يلحظ المتبع لحركة التأليف والنشر في بلادنا اتجاه الكثرة الكاثرة ممن يسمون انفسهم " مؤلفين " الى تجميع بعض المقالات التى سبق لبعضهم ان نشرها في الصحف بين دفتى كتاب ودفعها الى المطبعة لتضم الى قائمة التأليف المحلية .
والعحب ان اغلب تلك المقالات لا تحتم فى غاية ولا تلتقي عند هدف ولا تتفق فى تجاه فهى خليط متنافر فبعضهما عن الماء والكهرباء والآخر حول الزراعة والبعض كرة القدم ومشاكل المرور ، والقليل منها جدا عن الاوضاع الاجتماعية .
ولا يفوتني ان اشير الى ان بعضها قد كتب بمناسبة انتفت بانتهاء زمن معين فمقالات كتبت للمطالبة بسفلتة طريق أو فتح وحدة زراعية ، أو للفت انظار البلدية إلى ارتفاع سعر الحطب والفحم في فصل الشتاء
ما الفائدة من حشرها في كتاب يصدر الى خارج الحدود ليعطي عنا سمعة غير لائقة . .
انا لست في حل من ذكر بعض أسماء الذين يرتكبون هذه الحماقة ، فأحسب فطنة القارىء قد سبقتني إلى معرفة بعضهم . . والحقيقة أن لا لوم عليهم فى ذلك ما دامو يجدون كل عون وتأييد من بعض الجهات المسؤولة . . وأنا لا اعترض على ذلك لو ان ما جمعوا من مقالات تتناول قضايا الادب وشئون الاجتماع أو الاقتصاد أو غيرها مما لا يتأثر بزمن أو يتقيد بمناسبة .
أما ان تجمع مقالات كتبت لمناسبة انقضت وانتهت منذ ازمان خلت لغرض الكسب البارد فهذا ما نرى أن واجب الجهات المسئولة في الدولة وفي طليعتها مجلس ٤٧٦
العلوم والآداب ووزارتا المعارف والاعلام أن تتحرك لتحد منه حتى لا يطمع كل متطفل على الولوغ في نهر الفكر الصافي
ثم أين هؤلاء الذين يتنمرون بأنهم اقطاب الفكر وايمة الادب ودهاقنة البلاغة من مؤلفي العصور الخوالى الذين يدعون مؤلفاتهم بالكتب الصفراء وآراءهم بالانهزامية . .
أين منتحلو الاستاذية من ابن جرير والطبرى وابن تيمية وابن حزم وابن خلدون والابشيهى وغيرهم رحمه الله ، الذين روى ان بعضهم ألف مئات الكتب والرسائل والمعاجم ، وأرسل آلاف النصائح والخطب وما فيها حرف يؤخذ عليه أويعاب ، فاين هم من مؤلفي اليوم الذين يفزع احدهم الى مقالات هزيلة وافكار ممجوجة وبضاعة مزجاة . . كان قد نشرها فى الصحف على غفلة من الزمن فيجزمها جزم السلمة ويدفع بها الى آلات الطباعة لتلفظها اخيرا مسخا مشوها يتكون من مائة صفحة أو أقل ، فيملأ صاحبنا الدنيا صياحا وهياجا ، ويدفع بالعديد من النسخ على سبيل الهدية
الى دور الصحف والنقاد لتنوه عنه وتلفت انظار القراء اليه ، ولا يكتفى بهذا بل يطالب ويلحف بشراء عشرات النسخ من مصنفه ، لانه كما يزعم قدم للفكر الانساني خدمة لا تضاهى ، ولامة الادب ما يستحق عليه الارب ويطمع من بعده بالجزاء الاوفى وينقطع فى منزله يكتب الى دور الحكومة والمؤسسات ، راغبا فى ابتياع مؤلفه تشجيعا للانتاج المحلى وبطريقة او باخرى ترد عليه عروض الطلبات . . وهكذا يجد امثال هؤلاء المرتزقة طريقا الى ملء الجيوب . . أفبعد هذا تريدون ان تهمهم سمعة بلد أو نقد احد . .
واخيرا نتوجه برجائنا هذا الى الجهات المسؤولة عن الثقافة نستعديها ان تشنها حربا على كل نهاية نفعى ، وان تشمر عن ساعد الجد ، وتنهض لحماية التأليف من المتعلقين بأذيال
الادب ، حتى يأتي اليوم الذي نستعيد فيه سمعتنا الادبية الغابرة . . بعد ذلك يستاهل ادبنا ان نفاخر به ونراهن عليه . حقيق بمن فى ايديهم مقود الامر ان يعيروا هذا الموضوع من الاهمية ما هو به جدير وان تخصص لجنة تتجرد وتتفرغ لاجازة طبع الكتب ونشر المؤلفات فما كان منها مشرفا ومفيدا اجازت نشره واثابت عليه ، وما كان غير ذلك ردته واوصت عليه بالحجز والاعدام . . واحسب هذه الهيئة لو وجدت فلن تفلح او تنجح الا اذا كانت آراؤها غير قابلة للنقض والاعتراض . . هذا رأى مخلص أسوقه الى كل من تهمه سمعة الادب فى هذا البلد . . وعسى ان يؤخذ بناصية هذا الاقتراح الى عالم التحقيق . . ( أن اريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقى الا بالله عليه توكلت واليه انيب)
