الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

المتنبى امام القرن الاسماعيلي في تاريخ الاسلام .

Share

ان النصوص المكتوبة بالعربية التى ألفها مؤلفون اسماعيليون قدماء . والتى اكتشفها اخيرا " بسورات " " وبومباى " فى مجموعات اسماعيلية الاستاذان ايفانوف ivanov ( وهمدانى ) (1) تفهمنا فهما أحسن من قبل المظهر المزدوج الذي يملكه القرن العاشر المسيحى الرابع هجرى ، بالشرق ، الاسلامى هذا القرن الرابع الذي نعته ميز mez ب " نهضة الاسلام " انها حقا نهضة ان اعتبرناها من زاوية الفلسفة والعلوم القديمة - ولكن بدون نهضة فى ميدان الفنون - مع تلون جديد ، في أعمق أعماقها دخل على العاطفة الدينية الاسلامية ، تلك العاطفة التى شببتها وشوهتها إلى حد التجديف عقيدة مهدويه اجتماعية ، نابعة عن ذلك المظهر الثورى الذى اختص به المذهب الشيعى الداعى لأحقية العلويين بالخلافة ، تلك هي النزعة المعروفة بالاسماعيلية

ان القرن الرابع الهجرى الذى ابتدأ باعلان الخلافة الفاطمية بالمهدية وانتهى بانتشار الموسوعة التى ألفها اخوان الصفاء انتشارا خفيا ، حري بان يسمى القرن " الاسماعيلي " فى تاريخ الاسلام . وفي ذاك العهد كانت الدعاية السرية التى قامت بها الجمعيات السرية القرمطية ، والتي تسربت في كل أنحاء الامبراطورية العباسية من مدينة الكوفة التى كانت مركزا لها ، تطوق ابدا مدينة بغداد من كل جانب ، بغداد التى توالى فيها اعدام القرامطة المتآمرين على أمن الدولة منذ اعدام المهدى سنة 200 هجريا واعدام الحلاج سنة 300

وها نحن الآن اصبحنا مزودين بالوثائق والمعلومات عن القرامطة الاسماعيليين من طرف مؤلفيهم انفسهم ، وهو أمر من شأنه أن يمكننا من ان نتابع تسرب ارائهم فى التفكير الادبى العربى فى ذلك العصر

وفيما يخص ابا العلاء المعرى وجد النقاد انفسهم امام الامر الواقع واستطاع الذين قرأوا المجالس - التى اكتشفت أخيرا والتى ألفها استاذ المعري وصديقه مؤيد سلمان الشيرازى (2) وهو بالضبط الزعيم والداعية الأكبر للمذهب الاسماعيلي استطاعوا ان يدركوا ان مرارة الشك التى صبغت اللزوميات ، ورسالة الغفران لا يمكن ان نفسرها بالشذوذ والغرابة الفردية ، بل انها تفتح لبذور الشك المنظم والسخرية الثورية الموجودة فى التعاليم الباطنية لجمعيات التفكير الاسماعيلي فى تربة مهيأة نفسانيا تهيئة صالحة

والأمر كذلك بالنسبة للمتنبي . ان مؤرخى الادب ( العربى ) لم يعد يمكن لهم أن يهملوا المغامرة الفتية التى قام بها شاعرنا وهو شاب والتى اوقفته اثناءها السلط ك " نبي كذاب " الى " مدع للنبوة " ، هذه المغامرة التى قلل الاستاذ ميز mez من اهميتها لقرون خلت بعد النهشلي ، وامام هذا الموقف ، رابعنا الاستاذ ريجيس بلاشير يقوم برد فعل فى مقالته عن " المتنبى " المنشورة في دائرة المعارف الاسلامية وهو محق فى ذلك

وهذا التصويب نفسه هو الذى أردت أن أتمادى فيه وان أوسع ميدانه من ناحية تمس التاريخ الاجتماعى والديني ، وذلك بجمع بعض الملاحظات

اولا : ان المتنبى الذى ولد فى وسط اليمانية الشيعية بالكوفة ، تكون فى هذا الوسط ، ثم في البادية من بعد ، فى بيئة تمتاز بنوعية قرمطية ظاهرة

ثانيا : ان المتنبي - هذا القرمطى سابقا - الذي هزم بحد السلاح حين ثار ثورته البدوية - لم يتخل تماما عن مذهبه ولا انسجم انسجاما كليا مع النزعة الشيعية المحافظة التى كان يمتاز بها أمراء سوريا وناصرو الادب من بنى حمدان ، فترى هذا البدوى الذى لم يستوطن بالمدن التى نزل بها وسكنها كما ينبغي ان يستوطن محبورا على المتاجرة بقصائده (3) ولكنه فعل هذا وهو يبدي تطاولا ووقاحة ظاهرة احتفظت دائما باصالة الرجل العربى ويبدى مرارة ما ورائية شديدة الانتساب الى الاسماعيلية (4)

1- الكوفه - البيئة العائلية الشبعية - الدور الهام الذي لعبه بئوكلب فى ثورات القرامطة بالبادية

ان دراسة البيئات الاجتماعية بالكوفة - وهي دراسة بالغة الاهمية لفهم القرون الثلاثة الاولى من تاريخ الاسلام العربى - قد بدأت تعطى بعض النتائج (5)

وفيما يعود الى المتنبى ، علينا أن نلاحظ ان الحى الذى ولد به هو حي كندة (6) الذي كان حيا شيعيا ، وان القبيلة التى انتسب اليها والده هي قبيلة جعف ، والده " عبدان السقاء " (7) الذي اشتهر يتشيعه للائمة العلويين (8). واخيرا نلاحظ ان جدته لامه ، وهي الشخص الوحيد الذي رضى المتنبى أن يذكره (9) حسب ما شهد به عنها علوى ، وهذه هي الشهادة الوحيدة لتلك الفترة التى نملكها عنها " كانت من صلحاء النساء الكوفيات "

أصلها من قبيلة همدان - من فرع سبيع على اغلب الظن - وهى قبيلة ذهبت الى حد التطرف فى محبة العلويين وتجرأت نساؤها العربيات على بكاء الحسين فى السنة التى تلت مقتله (10) وان لم يتحدث المتنبى الا قليلا عن ذويه ، وذلك لاسباب متعددة (11) فهو يدعى رافعا صوته أنه " يمانى " (12) وانه من الكوفة ويجد من يهمه الامر فى الرسم الذى قدمناه مواقع احياء المدينة الاخرى المذكورة فى شعر المتنبى كبارق وسكون ( او كناسة ) وثاوية (13).

ولقد كان التشيع يتجلى فى الشغالين واصحاب الحرف الصغيرة بالكوفة ( كالروائين والسقائين ) ، منذ عهد قديم ، فيبدو فى مظهر ثورى مطالب بالمساواة بين الجماعات . ولقد استطاعت الخطابية وهى فرقة متطرفة ، اصبحنا اليوم نعرف تاريخها أحسن من ذى قبل ، ان تبعث حركة واسعة من التلقين السرى ، حركة برزت وامتدت من الكوفة التى كانت محورها ، الى جميع العواصم والمدن الاسلامية الكبرى ، بفضل نشاطا ارباب الصنائع والحرف . واليها تعود المؤامرة القرمطية او ان شئت فقل المؤامرة الاسماعيلية التى قامت بالعمل المباشر وشرعت في الثورة منذ سنة 280 واستولت على الكوفة خمس مرات ( سنة 293 ، و 313 و 315 و 319 و 325 هجرية ) . مستندة على " دار هجرة " عسكرية تقع فى طرفى بادية السماوة : احداهما شرقا ، مما يلى الكوفة

(10) انظر بحثنا : تفسير تخطيط الكوفة ص 360 . قارنه بالديوان 74 (11) منها اتصال عائلي غير مشروع  (من طرف والدته) بالفاطميين وهو أمر يفسر لنا اشاء عديدة ، منها دخوله الى نفس المدرسة العلوية التى يدخل اليها فالكوفة ابناء السادة العلويين ( انظر خزانة الادب ج 302،2 ) وكذلك احتقاره لمنزلة عبدان ( وهم اسم علينا ان نلاحظ ان داعى القرامطة بالحساكان يحمله ) ونضيف الاهمية الكبرى التى كان يراها المتنبى للتلقين الباطنى

(12) ديوان 26 ع 403،2 ملاحظة المترجم : والبيت هو : قضاعة تعلم أنى الفتى الذى ادخرت لصروف الزمان ومجدى يدل فى خندف  على أن كل كريم يمانى

(13) انظر بحثى : تخطيط الكوفة . وسيعود ليعيش فيها من سنة 351 الى 353 هجريا ( نملك ثمانية قصائد مؤلفة بالكوفة ) ديوان 326،74 (اسمان ) ع 398 ب 30 ج 11 ع يقول فى قصيدة : أمنسى السكون وحضرمو موتا ووالدت وكندة والسبيعا

( يلاحظ " موزل " ان مركزها قد يكون قصر الاخيضر الحالى ) (14) والأخرى غربا مما يلى حمص فى منازل السلمية - اعنى بالجبل الاعلى (15) وعلينا ان نلاحظ من الآن انه كان تابعا لفخذ من كلب ، لبنى عدى تحت امرأة بنى عليس ابن ضمضم ذلك الفخذ الذى اوقف حياته الى الرمق الاخير ، سنة 289 ، على نصرة الاسرة التى سيخرج منها فيما بعد الفاطمييون ، جارا معه اهله بنى الاصبغ (16) الذين قتلوا على آخرهم سنة 295 ، اثر خمس سنوات من الاضطهاد الدامى . وبينما يأخذ آخر الرؤساء طريق النجاة ، فرارا الى المغرب نعنى عبيد الله ( الذي ولد سنة هجرية بالسلمية وفر الى افريقيا ) نراهم يثورون من جديد سنة 318 هجرية (17)  ومن العجيب ان نجد فخذ بني عدى الساكنين السلمية يجرون قبيلة كلب فى الثورة من اجل المتنبي سنة 326 (18)

علينا ان نقبل اذا ان هذا الشاب الناشىء - اعنى المتنبى ، أرسل ليهم - مع توصية لابد ان يكون الدافع اليها اسبابا خليقة بالتقدير والتاييد منشؤها سواء العائلية ام التلقين الباطني ، - من طرف رؤساء الاسماعلية اى من طرف أعلى وأكبر رؤساء المؤامرات الفاطمية . ولقد كانت العلاقة الحقيقية فى رأى هؤلاء الشيعة الثوريين الذين يطالبون بالمساواة - هؤلاء القرامطة - هى التلقين الباطنى الذى سموه بالنكاح الحقيقي . فكان أبو الخطاب يدعى ابا اسماعيل اى الاب للابن الامام جعفر الاكبر (10) وبالعكس ، وحسب عقيدة الدرز الباطنية التى كانت عقيدة الفاطميين ، لم تنحدر أسرة الفاطميين من الامام محمد بن اسماعيل الذى كان الملقن الباطني

لعبد الله بن ميمون القداح الذى مات فى سجن الكوفة سنة 210 (20) الا انحدارا روحنا . فالمتعلم والملقن يتمكن من نوع من الالهام ومن الوعى اللا شخصانى لأسرار الكون التى تجعله يتكشف ، وهو لم يزل على الارض وعلي قيد الحياة ، على سعادة حياة الآخرة ، هذه الحياة التى يذهب القرامطة إلى ان نعيمها نعم فكرى وروحى محض . ولهذا كنت تجد عند هؤلاء الروحانيين اباء وكبرياء ، لا أتردد لحظة في الربط بينها وبين اباء المتنبى وكبريائه الذي آخذه نقاده عليه ، وان لقح كبرياؤه ، فى اول ترعرعه ، بلقاح كبرياء الجنس العربى ، ولئن كان هذا لاصقا بحياة الفنان وتطرفه فهو يكشف لك فى آخر الامر وعند آخر تحليل يقينا لاشخصانيا وعقائديا وهو يقين باطنى ، ومعرفة مريرة وترفع وتعال عرف " نسبية الاديان " تلك الفكرة التى هى السر العميق والمعرفة القصوى فى المذهب القرمطى ، ذلك السر الذى لم ينسه المتنبى ، ولو يوما واحدا ، كما سنرى

والى جانب التصاوير الجميلة الكلاسيكية التى صورها النقاد من المتنبى اتهامه بالسيمياء اعني مخادعة الجمهور بشعوذة بدوية يمانية كالالتجاء والنحاة من المطر ، او ترويض الناقة الشاردة ، والخ فالتهم الموجهة ضد المتنبى تبدو لك في الظاهر ناتجة عن ارتباطه بالمذهب القرمطى : فادعاء المتنبى أول الامر انه علوى اعنى القائم " الذى يملأ الارض عدلا " ثم ادعاؤه انه نبيء مرسل " يصاحبه قرآن جديد ، يعنى ان المتنبى كجميع اتباع السينية او السلمانية ، علم غيره - وطالب بحق التعليم لنفسه - ان كل ملقن قد اختاره وحل فيه روح النبوة ، وهذه العقيدة امر يزيل فى نفس الوقت اهمية الوراثة التى يتمتع بها العلويون والشرف الذى يمتاز به محمد " خاتم الدعوة القرآنية (21)

وفعلا ، فان المتنبى وان لم يخرج من السجن سنة 327 هجرية بعد ما وقع أسفل توبته - وهو ما دعاه الى ان يحذر من التعرض فى كاهل شعره الى المواضع الدينية ، فقد سكت حتى عن على (22) - وهو ما آخذه به المحسنون اليه من بني حمدان وهم من الشيعة المحافظين المتحمسين لعلى ، - بينما نرى بالعكس أبا فراس (23) بتعرض مرات لهذا الموضوع ، الا ان بعض ابيات المتنبى تخونه هنا وهناك ، فيظهر قرمطيا صلبا ، فندرك السخرية المرة التى

هجا بها القبائل الخائبة (24) خلف المدح الطويل الذى وجهه الشاعر لمضيفه الزمنى ، و كذلك هذا الاستهزاء بالاسلام " بريت من الاسلام " وبحواء " ولولاك عقيم " . . والمهدى وموسى (25) وعيسى

" وان كان صادف رأس عآزر سيفه  فى يوم معركة لاعيى عيسى " (26) والبيت الاخير شهادة على ان المتنبى تلقن من قديم تعاليم القرامطة لان أهل السنة وحتى الشيعة العاديين يجهلون اسم عازره ، بينما القرامطة هم وحدهم الذين اتخذوا هذا الاسم ليعطوه دورا هاما انظر العقائد الدرزية ، باب 87 .

فى مواضع ثلاثة ، يتحدث المتنبى عن قرامطة البحرين في الموضع الاول عن قتلهم للحجيج ، تلك الفعلة التى أثارت فى العالم الاسلام كله غضبا شديدا . ولكن علينا ان نلاحظ ان لهجة المتنبى لهجة معتدلة في العتاب وفي استعمال عبارات مضبوطة كلمة شيخ ، لقادة القرامطة ، ونظرية النوافل التى اخذت محل الفرائض (47) والقطعة الثانية تشير فيما اعتقد إلى بطولة القرامطة . واما الثالثة ، وهى عن المنتصر عليهم ، فهي مقتضية جدا .

وقاموس المتنبى ولغته ، نفسها تحتوى رغم جمال التصميم والبناء الكلاسيكى الذى بناه بها ، تحتوى على بعض العبارات المألوفة عند الاسماعيليين فهنالك عبارتين من عبارات اخوان الصفاء " قدس الله روحه " و الفلك الدوار " (28) . وكلمة الثقلان اى القرآن والعترة ، لا الجن والانس (29) وربما ثلاث عبارات او أربعة أخرى (30). ولم أر النقاد والبحاثين يوجهون أنظارهم الى هذه الناحية ، التى لا أشك ان امورا كثيرة تنتظر الكشف عنها

وهكذا ، عندما يعلن المتنبى (31) ان ليس لنا ان نحل الشمس ( مؤنثة ) قبل الهلال ( مذكر ) ، فهو يلجأ في الحقيقة لكى يعطى حلا يوافق اراء القرامطة في الميم ، إلى المعركة القديمة التى ثارت بين شيعة الكوفة حول اسبقية الميم ( = محمد = الشمس ) على العين ( = على = القمر ) الحل نفسه الذى اعطاه له القرامطة كما نعلم

اذ علم الفلك الشيعى ، يرمز بالشمس الى محمد وبالقمر الى على (32) وبالزهراء إلى فاطمة وبالفرقدين الى حسن وحسين (33)

واخيرا ، ان اللعنة التى ارسلها المتنبى فى مطلع حياته الادبية ايا خدد الله ورد الخدود " وقد قد قداد الحسان القدود (34) ديوان 42 يلوح الى اسم من اسماء الله القليلة الوجود الغريبة الذكر ، والتى لا توجد الا فى " الخطبة الططنجية " الشهيرة عند غلاة الشيعة اذ نجد " مخدد الخدود " (مخطوطة باريس 5188 ورقة 94 ) وهذه الخطبة يعود تأليفها الى ما قبل سنة 300 هجرية نظرا للتهمة التى وجهها الصولى ضد الحلاج ، انه اتهمه بابتزاز فقرة منها " انا مهلك عاد وثمود " (عريب 91)

2 - ثقافة المدن في سوريا ايام بني حمدان

ان روابط الصداقة التى ربطت المتنبى بأوساط اعراب البادية ( وبالاوساط القرمطية ) هى التى جلبته حتى حل فى الاوساط الحضرية فى سوريا ، فى مدن

بقي الشيعة فيها الاغلبية الساحقة الى عهد الحروب الصليبية مثل اللاذقية وانطاقية ، وحلب وطبرية (35) ولقد كان من الطبيعي حين خرج المتنبى من السجن وقد اسلم أمره وأدار وجهه عن كل ثورة ، ان يرتبط بهؤلاء الشيعة المحافظين الذين اتفقت رغباتهم فى قيام خلافة شيعية مع الهدايا الثمينة التى كانت تدر عليهم ومع خدمة الاسرة العباسية تلك الاسرة السنية وهؤلاء الامراء - والحق يقال - كانوا من جهة أخرى على ثقافة كبرى محبين للعلوم اليونانية ، والمنطق خاصة ولقد اقتبل الفارابي ببلاطهم قبولا حسنا لكن مما يؤيد لنا ان المتنبى قضى زمنا فى هاته الاوساط الادبية منذ سنة 328 ه ) بطببرية ( وخاصة بعد سنة 337 ه ) بانطاكية وحلب والمعرة ( بدفعة على ذلك ضرورات الحياة لا عميق التجاوب والتشابه الفكري ، هو ان أفاق تفكيره لم تتسع اتساعا ملحوظا ، وانه لم ينسجم قط معها . فتراه فى المعركه التى دارت بين نحوى المدرسة التقليدية والمنطقيين المتشبعين بالروح اليونانية يبقى نحويا من مدرسة الكوفة (36) وان هو حقا يحاول ذكر أبو فراط ) صفد العرق الاوسط فى اليد (37) ( وجالينوس (38) وان هو يجعل فى مطلع قصيدة من قصائده بيتا شديد الغرابة يدور حول الرياضيات

لكن هذه المحاولات تبرهن على ان هاته النزعة كانت نزعة ضعيفة . واقرر ضخم الحاتمى الامر حين قارن شعر المتنبى كلمة كلمة بالامثال المنسوبة إلى ارسطا طاليس حتى يقيم الدليل على ان بين شعر المتنبى الحكمي والامثال المنسوبة الى الفيلسوف اليونانى تبعية متينة (40)

ان حكم المتنبي ليست بالفلسفة الهيلينية . وهو لم يلتمس تعلم هذه الفلسفه ببلاط بنى حمدان وهو لم يتذوق الا قليلا سعة هذه الحياة المترفة . فى احزانها ومسراتها وان كانت نزعته الى الاستقلال تجعله يابي السجود أمام الأمير ، فهو لا يرى فى الحرب الهائلة الكبرى ضد الامبراطورية البيزنطية حوادث عرضيه وغزوات وحروبا ومبارزة . وهو ان اهمل صداقة علماء البلاط وادباءه ، فلم يتنازل بنفسه ابدا فيصير الحشرة التى تحيا عالمة

مروضة نفسها على خدمة الامراء بل تراه لا يتردد فيقطع صلته بالامراء (41) ويعرض نفسه للموت ينظمه لقصيدة يهجو فيها على غرار شعراء الجاهلية

ونستطيع مع هذا ، الوصول الآن الى نتائج نرجوها ، من غربلة كاملة لاسماء الرجال الذين اهداهم المتنبى قصائده ، وقد اصبحنا بفضل اميدروز ) Amedroz ومرغوليت  Margolouth ومزيك Mizk وهيورت دن Heuverte Dunne نملك طبعات من المصنفات التاريخية التى يعود تاليفها الى ذلك العصر مشفوعة بفهارس ضخمة لاسماء الاماكن . واننا نجد فيما اعتقد ، ان كل الذين مدحهم المتنبى كانوا من الشيعة ان نحن استثنينا قاضيا مالكا وكاتبا غربا في نوعه من الاثرياء الجدد يميل بعض الميل إلى الاعتزال وهو هارون الاورايجي الذي حور الرسالة القاضية التى كانت الباعث عل اقامة الدعوى ضد الحلاج ) 42 ( ولا نجد بينهم ولو اشعريا واحدا ولا حنبليا ) على ان هؤلاء لم يكونوا يتمتعون بمناصب عالية مرموقه (

وفي مثل هذا الوسط الشيعى نفسه سيعيش المتنبى خارج سوريا ، فهو يجد في بلاط كافور بالقاهرة على الفرات الذى كان يرتبط سريا بالقرامطة (43) وفي العراق ، يجد الوزير المهلبى وفي فارس اخيرا ، فى السنتين الاخيرتين من حياته ) 353-354 ه ( يجد المتنبى وزراء آخرين من آل بويه . وعلينا ان نلاحظ ان المتنبى زار شعب بوان ، الذى احسست بوجوده سنة 1930 وانا اسير نحو بيضة (44) ولا بد انه علاج على " وادي اللوز " جنوبا ، المعروف بدشته ارجال (45) ذلك الوادى الشهير عند الشيعة لانه وطن سلمان الفارسى

ولنعد الى لغة المتنبي من الناحية الثقافية ان الصقل الغريب الذي ادخله على المادة الصورية يبدو لى هو ايضا نتيجة للنزعة القرمطية التى اشرنا اليها

ان هذا الشاعر الذى يزعم الناس انه شاعر بلاط يأبى ان يتغنى بالخمر وان يصف جمال الاجسام وصفا ماديا ، وهو لا يمزج المدح غير الصادق بالزهد فى تخنث يزعمونه افلاطونيا (46) حتى تفوح لذات مائدة الحياة الماجنة (47) ترى المتنبى فعلا ، لكى يقضى الدين الذى عليه ، يتنوع في المبالغة في المدح غير ان المشهد الذى يقدمه لسامعيه هو مشهد تفكره ذاته ، فكر خالص فى حاله ثورة عنيفة جدا ضد المنزلة البشرية بل ثورة حتى على نقل مجرد المادة البسيطة نفسها ، ضد ما سماه اخوان الصفاء بالحكام الخمسة اذ قالوا " علينا خمسة حكام لنا الخلاص من جورهم "

الفلك الدوار . الطبيعة ، ) جو ، عالم ( الناموس ) تحديد وتوبيخ ، الحدود ( السلطان ) يتحكم كما يشاء (

شدة الحاجة إلى المواد ) مأكولات - مسكن - لباس ( (48)

ويقول المتنبى

نحن بنو الموتى فما بالنا   نعاف ما لا بد من شربه

تبخل ايدينا بارواحنا على زمان هن من كسبه (49)

فهذه الارواح من جوه وهذه الاجساد من تربه

واذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم ألموت فى أمر خطير  كطعم الموت فى امر عظيم ) 50 (

ويقول :

ذو العقل يشقى فى النعم بعقله  واخو الجهالة فى الشقاوة ينعم ) 51 (

ويقول

او بالموت فى الحرب تبغى الخلودا ) 52 (

ويقول

اجد الحزن فيك حفظا وعقلا ) 53 (

ويقول :

ختام نحن نساوى النجم في الظلم ) 54 (

ويقول :

بم التعلل لا أهل ولا وطن  ولا نديم ولا كأس ولا سكن ) 55 (

وهو لا يتحدث عن الحب الا كما يتحدث عن حدود يجبر الانسان ان يقف عندها او عن مرض من امراض النفس التى عليه ان يكشف سرها حتى يؤكد بطلانها وتفاهتها

ويقول :

لهوى النفوس سريرة لا تعلم  عرضا نظرت وخلت انى اسلم ) 56 (

يقول :

واحلى الهوى ما شك فى الوصل ربه ) 57 (

ان المتنبى سمى هذا الموقف المرير على النفس ، موقفا جهاد وكفاح . الفتوة او شرف الفتى ) 58 (

وهنا ايضا تصادفنا كلمة مشبعة بطعم من المغالاة في الشيعة

ان كلمه الفتى فى القرن الثاني كانت تدل على الشيعى المتآمر والذي يتخذ ، وقد صمم على الفداء والتضحية بالنفس مظهرا من الاناقة المثيرة (59)

وبعد وفاة المتنبى بخمسين سنة تصبح الكلمة دالة على شرف الجماعات وارباب الصنائع (60) وقطاع الطرق مثلما هى دالة على شرف جماعات العمال (61)

ان الفتوه عند المتنبى هى شرف رجل الفكر الذى يرى ان الفكر بجميع تقلباته وخواطره واوهامه هو الشىء الوحيد الذى يملك قيمة في الوجود والذى تهون امامه الحياة ويصبح خطر الموت في سبيله تافها .

ونجد نفس الموقف عند القرامطة الذين تحدث عنهم صاحب كتاب التنبيه ابو الحسن الملطى

فقال

وهم فى الحرب لا يدبرون حتى لا يقتلون ويقولون حياة بعد القتل والموت انا نخلص ارواحنا من قذر الابدان وشهواتها ونلحق بالنور ) 62 (

3 - الخاتمة

ان هذه الملاحظات هى ثمرة تأملات أثارتها فى نفسي شيئا فشئا هذه القصائد المشهورة شهرة واسعة فى كامل بلدان الفكر العربي والتي اشعرتنى بانها لم تزل حاضرة حية ابدا ، مع تقلب الاوضاع والاحداث ، على الالوسي الذي تدين له بنشر آثار الجرجانى عن المتنبى نشرا غير مباشر ) 63 (

لسنوات خلت وانا فى غزوة ايام الربيع فى بادية السماوة (64) ودون ان تذهب نفسي الى الادعاء باني أريد ان اتذوق المتنبى للشاعر الكلاسيكى الماهر الذي يلعب بالبحور الشعرية ، فانى ألح إلى ان البحث عن الغريب عنده لا يعود فقط الى اهتمام مبتذل بقافية رنانة ، ولكن هدفه النشيد الداخلى للست . وانا لا أقف في قصيدة للتفكير الا عند بيت او بعض الابيات المفردة ، وهي عادة الابيات الاولى من القصيد - نقرات ملكية ترن تحت القوس وتصور فيها دائما يد الاستاذ نفس الحركة الفكرية المقتضبة . ان المتنب ليهاجمنا وقد حمل الموازنة والمقارنة - الخاصة باللغات السامية - إلى ابعد حد من الاقتضاب والبلاغة . وهذا الفعل يحمل هو ايضا علامة ظاهرة من اصوله القرمطية ، وهو سر علو كعب المتنبى علوا مريرا ، شامخا عنيفا عنفا بليغا - بفضل تصادم الكلمات .

ان المتنبى بفضل طريقة فنية موقة توفيقا مضبوطا ، يصادم بين فكرتين متضاربتين بين الافكار اكثر من الصور والحيانا ، من الصدر الاول للقصيدة

اغالب فيك الشوق والشوق اغلب

من ذا الهجر والوصل اعجب ) 65 (

ويقول

نرى عظما بالبين والصد اعظم ) 66 (

ويقول

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى

وللحب ما لم يبق منى وما بقى ) 67 (

وهو اهداء علينا ان نقارنه فيما اعتقد ب " يا أم الذكريات " عند الشاعر شارل بودلار ) 68 (

أثلث فانا ايها الطلل

نبكي وترزم تحتنا الابل ) 69 (

وختاما لا بد ان نقدم هذه الابيات العجيبة الباهرة

لك يا منازل فى القلوب منازل

أقفرت انت وهن منك اواهل

يعرفن ذاك وما عرفت وانما

اولا كما يبكى عليه العاقل ) 70 (

ان باسكال ) Pscal فى فكرة من فكره أيد رأيا معاكسا لهذا " ان الانسان ليس بحقير ان خلا قلبه من العاطفة . وان بيتا خربا ليس بالحقير ان الانسان وحده هو الحقير ، انا رجل بصير ) 71 ( والمناقضة بين باسكال والمتنبى تتبع عن ان باسكال مسيحى ، يعتقد في وجود الهى يظفر به الانسان وتختص به بعض الاشخاص التى تزورها الرحمة الالهية فتغير منها بينما المتنبى المسلم - يأبى ان يخص اى مخلوق من المخلوقات بامتياز استثنائى (72) زد على هذا ان المتنبى كان من القرامطة ، يرى ان الخلق ليس سوى حجاب خادع يحجب الفكر المحض عن ذاته ) 73 ( ولكن بقية من البشرية والانسانية تجعله يبكى امام هذه الاحجار : يبكى على خلوها من كل فكر على هذا الفراغ وهذا العدم الامر من اللعنة الابدية

اشترك في نشرتنا البريدية