لكل شعب من شعوب الارض مميزات خاصة ولون خاص من الوان الاجتماع ، وبهذه المميزات الظاهر منها والخافى يتميز الشعب عن سواه ويتجلى فى العالم كمجتمع خاص .. وهذه المميزات وهذا اللون الخاص لا تقوم قائمتهما عفوا ، ولا تنشأ رهن الساعة ، وانما هي جماع متسلسل ومترابط من العادات والتقاليد والعوامل الداخلية والخارجية تنشأ ذراتها وتتكون من ذرانها عناصر ومن عناصرها بيئة منفعلة وبيئات طارئة فاعلة وهذه العناصر منها الطيب الجيد الذي ينهض ويصعد ، ومنها الرديئى والضار الذي يقعد ويخفق .. ويتفاعل ذلك كله كما تتفاعل العقاقير في انبيق الكيماوي ينتج المجتمع بسماته وشياته فى عالم الوجود .
والمجتمع المصرى واحد من هذه المجتمعات التى تتكون من كل ذلك وقد كان هذا المجتمع معروفا فيما قبل التاريخ بمدنيته وصلابته وقوة عزيمته على الحروب والانشاء ، وقد حدثنا المؤرخون والأثريون عن جاهليته وعقائده الاولى وحدثنا القرآن العزيز عن بعضها وحدثنا عن مبلغ اعتزاز المجتمع المصرى ومبلغ تفانى المصريين في تقديرها واحتفائهم بمجد مصر . فقال تعالى عن لسان فرعون موسى : (اليس لى ملك مصر وهذه الانهار تجرى من تحتى)
ومن مصر كانت اولى محاولات الصعود الى السماء للاستكشاف على ما رواه القرآن المجيد : (ياهامان ابن لى صرحا لعلى ابلغ الاسباب ، اسباب السماء فاطلع الى آله موسى) .
وفي المجتمع المصرى القديم شيدت الاعمال الانشائية الهائلة كالاهرام وابي الهول . وفي المجتمع المصرى كانت عقيدة الوحدانية لله تعارض بين كل آن وآخر عقيدة الشرك والجاهلية . وفي المجتمع المصرى تولد الطب والسحر والكيمياء والمدنية ، ومنها نشأت فكرة حماية البلاد وبناء مجدها واستعمار غيرها لتامين انتشار سلائل المصريين .
ومن المجتمع المصرى امكن استقرار المدنيات على اساس الاودراع فيها وتكييفها لما تزدرعه ومنه نشات زراعة الحنطة واستعملت طعاما دائما للتمدنين والمجتمع المصرى من يوم عرف ، كان وما زال زاخرا بطاقة معنوية ، سرعان ما يتبلور كل من يستوطن مصر وتكيفه بكيفيتها مهما استطال وتجبر . ولم تذعن مصر فى حياتها الاجتماعية من قلبها وقالبها الا لشيئين متلازمين هما : الدين الاسلامي واللغة العربية اللذان اهداها بفيض من الوحدة والتجانس والحرية فى العمل والقول والعبادة فقد حررت تعاليم الاسلام الوضاءة والمثل العالية التى يحملها الصحابة ، مصر من العبودية والوثنية اللتين كانت تنهال عليها ضرباتهما ، وهي متقلبة على احر من الجمر ...
وكانت كلمة عمر بن الخطاب : "متى استعبدتم الناس وقد ولداتهم امهاتهم احرارا" خير دستور اثر على كيان المجتمع المصرى وعرفه قدر نفسه بعد النكبات التى احدقت به من اليونانيين تحاول تمزيق كيانه . وقد عرف المجتمع المصرى من قديم بالفرح والسرور من مواطن الجمال وحب النكتة . ومن آثار المجتمع المصرى انه بالرغم من الفوارق العنصرية بين طبقتيه الاسلامية والقبطية فانهما فى الملمات شيئ واحد ، وبنيان مرصوص لا يخترق سوره شيئى وقد برز هذا الانسجام إبان الثورة المصرية عام ١٩١٩ م فقد مشى المصريون عن بكرة ابيهم فى ركاب الزعماء المصريين لا فرق بين قبطى ومسلم .
وقد اوجد هذا الانسجام فيما ارى شيئان أولهما تمكن تعاليم الاسلام السامية فى نفوس المصريين قاطبة . فمن كان مسلما فبحكم عقيدته ومن كان قبطيا فبحكم بيئته . وقد رسخ هذه البيئة تعاطف الجانبين فيما بينهما فى ظلال التاريخ واحساسهما القوى بانهما شعب واحد وقبيل واحد ومجتمع واحد وشعور القبطيين بعطف الاسلام عليهم منذ عصر النبى عليه السلام حيث اوصى اصحابه بهم خيرا فقال : "ان لهم نسبا وصهرا" فالاقباط يعرفون هذا النسب وهذا الصهر ويحتفظون بهما ، ان هاجر جدة الرسول الكريم هي منهم ، و"مارية القبطية" ام نجله ابراهيم هي منهم وهذا هو النسب وهذا هو الصهر : ولم يكن الصحابة الا متثلين امر الرسول عليه السلام فيهم ، وقد ضرب عمر بن الخطاب لهم مثلا سويا
متمشيا على الطريق التى رسمها الرسول حينما قال فى حادث ضرب ابن عمرو بن العاص للقبطى لما سابقه وسبقه : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ؟!) وقد تجاوز ارتباط العرب والمصريين آفاق التاريخ المعروف فحدثنا التاريخ الخبرى وايده التاريخ الاثرى ان من ماوكها من هم عرب من الجزيرة وان من ملوك بلاد العرب من هم مصريون، ومن آثار قوة الروح المعنوية فى المجتمع المصرى بعد الاسلام ان حمى ظهره وحرس قلبه فى معركتين حاسمتين .
احداهما معركة الصليبين حينما انهال الغرب على الشرق فى العصور الوسطى ليلتهمه ولينشر المسيحية فى ربوع الأسلام . قد أضحت مصر سدا منيعا وحاجزا حصينا دون ذلك الى أن استطاعت آخر الامران تلقي بالغزاة المحتلين لفلسطين قلب العروبة ، الى عرض البحر ، وان تردهم خاسئين الى بلادهم، وان تأسر مليك فرنسا وتضعه فى القيود بالمنصورة فى دار ابن لقمان، وقد سجل الشاعر ابن مطروح هذه المفخرة الخالدة فى ابيات له مشهورة منها :
قل للفرنسيس إذا جئته مقال صدق من قؤول نصوح
دار "ابن لقمان" على حالها والقيد باق والطواش "صبيح"
والمعركة الثانية حينما توغل غزاة التتر الهمج فى بلاد الاسلام ودمروا بغداد الزاهرة وكادوا يقضون على الاسلام فى عقر دياره وقف المجتمع المصرى وقفته الخالدة امام هذا الوحش الكاسر الطاغي ، فقد صوب اليه ضربة فى الصميم سرعان ما اوردته موارد الاندحار ، ووقى الله الاسلام بذلك من الانهيار .
واليوم تحاول مصر ان تحل نفسها من القيودوا ذا وفقها الله الى النجاح المنشود فستكون هذه هى المرة الثالثة التى يصارع فيها المجتمع المصرى عادية الاحتلال الاوربى ليذوده عن بلاد الاسلام والعروبة ذلك الاحتلال الذى هو فى حقيقة امره امتداد للاحتلال الصليبي . وعسى الله ان يوفق مصر والعرب والاسلام الى ما يصبون اليه من النجاح ليعيدوا التوازن الى العالم المرتجف المضطرب . وليحققوا قول الله تعالى فيهم : "وكذلك جعلنا كم أمة وسطا لتكونوا اشهداء على الناس"
