مد يوما على الوجود جناحيه وغنى فكف كل مغني
وارتمي ظله عل الأرض حتى شمل الظل كل سهل وحزن
إنه الصقر جاءها من بعيد وعلى وجهه مهابة حسن
ورد الشمس من زمان بعيد طاف كالحلم بين جفن وجفن
ايها الحامل الحياة إلينا قد جعلت الصحراء جنة عدن
أنت أنبت فى الرمال نخيلا وكسوت الكروم من كل لون
أنت فجرت فى الصحارى عيونا ماؤها لم يدر بخاطر مزن
انت أحييت في الكلام مواتا ووهبت الكلام إيقاع لحن
فإذا بالحروف تقصى وتدني وإذا بالحروف تحيي وتفني
جئت في عالم كسوف السبايا كل شئ يسام فيه بغبن
أهله بل اهيله لم يقيموا لنبوغ حملته أى وزن
فرآك الأمير بوقا كبيرا يشتريه لنشر زيف ومين
ورآك الغلاة سمسار فكر لست تعنى ذاك الذي كنت تعنى
وقضى الله أن تكون لسانا نفخت فيه ساحرات الجن
فرويت النفوس احلى بيان بعد سحر القرآن رن بأذن
فإذا الشرق واحة من عبير وإذا الشرق زهرة فوق غصن
عجزت تغلب وحارت تميم من أديب يقول إني وإني
ظهرت معجزاته فى كلام آمنت أنه لها دون ظن
فاتها علمه ودقت رؤاه وسما فنه على كل فن
شاعر لا يقر نحو نحاة يصنع النحو كيف شاء ويبني
ينبع اللفظ منه قطرة ماء ويرف الخيال زهرة حزن
ألهمته السماء حكمة قوم جهلتها الرواة من ألف قرن
فجرت فى لسانه مثل وحي شع نورا فى كل قلب وذهن
فإذا حار حائر ورواها عاد يحيا بقلبه المطمئن
وعلاج النفوس فى قول صدق هو يعفى من الدواء ويغنى
يا أبا الطيب العظيم رويدا إن تحداك دهرك المتجنى
ليس بدعا ألا تفوز بمجد فالنفوس الكبار تشقى لتهنى
شقي الشرق يا أبا الفوارس دهرا وشكا السير فى الطريق المضنى
فالحصون التى عرفت قديما لم يدم من الوفها أى حصن
والخيول التى ركبت كثيرا قد حنت رأسها لمن كان يحنى
والسيوف التى حملت عطاشى صدئت في ظلام غدر وجبن
قتل الشرق نفسه بيديه ذات يوم وكان شمس الكون
منذ قامت طوائف من بنيه تزرع الخلف في العقول وتجنى
واستضافت ربوعه ألف ذئب يدعى انه رسول لأمن
لا يرى فيه غير قطرة نفط لا يرى فيه غير قطعة جبن
والملوك الصغار كالأمس نامت عن حقوق بعنقها مثل دين
خدعوا الشعب واستبدوا عليه خدروه بخطبة وبمن
قتلوا الفكر واستبدوا حماه ثم باعوا البلاد في صفقتين
لدخيل دولاره ذهبي وغنى ديناره من لجين
وإذا الفكر ذل أو سيم خسفا عند شعب قضى الحياة بسجن
وإذا عاش شاعر بمديح فلأن العقول بالمدح تزنى
وإذا جاء ثانيا ( متنبى ) فالنبوءات للشعوب تغنى

