الاصالة هى العمود الفقرى لفلسفة محمد مزالى وهي السلك الذى تنتظم فيه مواقفه الفكرية عامة والتي ضمنها منها كتابه " مواقف " بصورة خاصة
والاصالة التونسية ينبغى ان تتجلى فى كل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية الا ان اصفي مرآة لها هى الحياة الثقافية والادبية
فما هى الثقافة الاصيلة والادب الحق وما هو دور المثقف الحق والاديب الاصيل فى المجتمع والحياة كما يتجلى ذلك فى " مواقف " الاستاذ محمد مزالى؟
" الثقافة - عند الاستاذ مزالى -يحب ان تكون قبل كل شئ قدرة على التلاؤم مع مقتضيات العصر وسيطرة على الواقع وطموحا متواصلا لتغييره وجعله منسجما مع مثلنا العليا " وهذا يقتضى " ان نستعيض عن سحر الكلمة بنخوة الفعل وان نتخلص من جاذبية التقليد وسلطان الذاكرة الى روعة الخلق والتزام المستقبل وان نروض انفسنا على تحكيم العقل والاهتداء بانواره فى سلوكنا حتى لا تورث الاستفاقة من احلام اليقظة المرارة والانكسار " ( ص 323 )
فالثقافة الاصيلة اذن ليست هى الثقافة المنغلقة على نفسها المجترة لماضيها العاكفة عليه صنما الخائفة عليه من نور شمس العقل واصابع البحث والنقد بل هى الثقافة المعتزة بما فى ماضيها من مجد المتعظة بما فيه من ضعف المتفتحة على غيرها من الثقافات شرقيها وغربيها قديمها وحديثها .
ولكن دون أن تتفصى من ذاتيتها أو تخرج من جلدها بدعوى التمسك بالفكر المجرد والانتساب الى الانسان المطلق
وعلى ذلك فان الثقافة التونسية - كما يقول مزالى - يجب ان تستمد من تراثنا العربى الاسلامى وتستوحى تاريخنا الحافل من البربر الى اليوم وتعنى
بمشاكل الواقع الراهن لتحسينه من دون ان تخشى اللقاح بثقافات الامم الاخرى والاخذ عنها والاستزادة منها . " ( ص 54 (
وهكذا فلا يمكن ان يكون مثقفا حقا من تعلم فاغتر بعلمه أو من بدا - نتيجة علمه - بوجهين أو من يسمى عدم القدرة على اكتساب القدرة ثباتا على المبدأ أو من تنوب الغصة عنده الفعل والنية العمل .
بل المثقف الحق هو من آمن بان الثقافة ليست وقفا على طبقة او جيل ومن امن بان الثقافة لهب والشعب نار فاهتدى وهدى ومن فهم بان الحياة تأدية رسالة وبأن الحياة اختيار والتزام والمثقف الحق هو من " اقتحم لجة البحر - كما يقول الغزالى - وخاض غمراته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور وتوغل فى كل مظلمة وتهجم على كل مشكلة واقتحم كل ورطة . "
ذلك هو المثقف الاصيل - عند الاستاذ مزالى - فهو " جندى وأع مستعد او لا يكون "
ودوره يتمثل فى ان " يتبنى قضايا مضبوطة ويخدمها قولا وعملا ويتعرض الى جميع العواقب فى سبيلها . " ( ص 200 )
هذا دوره عامة ولكن دوره فى الدول المتخلفة او السائرة فى طريق النمو اوكد واخطر فواجب الذين ينتسبون الى الثقافة فى هذه البلاد " ان ينيروا السبيل امام الشعب ويساهموا فى توعيته وان يوضحوا بالخصوص مفاهيم الديمقراطية ويضبطوا اركانها وشروطها حتى تتحقق كاملة صحيحة سالمة من النقائص والعيوب فيعرف الجميع حقوقهم وواجباتهم ونوفق كلنا الى التأليف بين الحرية والنظام فى كنف العدالة "
وواضح جدا ان من اقرب المثقفين الى تأدية هذه الرسالة والقيام بهذا الدور هو الصحافى فهو متفرغ لذلك واتصاله بالشعب اشد ونشر أفكاره بينهم أيسر فما هو رأى الاستاذ مزالى فى الصحافة وما هو موقفه من الصحافى ؟
ان ما يلاحظ عموما هو صعوبة العمل الصحفى فى كل بلاد وفي البلدان المتخلفة خصوصا وذلك لاسباب كثيرة متشابكة بعضها خارجى وبعضها داخلى بعضها يعود الى الظروف التى يعيش فيها الصحفى وبعضها يعود الى " الظروف "
التى تعيش فيه . من الاولى الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية للسلط الحاكمة وللمجتمع الذى ينتسب اليه ومنها التبعية المالية للصحف الى بعض المؤسسات أو الاحزاب ومن الثانية ( أى الداخلية ) ما يعانيه كثير من الصحفيين من عقد النفس وضيق مجال الفكر وانقياد للهوى
لذلك نراهم كثيرا ما ينساقون نحو السهولة اما بان يجاروا التيارات ويصفقوا لها بالفاظ كثيرا ما تفقد - للمبالغة فى ترديدها - مدلولها الصحيح او ان يتخمروا ويجردوا اقلامهم ليخوضوا معارك او نوبات التهريج والاحتجاجات والهجومات الشخصية والسباب وان يتعمدوا الاثارة والديماغوجية لان بعض الناس يرغبون بطبيعة الحال في قراءة هذه المقالات . " ( ص 79 )
تلك هي المزالق التى كثيرا ما يرتد فيها الصحافى فاذا به يفعل عكس ما من أجله وجد ويصل الى عكس ما أراد هو نفسه ( أحيانا ) ان يصل اليه
لذا يجب معالجة الامر بالتخلص شيئا فشيئا من ضغط الظروف الخارجية وبالعمل على توسيع الافق الداخلى لرجل الصحافة وتنقيته من الشوائب المختلفة حتى يدرك كل شخص سواء صاحب السلطة او الصحافى او القارىء العادي ان الصحافى " عقل يقظ وضمير حى ملاحظ منتقد ومشاهد موقظ للهمم او لا يكون . " ( ص 84 )
وانه حينئذ وقبل كل شئ مواطن صالح وانسان شريف له من الثقافة والاخلاق ما يجعله يقوم برسالة واسعة الابعاد نيلة المقاصد عزيزة المنال هى خدمة الوطن الذى ينتسب اليه وخدمة الانسانية التى ليس وطنه الا رافدا من روافدها . " ( ص 81 )
ذلك هو الصحافى ودوره فى المجتمع والحياة وهو أمر متفق عليه عادة وان اختلف بعض الناس فى بعض جزئياته ولكن الذي اختلف الناس في تعريفه وتحديد دوره من المثقفين وقالوا فيه واطالوا هو الاديب .
فمنذ القديم الى اليوم بل الى الغد والناس يختلفون في تحديدهم للادب وضبطهم لرسالة الاديب فكم من اديب اجبر على ان يكون غير الذى أراد لنفسه ان يكون وكم من اديب جلد او احرقت مؤلفاته او احرق هو وهى او اتهم بتهمة فاذا براسه يتدحرج على النطع وكم من اديب يحشر في مستشفى الامراض
العقلية او يفر إلى " الغربة الكبرى " فى وطنه او ينتحر او ينفى عن وطنه ويحرم من جميع الحقوق المدنية . .
كل ذلك ليس سوى نتيجة لاختلاف النظرة الى كنه الادب وحقيقة الاديب وجوهر رسالته .
فما هو موقف الاستاذ محمد مزالى من هذه القضية ؟ ان نظرة فى الادب القديم خاصة تبين ان الادب كثيرا ما اعتبره القوم ترفا و لهوا وعملا هامشيا اى صناعة زائفة وكان الادباء عامة " منهم من يكتب رهبة ناديهم ادب العبيد ومنهم من يكتب رغبة وادبهم ادب التجار وصنف ثالث مكتب شعورا بحاجة ملحة وتعبيرا عن تجربة صادقة فادبهم هو الادب الحق . . ادب الاحرار . " ( ص 101 )
وان نظرة فى الادب الحديث تبين ان بعض الناس لا يزالون على ما كان عليه الاجداد من اعتقاد وان البعض الاخر قد انساق نحو بعض الحجارة البراقة بتمسح عليها مسبحا بحمد الحضارة الجديدة حضارة " الكبار " حضارة الدول " المتقدمة " شرقا وغربا .
من هذه الحجارة حجرة " الادب الملزم " وهى شرقية ( لا مشرقيه ) وهى رمز اولئك الذين يعتبرون " الاديب مجرد اداة او آلة فوتوغرافية او بوقا صدئا يردد الاصداء وبموجب ذلك ظهرت مدارس لتقييم الادب يحسب خدمته او عدم خدمته للشعب " .
" وهذه المدارس - كما يقول الاستاذ مزالى - قد افلست اليوم افلاسا مريعا لا فقط لان الادب فى هذه الاماكن ذوى وتقلص ظله بل لان القوم فى هذه البلدان نفسها غيروا مواقفهم واصبحوا اشد الناس انتقادا لما آمنوا به وتفصيا مما كانوا يقدسونه بالامس " ( ص 103 )
لماذا ذلك ؟ ! لانهم نسوا شيئا هاما لا يمكن ان يستغنى عنه الاديب وهو الحرية .
" الواقع ان الادب مشروط بحرية الاديب ولا يستطيع الناس تقييده بدعوى تقييمه ولا الحكم له او عليه انطلاقا من افكار جاهزة او احكام مسبقة . "
اما الحجرة البراقة الثانية ولعلها اكثر بريقا من السابقة واكثر انصارا وعبادا فهي حجرة الادب " الثورى " وهى لا شرقية ولا غربية وانما سماوية اصبح فى كل بلاد منها خيط او شعاع يربط بين مجموعة من الفتيان او المتفتين الذين تحركهم الكلمات الرنانة المركزة خواتمها على الحروف الياء والياء والتاء من ديمقراطية وثورية وانتهازية وبرجوازية وبروليتارية وما لف لفها
والثورة عند اصحاب هذه المدرسة هي كما يقول صاحب كتاب " مواقف " موقف يروم تغيير الواقع بتغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية وذلك بالرجوع الى قيم سامية فى الحياة وأهداف عليا تتصور من العدالة الاجتماعية والحرية والتآلف والتعايش تصورا ما . "
وقد يكون هذا الموقف نبيلا وقد لا يكون وهو فى الحالين ليس من مشمولات الادب وان كان من الممكن ان تكون له علاقة بالاديب فالاديب نفسه " قد يرى من واجبه ان ياخذ البندقية او المطرقة ويضم جهوده الى جهود المناضلين والكادحين لكنه يفعل ذلك بوصفه مواطنا له فى المجتمع حقوق يمارسها وواجبات يضطلع بها لا من حيث هو اديب . " ( ص 104 )
فمن هو الاديب الحق اذن ؟ يجيب الاستاذ مزالى فيقول " ان الاديب - فى اعتقادى - يتبنى الكون ويتعاطف معه ويتشربه ويتطلع الى ما فيه جمالا وقبحا خيرا وشرا حقا وزيفا عدلا وجورا واقعا وسرابا يقينا ووهما عظمة وحقارة فتدوى به نفسه ثم اذا هو يعبر عن ذلك تعبيرا ذاتيا مصطبغا بروحه وبشعوره ونظرته للحياة . "
ولكن ليس معنى ذلك ان الاديب ملك زمانه لا يسال عما يفعل ولا يلتزم شروطا معينة بل الاديب الحق ينبغى ان تتوفر فيه شروط " واول ما يشترط فيه هو ان يكون صادقا ذاتيا وان يعبر تعبيرا فنيا طريفا موحيا كى يستطيع ان يهزنا هزا ويبعدنا عن واقعنا ويخلصنا من جاذبية منزلتنا الارضية ويحلق بنا فى فضاء خياله ويأخذنا بشذى نفحاته . "
اذن فاول الشروط الصدق فى الرؤية والاستيحاء والتجربة والاسلوب واذا التزم الاديب ذلك فلا يمكن ان يخرج من جلده او يصبح خارج زمانه ومكانه وعند ذلك سيدفع طبيعيا الى توسيع ثقافته وتعميق حساسيته فى فحص الامور بعين ثاقبة وبصيرة ذكية وتقوية قدرته على الغوص فى الواقع
وعلى ممارسته البشر كل ذلك فى تماسك مع الماضى والتصاق بالحاضر ورنو للمستقبل وهكذا يجد الاديب نفسه ملتزما دون ان يلزمه احد ويجد نفسه مسؤولا دون ان يكلفه ذلك احد وهكذا يصنع لنفسه من الحرية شعاعا يحدد اتجاهه لا نورا ساطعا يذهب ببصره او نارا مضطرمة تذهب به ، وباحلامه
والاديب المسؤول الملتزم بطبعه هو الاديب الاصيل والاديب الثورى الحق الذي يثور ليبنى لا ليخرب وليخاطب العقول ويتحاور مع العواطف لا ليهيج هذه ويطمس ذاك والذى يستطيع عند ذلك ان يتخذ موقفا من دون مواربة وفى غير التواء وفى شجاعة واباء وان يابى ان يعوى مع العاوين او يهتف مع الهاتفين او يصمت مع الصامتين ويستطيع " ان يعبر عن ذلك باسلوب هو حر فى اختياره لانه صنو له وشاهد عليه ولكنه الى جانب ذلك يقول ما يقول ويكتب ما يكتب لانه يسعى الى أن يدرك القراء والناس عامة هذا المعنى الذى اكسبه حياته بل نمط الحياة الذي يقترحه ويتحمل تبعاته ويسعى الى ان يدركوا ما بينه وبين أقواله وكتاباته من تآلف وانسجام ووحدة وتماسك . " ( ص 11 )
هذه هي مواقف الاستاذ مزالى من الاديب الحق وتلك هي مواقفه من المثقف الاصيل كما تجلت في هذا الكتاب واننا لنجد لها صدى فى بقية ما الف من كتب ومن مقالات ونجدها ممثلة احسن تمثيل فى مجلته الفكر فى افتتاحياتها وما تنشره من انتاج وفي مغامرة بروزها ورحلتها منذ خمس قرون .

