ان زيارتى للمملكة العربية السعودية فى ربيع ١٣٩٠ ه . اوحت لى اضافة عدة ابحاث لكتابى عن المثل الاعلى للحضارة العربية ( دار الكاتب العربى بيروت - بغداد ١٩٦٤ ) . ولعل من اهم الابحاث التى يلزم اضافتها (( المثل الاعلى فى الأمان )) الذى شاهدته فى تلك المملكة .
كان الحجاج فيما مضى عرضة للسلب والنهب والتقتيل ، نظرا لعدم استتباب الأمن قبل الحكم السعودى فى الحجاز والجزيرة العربية ، وكان يرافق المحمل فرقة عسكرية مسلحة لترد غائلة المعتدين من القبائل ، وكان الحج فيما سبق محفوفا دوما بالأخطار . . من أجل ذلك كانت تقام الحفلات الرائعة لمن يعود سالما ، لان كثيرا منهم يكونون عرضة للاعتداءات ، عدا الاوبئة الفتاكة من جراء الاهمال الصحى .
مشاهدات الامير شكب أرسلان جاء في الكتاب الذى ألفه الامير شكيب أرسلان بعنوان (( الارتسامات اللطاف فى خاطر الحاج الى أقدس مطاف )) وهى الرحلة
الحجازية للامير المذكور : (١)
(( كنت صاعدا مرة من مكة الى الطائف وكانت معى عباءة احسائية سوداء جعلتها وراء ظهرى فى السيارة فيظهر انها سقطت من السيارة فى ارض لقيم ، ولم ننتبه لها ،
فأخذ الناس يمرون فيرون هذه العباءة ملقاة على قارعة الطريق فلا يجرأ أحد أن يمسها ، بل شرعت القوافل تتنكب عن الطريق عمدا حتى لا تمس العباءة خشية انه اذا اصاب هذه حادث يكون من مر من هناك مسؤولا ،
فكانت هذه العباءة على الطريق اشبه بافعى يفر الناس منها ، بل لو كانت ثمة افعى ما تجنبوها هذا التجنب كله ؟ وأخيرا وصل خبرها الى امير الطائف محمد بن عبد العزيز من سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فأرسل سيارة كهربائية من الطائف أتت بها وأخذ بالتحقيق عن صاحبها فقيل له اننا نحن مررنا من هناك وان الارجح كونها سقطت من سيارتنا ، فجاء الأمير ثانى يوم يزورنا وسألنا : هل فقد لكم شئ من حوائجكم فى اثناء مجيئكم من مكة ؟ فأهبت برفاقى ليفتقدوا الحوائج فافتقدوها فاذا بالعباءة السوداء مفقودة ، وكنا لم ننتبه لفقدانها ، فقلنا له : عباءة سوداء احسائية ، قال : هى عندنا وقص علينا خبرها . ))
وقد أتى الأمير على هذه النادرة هنا مثلا من أمثال لا تعد ولا تحصى من الأمن الشامل للقليل والكثير لم تتحدث عن مثله التواريخ حتى اليوم . فالمكان الذى سقطت فيه العباءة كان فى الماضى كثيرا ما تقع فيه وقائع السلب والقتل ولا يمر الناس فيه الا
مسلحين ، فأصبح اذا وجدت لقطة هناك على قارعة الطريق تجنب الناس الطريق لئلا يتهموا به . ومما يقوله :
(( وانك لتجد هذا الأمن ممدود الرواق على جميع البلدان التى ارتفعت فيها الراية السعودية . . قلت ايا كان السبب فى هذا الامان فانه نعم العمل ولا يوجد معنى للحكومة ان لم تكن أول ثمراتها الامن والعدل ، ولو لم يكن من مآثر الحكم السعودى سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الارواح والاموال ، التى جعلت صحارى الحجاز وفيافى نجد آمن من شوارع الحواضر الاوروبية ، لكان ذلك كافيا فى استجلاب القلوب اليه واستنطاق الالسن فى الثناء عليه . . وانما نرجو لهذه النعمة الدوام ، فلا عمران للبلاد الا بالامان والاطمئنان )) . . هذا مما قرأته فى هذا الكتاب قبل أربعين سنة .
حدثنى أيضا المرحوم الحاج محمد عبد النافع الجلبى أمام جماعة المسلمين فى برلين قبل خمس واربعين سنة ، عن ذلك الأمن الشامل أثناء ادائه فريضة الحج وهو احد المهتدين للاسلام من الالمان والذى دهش من ذلك الامن الشامل . . اذن يكون ذلك منذ الحكم السعودى .
ومما يقوله الامير شكيب أرسلان أيضا :
(( ولقد شافهنا هناك الاهالى فى الفرق بين حالتهم الحاضرة وحالتهم الماضية ، فاجمعوا على ان نعمة الامن التى هم متمتعون بها الآن لم يعرفوا شيئا منها من قبل لا هم
ولا آباؤهم ولا أجدادهم ولا سمعوا بها عن سلفهم . )) وحدثه بعض الاشراف الهاشميين فى مكة أنفسهم بأنهم كانوا فى القرى التى هى حول الطائف يوصدون ابوابهم ليلا ولا يفتحونها لأى طارق خيفة الغيلة وحذرا من اللصوص حتى جاء هذا العهد السعودى فصاروا يبيتون وابوابهم مفتحة ، ويفتحون لأى طارق جاءهم . وحدثه الجميع بأنهم كانوا لا يقدرون على التجوال الا مسلحين ، فأصبح الآن كل انسان يجول فى الحواضر والبوادى اعزل لا يحمل شيئا من السلاح ، وقد يكون حاملا الذهب ولا يخشى عادية ولا حادثة . وذلك بفضل تطبيق الشرع الاسلامى الحنيف (( ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب )) ، وبفضل الوعظ والارشاد .
هذا ما كان يتذكره الناس قبل أكثر من اربعين سنة ، ولكن اليوم ، لا يتذكر الناس ما كان عليه الحال فى الماضى قبل الحكم السعودى اللهم الا بعض الشيوخ الطاعنين فى السن ، وأصبح هذا الأمن الشامل عادة مألوفة وسنة طبعية ، ولا يقع فى المملكة كلها الا بعض حوادث طفيفة اثناء موسم الحج ومن الزوار الغرباء غير السعوديين .
مشاهداتي : لقد شاهدت فى نفسى بعض أمور جديرة بالتدوين اثناء زيارتى لهذه المملكة العربية . لقد صليت فى جدة صلاة الجمعة فى جامع المطار وخلعت نعلى خارج باب الجامع فى الشارع العام الذى يكثر فيه المارون ، ورجعت فوجدته حيث خلعته . وقد كانت معى آلة تصوير ووضعتها امامى أثناء الصلاة وسماع خطبة الجمعة وكنت فى منتصف الصفوف ، وعندما نودى لصلاة
الجماعة تقدمت الى الصفوف الامامية وتركت آلة التصوير ورائى حيث كنت جالسا ، ولما انتهيت من الصلاة رجعت الى المكان الذى تركت فيه آلة التصوير فوجدتها فى محلها لم يزحزحها عن مكانها احد . وقد تكرر معى هذا الحادث أثناء زيارتى لمسجد الرسول ( ص ) فى المدينة المنورة ، وفى المساجد الأثرية التى زرتها فى ضواحى المدينة .
وقد وجدت الناس هناك يضعون بضاعتهم فى قارعة الطريق ويذهبون لشأنهم دون وجود حارس يحرسها .
وفى الفنادق التى كنت فيها فى جدة والرياض والظهران والمدينة المنورة لم يخطر ببالى قفل باب غرفتى فى الفندق ولم ينقصنى شئ أبدا (٢) .
واثناء ادائى العمرة فى مكة المكرمة وطوافي حول الكعبة وسعيى بين الصفا والمروة ، كنت سلمت جواز سفرى ومحفظة نقودى لمرافقي ، سائق السيارة . ولما رجعت من اداء العمرة وجدت السيارة دون سائقها فى المكان الذى تركتها من قبل ، والمحفظة والجواز موجودان فوق المقعدة ، ونافذة السيارة مفتوحة ، يستطيع أى مار فى قارعة الطريق تناولهما . وبعد أن دخلت السيارة وأخذت جواز سفرى وتفقدت نقودى وجدتها كاملة لم ينقص منها شئ .
وفى أثناء السفر فى السيارة من جدة الى
مكة المكرمة والى المدينة المنورة كنت ارى فى بعض الاحيان سيارات محملات بضائع مختلفة دون وجود أى حارس يحرسها .
وفى المدن التى زرتها وجدت كثيرا من البضائع تعرض على الناس وقد يذهب صاحبها لبعض شأنه دون ان يعترضها اى نقصان .
وفى المدينة المنورة شاهدت الصرافين يتركون الصندوق الحديدى المعد لحفظ النقود مفتوحا وعلى بابه خرقة رقيقة فقط ، ويذهب الصراف لبعض شأنه كالصلاة أو تناول الطعام ، دون ان يوصد صندوقه الحديدى ، ويرجع وصندوقه بفضل هذا الأمن الشامل محفوظ من تعديات المعتدين . وهذا الوضع لا مثيل له فى العالم .
حتى عند ترك الصندوق المعد لحفظ النقود مغلقا فى الليل فان السارق يستطيع حمله كله ، ورغم ذلك فيرجع الصراف وصندوقه فى مكانه لم يتزحزح ولم يسط عليه أى معتد .
شاهدت كثيرا من الأجانب فى الفنادق
من مختلف الامم ، فكانوا يلهجون بهذا الأمن الذى لا يجدونه فى أوطانهم .
وفى صيف هذا العام كنت فى بيروت وتقابلت مع المستشرق السويدى كريستوفر تول من جامعة اوبسالا فى ستوكهولم ، وقد زار جدة والرياض وتعرف على جامعتيهما ، ولقد قام على تحقيق ونشر كتاب الجوهرتين للهمدانى ( صاحب كتاب الاكليل وصفة جزيرة العرب ) . وتحادثت معه عن الأمن فى هذه المملكة فأظهر أيضا اعجابه ودهشته ، ولما سألته هل ان الأمن فى السويد بدرجة ما هو فى المملكة العربية السعودية ، مع اننا نعلم ان السويد قد ضرب الرقم القياسى بالأمان - أجابنى بالحرف الواحد : (( لم تصل السويد الى درجة الامان الذى شاهده فى المملكة العربية السعودية . ))
هذا ما أردت بيانه على صفحات مجلة (( المنهل )) الغراء راجيا اذاعة هذه الحقيقة الملموسة - ولهذه مكانتها فى العالم أجمع - ليعرفها القاصى والدانى ، ولتكون عبرة للمعتبرين .
( حلب ) سورية
