لقد تنبه المتمدنون فى العالم الحديث الى فن الآثار . فجعلوه علما مستقلا بذاته . واعطوه اهمية خاصة فى تصحيح وقائع التاريخ القديم . وسعوا الى الكشوف الاثرية وجدوا وما بالوا بالعقبات التى تقوم امامهم ، حتى استطاعوا استكشاف الكثير من مدنيات بائدة مجهولة ومدن وقوات واسلحة ودروع وألبسة وادوات زينة ومرافق عمران واقتصاد وحكم ونقود وعلوم وفنون وقوانين وخطوط ورموز . وقد درسوا كل ذلك دراسة واسعة دقيقة استمرت مدة مديدة فكان لنا منها ميلاد علم الآثار ، وكان لنا من ميلاده خير وفير لتصحيح الوقائع ، وتدقيق الحوادث . واستيعاب الوان الحضارات الفائنة على حقيقتها الماثلة فى تراثها المطمور قبلا ، المنبوث كثير منه حالا . وقد افاد علم الآثار فى تمحيص بعض وقائع التاريخ على نمط واقعى صحيح .
ولا يزال القوم يسعون فى استكمال وجوه نقصه بنتابع الدراسة وتوالى البحث والتنقيب فى اعماق الارض وسفوح الجبال وشواطى الانهار والغدران والوديان واعماق الصحراوات والفقار والبحار .. وقد اصبح امكاننا اليوم ان نرى مطاعم الفراعنة ومرا كبهم وادوات زينتهم والوان حياتهم بل واصبح فى امكاننا ان نشاهدهم بذواتهم المحنطة ، فنصحح كثيرا من الخرافات السائدة عن اجسامهم واحجامهم ، واصبح من الميسور لنا ان نفهم آمالهم وآلامهم بما فهمناه من خطهم الهيروغليفي ورموزهم المحفورة ورسومهم المنقوشة على نواويسهم وآثارهم .
وقد اخذت مصر من الاثريات بنصيب الاسد بين اقوام الشرق الاوسط فكانت غنية بما اكتشف من آثار حضاراتها القديمة من ايام الفراعنة حتى عهد الاسلام وقد كان لهذا النتاج الضخم بمصر اثر بارز فى حفز الهمر الى الاشادة كما شاد الاوائل ، والى استعادة المجد المفقود ، والاستقلال المنشود . وقد عنيت مصر بآثارها عناية رائعة . فشادت لكل قبيل ولون متحفا يتناسب مع ضخامته وكثرة موجوداته ، ونسقت الآثار تنسيقا بديعا جميلا . وفتحت للباحثين والطالبين ابواب هذه المتاحف فى ساعات معلومة من النهار ، مقابل أجر زهيد يساعد على تنظيمها ولا يؤود جيوب الداخلين .. للآثار الفرعونية متحف ضخم قائم بذاته . يجمع كثيرا من هياكلهم وتوابيتهم الذهبية ومركباتهم الذهبية الزاهية وبيوتهم الذهبية الرائعة وقلائدهم واسورتهم وادوات زينتهم ومرافق حياتهم وحتى اجسامهم المحنطة قد وضعت بهذا المتحف العظيم . هى مدنية امم واجيال وقرون خالية استخرجت من عدة مناطق بالقطر المصرى وجمعت منسقة فى هذا البيت الاثرى .
ولقد شاهدت فى هذا المتحف الهائل عجائب ما كان لى ان امر بها دون ان اشير اليها ولو اشارة مقتضبة .. شاهدت فيه "معجن خبز" له نحو اربعة الآف سنة وهو نفس المعجن الذي لا يزال الفرانون لدينا يستعملونه حتى اليوم . وشاهدت فيه "خبزا مستديرا " محنطا من القمح له نحو خمسة آلاف سنة . وبدون تامل ادركت انه مثل الخبز البيتي التى تصنعه ربات البيوت عندنا فى هذه البلاد تماما وشاهدت فيه "قدحا خشبيا" هو ما يستعمله بعض القوالين فى مكة وجدة
والمدينة وشاهدت فيه "منقل الخبز الى الفرن" فإذا به مثيل لما عندنا منه اليوم انه رمح خشى مستدير ، ثبتت فى رأسه خشبة مستديرة يوضع عليها الخبز ليلقى به الفران في جوف الفرن الملتهب ، وهناك "ملاعق خشبية" كالتي بصنعها تجارونا تماما وهناك "قلائد" من زمرد وذهب وادوات زينة وعطور ومكاحل شبيهة بما يستعمل اليوم فى مختلف انحاء العالم مما يبرهن على مبلغ اقتباس الناس من حضارة المصريين الغابرين وهم يعلمون أو لا يعلمون.
وهناك ادوات الحرب من سيوف اشبه بسيوف المغرب المستقيمة النصول وخناجر ولجم وسروج . لا تزال اشكالها كما هى فى العالم حتى اليوم وغير ذلك كثير ، مما يرهن لنا عن مدى تفتق عقلية الاولين وعبقريتهم وان كثيرا مما نخاله لايمت الى الاجيال السحيقة بصلة لانقطاع أسباب الاتصال بيننا وبينهم ، مايزال ذا صلة وثيقة بهم وان جهلنا ذلك
وهناك دار الآثار العربية وقد نظمت اثار العرب بها على طراز شائق وقد استفادت مصر من مدينة الفسطاط القائمة اطلالها بجوار القاهرة المعزبة ، حيث كان الصحابة والتابعون يقطنون ، وعلى ذكر مدينة الفسطاط هذه اقول انى قد زرتها عام ١٣٦٨ ه مع صديق . وتاملت فيها وفي بقايا دورها وعماراتها وازقتها وشوارعها فاذا هي نسخة طبق الاصل من شكل المدينة المنورة على ما نعرفه فى عماراتها العتيقة الباقية للآن خصوصا فى حارة الاغوات . فالأبواب ، والنجف وطريقة البناء وتصميم البناء والمصاطب المبنية امام البيوت وقنوات مياه الآبار وضيق فوهات الآبار والأزقة وتلويها وتعرجها، والشوارع وضيقها وتلوها وحتى الطوب وحجمه وطريقة البناء به، وحتى النوافذ والتقاسيم الداخلية للبيوت، وحتى القاعات والأسباب الموصله فيما بين الغرف فى كل منزل كل هذه الأشياء فى الفسطاط صور طبق الأصل لما شاهدته وشاهده الناس بالمدينة ولما دونته فى كتاب "آثار المدينة المنورة " خاصة بحارة الأغوات التي هي اقدم حارة فى البناء بالمدينة المنورة . وفي دار الآثار العربية تجد المصاحف الخطية القديمة النادرة واسلحة العرب وأدوات زينة الأسلاف ومرافق حياتهم ومظاهر مدنيتهم مائلة امامك مصفوفة على طراز أخاذ .
وان أنس لا أنس العمود المرمري المنقوش بروائع النقوش العربية ، الملونة ، والذي له صمام إذا فتح انطلقت من اعلاه فوارات مائية دقيقة لينزل ماؤها الى صحن مرمرى جميل ملتصق به وقد ثقب هذا العمود ثقوبا فنية دقيقة موزونة من غير ان يكسر او يقسم الى قطع .. صناعة عربية مدهشة وقال لنا المؤرخون : ان الصحابة كانوا يكتبون القرآن على عظام الجمال واكتافها . وقد شاهدت فى دار الآثار العربية كتف جمل يكاد يبلى من القدم وقد كتب عليه سورتا الاخلاص والمعوذة الاولى بخط عتيق غير منقوط . وقرأنا فى اشعار العرب جاهلية واسلامية عن المصباح العربى ذي الذبال المفتل ولكنا لم نره فيما قبل وإنما شاهدته كما هو فى هذه الدار فاذا هو ابريق صغير على قدر كوب الشاى صنع من الخزف المطلى بالخضرة الزاهية وله فم توضع بداخله الذبالة القطنية المفتلة ليخرج طرفها من طرفه الذى يشعل ، وله حلق مستدير يصب فيه الزيت الذى يستضاء به . وسمعنا بحديث الدروع الداودية وبحديث المغافر التى تغطى الرأس ساعة احتدام المعارك وما رأيناها .. وسمعنا عن التروس الجلدية والحديدية وما رأيناها .. غير انى قد شاهدتها جميعا فى دار الآثار العربية . ولا تقتصر المتاحف هناك على الآثار الانسانية وحدها . بل ان للحيوان متحفا بحديقة الحيوان .
وهناك المتحف الصناعي والمتحف الزراعي والمتحف الحربي والمتحف الصحى الى آخره .
وبعد فما احوجنا الى الاقتباس من غيرنا فيما يجدى وينفع وما احرانا بالعناية بالكشف عن آثارنا وتنسيقها وتنظيمها وبناء متاحف خاصة لها تكبر تدريجيا وتتسع شيئا فشيئا . وان بلادنا لمليئة بالآثار . وقد كان الظن بها انها خلو من مقومات المدنية الحديثة بالكلية . فاذا بالذهب الاسود ، شريان الحياة اليوم ، يفيض من جنباتها ، ولا غرو فانها مهد البشرية كما سجله التاريخ المكتوب ودات عليه اوليات الكشفيات . فاذا كانت كذلك فانها مليئة بالآثار ومفعمة بمآثر الحضارة الانسانية المطمورة فى وديانها وصحاراها وفي قفارها وضواحي مدنها وقراها وجبالها .
وبذلك سيكون التنقيب عن هذه الآثار ذا فائدة لنا ، ماديا ومعنويا قد توازى او توشك ان تدانى فوائد التنقيب عن الذهب والزيت والمعادن ذلك لان فى الآثار المطمورة معادن وآثارا اثمن من الذهب والزيت اذا كشفت ودرست ونظمت . فبودنا اذن ان تؤلف لجنة اثرية لدينا ينط بها هذا الأمر وتمنح من السلطة والمساعدات والشجيع المادى والمعنوى ما يهيء لها جوا صاحا من العمل المنتج . ومن الخير اذن ان يناط امر هذه اللجنة الى إدارة المعارف العامة ، وان تفتح لها الاعتمادات المالية السخية .. وان ما تجنيه مصر وغير مصر اليوم من دور الآثار بها من فوائد مادية ومعنوية لا تحصى، لخير لها وللبشرية بكثير مما لو بقيت آثارها مطمورة تحت الارض لا يلقي لها بال ، ولا يهتم لها بحال .
