الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

المتحف والمجتمع ، فى نيجيريا

Share

الثقافة الاسلامية التقليدية

قبل أن اتصدى لدرس هذا المشكل الحيوى المتعلق بحرية الجامعات بافريقيا الغربية بودى أن ألفت الانتباه فى سرعة الى التأثير العظيم الذى تتمتع به الطبقة الاسلامية المثقفة والى التاصل الثابت للثقافة الاسلامية والعربية في نيجريا الشمالية. فمنذ العهد الذى كان يهيمن فيه ملوك صنقاي Songhai على امبراطورية تمتد من الشاطئ الاطلسي غربا الى أبواب كانوا سيتى Kanocity شرقا، بث المثقفون المسلمون القادمون  من صنقور Sankore وجنا Jenna  ثقافتهم فى كل انحاء السودان الغربى فنشا من هذا الوضع علماء نيجيريون نذكر من بينهم عثمان. دان.

فوديو والسلطان بلو. ومن حسن الحظ ان احتفظت لنا مكتبة المعهد الجامعى فى ابدان باكثر من خمسين مؤلفا للسلطان بلو تحتوى على بحوث فى مواضيع شتى. ولنا اليوم فى نجيريا الشمالية علماء درسوا الكلام والفقه الاسلامى، وهم الذين يدبرون اليوم الحياة السياسية والاجتماعية فى هذه المنطقة من البلاد.

أما السنن الجامعية الغربية فلا تزال حديثة بنيجيريا وقبول النظم التربوية الغربية قريب عهد فى نيجيريا الشمالية. لهذا لايتيسر لنا الآن الا أن نتعرف على مقدار تأثير الثقافة الاسلامية التقليدية على حرية هذا النظام الثقافي ومسؤوليته. انى لا أشك فى أن هذه الثقافة ستؤثر فى مستقبل الايام فى نيجيريا الشمالية. ما هو الاتجاه الذى ستسير فيه هذه الثقافة؟ هذا مما لا يمكن لى أن اتكهن به.

تأثير معهد فوراه باى

لا بد من أن نشير هنا الى أن معهد فواره باى قد تكفل طيلة قرن أو يزيد - قبل انشاء معاهد الجامعة الجديدة بغرب افريقيا - بانجاب العناصر الاساسية اللازمة للتكوين الجامعى منذ ثلاثة أجيال في غرب افريقيا.

وكان مؤسس هذا المعهد "جمعية ميسيونرى شورش"

Church missionary Society سنة 1827. ثم انضم الى معهد درهام سنة 1876 وأعد طلبته لدبلوم "الباكالوريا فى الفنون". فمععهد فواره باى هو أول مؤسسة غرب افريقية ضمت - ولا تزال تضم - طلبة معظمهم من جميع انحاء افريقيا الغربية البريطانية. فلقد تثقف فيه وتخرج منه عدد عديد من الرؤساء والمثقفين الممتازين بهذه الجهات، ويحسن أن نلاحظ - من الوجهة التاريخية ان الاعضاء الثلاثة فى لجنة التعليم العالي بافريقيا الغربية هم من قدماء طلبة معهد فوراه باى وهم: عضو من ساحل الذهب، وثان من نيجيريا وثالث من سيرا ليون Sierra Leone

المثقف النيجيرى

لا يختلف العالم النيجيري اختلافا يذكر عن زملائه بالغرب اذا ما اعتبرنا اتجاهه العقلي ونظرته الثقافية. فهو قد تكون علميا حسب التقاليد الجامعية البريطانية والاوروبية والامريكية. فالعالم النيجيرى، كزميله الغربى يؤمن صادق الايمان بمبدا الحرية الثقافية وهو متعلق ثابت التعلق بحرية التعليم والبحث المستقل.

الا ان المثقف النيجيرى نيتجة التقاليد الجامعية الغربية ونتيجة فريدة فى الوقت نفسه لسنة اجتماعية وثقافية يعوزها الانسجام والوحدة الاساسية ففى نيجيريا - حيث الشعور القبلى أو القومى يساوى فى ثبوته - أو يفوق ثبوت الاخلاص الذي يكنه الناس نحو مهنة أو اتجاه فطرى لاتزال سنة الحرية الثقافية - أو مبدأ الحرية الثقافية - غير ثابتة ثبوتا يمكن معه الوقوف في وجه مقتضيات القبلية وملابساتها المهيمنة هناك.

لذلك قد يكون من الصعب فى بلاد ترمي فيها الادارة المتركبة من أجناس عديدة بالتمييز العنصرى أن لاتتهم ادارة افريقية خالصة بالافراط فى تفضيل الاقربين وبالعصبية الثقافية. وهذا الوضع لا يقل خطره على الحرية الثقافية فى نيجيريا وفي افريقيا الغربية عموما، عن خطر التمييز العنصرى فى انحاء أخرى من افريقيا. ومن حسن حظنا - نحن النيجيريين - أن كان لنا دستور يفرض علينا "تشجيع جميع الطبقات وكل المجموعات بدون تفرقة عنصرية كي تتبع سياسة تحررية في التعليم". ولقد كان قبول الطلبة وتعيين الاساتذة في أبدان أسطع دليل على تطبيق هذه الوصية المسجلة فى دستورنا الا أن قصور عدد عديد من المثقفين النيجيريين عن الاقلاع عن الحزازات العنصرية قد يكون سببا فى خرق الدستور، وفى الحط من قيمة التعليم وفى

التحقير من نفوذ المثقف واهميته فى مجتمع فتى ولكنه غير منسجم. فاذا استمر هذا الوضع حتى يظفر الافريقي بالاشراف على الجامعة، فقد يكون هذا المعهد الثقافي أقل استعدادا للاضطلاع بمهمته: مهمة مؤسسة عالية من شأنها أن تكون الشخصية الوطنية في كنف جو ثقافى دعامته الأمن والطمأنينة

هذا المشكل الذى أثرته الآن يزيد تعقدا اذا ما اعتبرنا سياسة الاحزاب في نيجيريا: فهى سياسة فى خدمة العصبية القبلية والحزازات الشعوبية فالرغبة الملحة عند جم غفير من المثقفين (وهو فى الحقيقة أمر يفرضه المجتمع عليهم فرضا) فى مناقشة المبادىء السياسية (وهذه مهمة الجامعيين الاصلية) وفى المشاركة مشاركة فعلية فى تطبيقها أيضا تقودهم طبعا الى ان ينضموا الى حزب من الاحزاب، والخلافات بين هذه الاحزاب ناجمة عن شعور قبلى اكثر منها عن مذاهب فكرية. لذلك كان دخول المثقف النيجيرى فى الحياة السياسية العاملة ناجما عن اتباعه الحزب الذي يكثر فيه من كانوا على شاكلته (الشاكلة الاجتماعية لا الفكرية). وقد يكون الانضمام الى حزب من الاحزاب امرا صريحا ظاهرا فى بعض الاحيان، وقد يكون خفيا فى أحيان أخرى. وكانت نتيجة هذا الوضع تصدع المجموعة السياسية واعراض الطبقة الممتازة فى مجتمعنا عن مناقشة المبادئ السياسية مناقشة موضوعية وهكذا أضاع المثقف النيجيرى فرصة فريدة فى نوعها كانت تمكنه - لو أراد - من أن يجعل الجامعة مؤسسة اجتماعية فيها تتحقق وحدة الامة وانسجامها على أساس الاخلاص والتقدم. وبودنا أن نرى - لهذا السبب، ان لم يكن لغيره من الاسباب - المثقفين النيجيريين يقلعون طوعا عن هذه السياسة الشيعية.

ومما هو أشد خطرا على حرية الجامعة فى نيجيريا، ركون المثقف النيجيرى الذي يهتم بالسياسة الشيعية فى حل مشاكله الصعبة داخل المجموعة الثقافية، الى الاستنجاد بزملاء سياسيين ذوى نفوذ قوى قد يكونون غالبا منتمين الى فرقة عنصرية معينة، وهنا أيضا قد يكون هذا الالتجاء جهرة وقد يكون سرا. وهذا امر لا يخلو من اغراء خصوصا اذا ما قدرنا أن ادارة مؤلفة من عناصر جنسية شتى تقوم على اساس المخادعة وعلى أساس القاعدة المعروفة بتفرق تسد. ولكن تدخل السياسة في الشؤون الجامعية سلاح ذو حدين. ذلك أنها عند ما تفلح فى التخلص من الادارة الملفقة ستجتهد بدون شك من التنقيص من حرية أولئك الذين لجأوا اليها بادئ أمرهم.

عمل اضافي

من واجب الجامعات الجديدة فى افريقيا - سواء أوجدت فى مجتمعات افريقيا الغربية المتعددة القبائل، أو فى المجموعات المتعددة الاجناس بافريقيا الوسطى والشرقية - أن تقبل مهمة اضافية وان كانت غير تقليدية مضمونها توفير الاسباب التى تسهل انشاء وحدة وطنية لتقوم مقام الوحدة القبلية والشعوبية. معنى هذا أن هذه الجامعات لابد لها من أن تستوحى الهامها من البيئة التى تعيش فيها، معنى هذا أيضا أن تزيد فى اعتنائها بالميادين التى تزخر بالمعارف الراكدة، هذه المعارف التى ستكشف عن عناصر ثقافة مشتركة لجميع هذه البلاد

النفوذ المالي

وفي نهاية هذا التقرير، أريد أن أشير الى أن المعهد الجامعى فى ابدان قد أفلح فى أن يبقى مستقلا استقلالا ثقافيا رغم ما تبذله له الدولة من اعتمادات مادية. وكان من حسن حظنا ان اعترفت الحكومة النيجيرية - منذ البداية - بان تقدم الجامعة يقضى بحرية هذه المؤسسة الثقافية فى تقرير مصيرها وتوخى منهاج ازدهارها، وبان الحرية الثقافية تقتضى الاستقلال المادى فى الحدود المرسومة، وهذا الاستقلال فى ابدان يضمنه نظام للتمويل فترصد الحكومة اعتمادا ماليا كل خمس سنوات لهذا المعهد حتى تبقى له حرية توزيعها على مختلف مصالحه.

اشترك في نشرتنا البريدية