبادل الحروف بأماكنها ) وأول من لاحظ هذه الحقيقة الخليل بن أحمد فيما سماه بمبدأ التقليب ( كيت ، بكت ، تكب ، بتك . الخ . وبعض هذه الالفاظ كما يقول الخليل مستعمل وبعضها مهمل ، يمثل الرصيد الاحتياطي للغة .

والمستوى الاعلى من الصوتم هو اللفظم >moneme ، وهو يتركب من صوتمين أو أكثر ، تفيد معنى ضمن كلمة أو تكون كلمه بذاتها مثل " هل " التى هى لفظم يكون كلمة تامة المعنى أما كلمة " ضربنا " فتتكون من لفظمين هما " ضرب " و " نا " فى حين تتكون كلمة " ضربتها " من ثلاثة لفاظم هى : ضرب ، ت ، ها .

والمستوى الثالث هو مستوى اللغة وهى أتم هيكلا من اللفظم اذ تتركب من لفاظم وصواتم ، وتدخل فى علاقات خاصة مع غيرها من الكلمات لتكون معها المستوى الموالى وهو مستوى الملفوظ الادنى أى الجملة البسيطة

كما سبق تعريفها ، وهي تتابع منطقي لمجموعة من الكلمات بسيطة الهيكل واضحة التركيب اذ تخضع الى قواعد مضبوطة ومحفوظة فى علم النحو

ولكن التعقيد ينتج عندما نتنقل الى أعلى مستوى : وهو " النص " le recit الذي هو سلسلة من الجملة لا تخضع فى ترابط عناصرها الى أى قاعدة مسبقة . وبالتالى فاننا لا نستطيع أن نطرح المسألة : " كيف يجب أن يكون النص ؟ " كما هو الشأن فى النحو . وانما نقتصر على وصف ما هو كائن بالفعل لتحديد نوع العلاقات القائمة بين عناصره المكونة للتعرف على " أدبيته " litterarite > ( أى الخصائص التى تجعل من النص نصا أدبيا ( وللكشف عن هياكله الاساسية . ومن هنا تنتهى مهمة الالسنية لتبدأ مهمة علم الادب الهيكلى

ويمكن فى ختام هذا العرض أن نلخص أهم المبادىء التى بشرت بها الالسنية الهيكلية فى النقط التالية :

1 ( اللغة نظام من الاشارات ، ودراستها هى دراسة سيممنطيقية فى جانبها الكبير .

2 ( لا دخل لاى عنصر اجنبى ) كالباث والمتقبل والوضع ( فى دراسة الرسالة اللغوية ) يمكن تسميتها كذلك بالبلاغ اللغوي ( " message linguistique

3 ) ضرورة الوعي بوجود نظام معين . فهى لا تهتم بالعناصر المكونة للرسالة اللغوية بصفة منعزلة وانما تنظر اليها ككل مترابط بواسطة شبكة من العلاقات .

4 ( تتكون الرسالة اللغوية أو الملفوظ من عدة مستويات يتحدد كل منها بوظيفته ضمن المستوى الاعلى

5 ( ان العناصر المكونة للنظام المدروس لا قيمة لها فى ذاتها وانما تتمثل قيمتها فى العلاقة القائمة بين تلك العناصر اذ على تلك العلاقة يتوقف تركيب الهياكل وقيامها بوظائفها .

6 ) ان الدراسة الهيكلية للغة هي دراسة آنية " synchronique > لا تهتم بالبعد التاريخي كعنصر محدد .

وقد تبنت الانشائية الهيكلية هذه المبادئ الاساسية وحولتها الى حسابها الخاص فكانت لنا المبادىء الاساسية الدالية فى التحليل الهيكلى للنصوص الادبية .

1 ( النص الادبى هو نتاج لغوى قبل كل شئ . لذلك فان دراستى هى دراسة لغوية بالدرجة الاولى ، ولا مجال فيها للتأويلات الماورائية أو الخارجية عن نطاق اللغة .

2 ( ان النص الادبي يمثل وحدة مغلقة تامة ، ودراستها يجب أن تتم داخلها وذلك بتحليل معطياتها الخاصة بها ووصف القوانين التى تتحكم فى تركيبها وتوضيح كيفية عمل هياكلها وتمفصلها ببعضها البعض

وبالتالى فان الهيكلية تعتبر وجود تناقض هام بين الملفوظ enonce وعملية التلفظ " Proces  denonciation > ( باث - متقبل - وضع غير أن " تودوروف " يحتج على هذا الموقف قائلا : " ان جميع العناصر المكونة لعملية التلفظ تستطيع أن تشارك في تغيير ما يطرأ على مفهوم الملفوظ(12) ويتساءل ) 13 ( : كيف أمكن للنظريات الالسنية ان تتغاضى عن المظاهر المعنوية التى تفيدها عملية التلفظ فى دراسة المعانى التى يفيدها الملفوظ ؟ !

ويرى أن بسبب ذلك يعود الى انطلاق هذه النظريات من العبارة المنطوقة لا المكتوبة وهى نوع خاص من النتاج الادبى وليست مطلقة

ويمكن الاستدلال على ذلك باستعمال " ياكبسون " مثلا لالفاظ تدل على النطق لا على الكتابة مثل : باث ، متقبل ، وضع ، مباشرة " contact > . وهى عناصر تكون جميعا حاضرة أثناء انتاج العبارة المنطوقة ولكنها تغيب عندما نواجه العبارة المكتوبة .

فإذا كان حضور جميع عناصر عملية التلفظ خارج الملفوظ في حالة النطق تستدعى غيابها فى داخله ، فانها فى النص المكتوب تعبر عن غيابها الواقعى بوجود محسوس بدرجة خاصة . وهذا هو السبب الذي من أجله لا نستطيع فى دراستنا للادب أن نهمل عملية التلفظ

وقد أيد تودوروف هذا الرأى بدراسته للادب الروائى الذى جاء فى شكل رسائل مثل دراسته للعلاقات الخطيرة les laisons dangereuses وبالفعل فان رأى تودوروف ينطبق خصوصا على النصوص المكتوبة فى شكل رسائل أو تراجم أو تراجم ذاتية

أما في النصوص الاخرى فان دور عملية التلفظ هو دور ثانوى جدا بحيث لا يمكن اعتباره اذا اعتمدنا قانون الهيمنة " dominance وهو من القوانين الهامة فى الدراسة الهيكلية .

3( للنص عناصر مكونة أساسية وعناصر ثانوية ، وموضوع الدراسة الهيكلية ليست تلك العناصر في ذاتها وانما نوعية العلاقة التى تقوم بينها وطبيعة القوانين المتحكمة فيها . ويسمى " بروب " تلك العناصر الاساسية " الوظائف " فى حين يسمى العناصر الثانوية " صفات "attributs ويرى أن النص الادبي يخضع الى تركيب آخر ومستوى آخر هو ذلك التسلسل القائم بين الوحدات المعنوية " sequences > ( وقد يتركب النص من وحدة واحدة ( والدراسة الهيكلية تحلل النص المركب الى وحداته المعنوية أولا ثم الى هياكله الاساسية ثانيا

4 ( بما أن الدراسة الهيكلية للادب هى دراسة لغوية بالدرجة الاولى فانه يجب التعمق في الكلام المستعمل . وهنا تبرز مسألة ذات أهمية كبيرة وهي مسألة " المعانى الحافة " connotation > المعاني الخارجة أصلا عن الكلمة ولكنها علقت بها أو حفت بها ، ولذلك نسمهيا بالمعاني الحافة ، ومعرفتها ضرورية حتى نستطيع أن نفهم كل ما حواه النص ولا نهمل منه أى جانب

وعبارة " 14 ) connotation ) كان لها معنيان أساسيان : الاول عند " حيمس ميل " James Mill >ويقصد بها تقريبا signification أى الدلالة والمعنى . والثانى عند " بلومفيلد " وتعني : الاتحاد الثابت بين معنى ثانوى ملحق والمعنى الاساسي . أما " L . Hjelemslev " فقد استعمل نفس المصطلح وأعطاه معنى جديدا ليجعل كل دال لغوى حاملا لمعان حافة .

ان الكلمات ، ليس لها نفس المحتوى الاول ولكن لها محتوى ثان ات من الثقافة والعقلية التى تنتمى اليها الامة الناطقة لتلك اللغة والذى نسمية معنى حافا (15) ويذهب ماركوز الى انه " لكل طبقة اجتماعيه لغتها الخاصه من حين المعاني الحافة ، وان تشابهت الالفاظ " ) 16 ( أما " تودوروف " فانه ينقل المعاني الحافة إلى مستوى الاشياء ولا يجعلها تابعة من اللغة لذلك ينفى عنها الاعتباطية والتصرف الفردى فيقول : " نتحدث عن المعنى الحاف كلما كان شئ ما " objet يحمل وظيفة أخرى غير وظيفته الاوليه ) 17 فالأشياء تكون حسب تعبيره نظاما تعبيريا أو لغة تظهر داخلها المعانى الحافة

ولنذكر مثلا لذلك مستمدا من تراثنا ومن حكايات أيام العرب بالذات فقد كانت قبيلة تعد العدة سرا لمهاجمة قبيلة أخرى فاكتشف امرهم احد المارة وخوفا من فضحهم استحلفوه ألا يذكر شيئا مما رأى . ولكن الرجل تمكن من استعمال لغة جديدة تبلغ القوم بما يدبر ضدهم وتلزمه بقسمة فى نفس الوقت . وذلك بأن أرسل اليهم إناء من اللبن وحفنه من الحصى وحبة من الحنظل . وقد استطاع حكيم القوم أن يترجم تلك الاشياء الى لغة فاذا اللبن بالاعتماد على طعمه يحدد مسافة العدو ، والحصى يخبر عن كثرة عددهم وحبة الحنظل تعلن عن وجود مقاتلين من بني حنظلة ضمن المهاجمين

هذه اذن أهم المبادئ التى تعتمدها الانشائية فى معالجتها للنصوص الادبية من وجهة هيكلية وسوف نتعرض بالبحث فى الفصل القادم الى مسالة التحليل الهيكلي للنصوص الادبية " أو ما يعرف بالدراسة المرفولوجيه للادب التى ابتدأت بكتاب " فلادمير بروب " الصادر سنة 1928 بعنوان : " مرفولوجية الحكاية " . وهو كتاب ظهر أولا بالروسية ثم نقل الى لغات عديدة ولعب فى علم الادب الدور الذى لعبه كتاب " الدروس " لسوسور " فى علم الالسنية

اشترك في نشرتنا البريدية