تتكون المجتمعات من طبقات سكان البلاد القدماء والطارئين عليهم من مختلف الاجناس والملل ، باسباب مختلفة منها الفتوحات ومنها الهجرات ومنها الاحتلالات ومنها الاتصال التجارى والديني والعلمى والسياسي والثقافى والصناعى فاذا اجتمعت هذه العناصر المتباينة او المتجانسة فى صعيد واحد تفاعلوا فيما بينهم بحكم الروابط المختلفة وبحكم التزاوج والتمازج كما تتفاعل العقاقير تصب فى قارورة واحدة . فاى العناصر اقوى عرقا واكثر حيوية وانشط خلايا واكبر استعدادا للبقاء وللسيادة - كانت له السيادة والقيادة وعلو الشان فى هذا الوطن ، هذا فى مبادئ الامر ثم يكون امتزاج ثان وثالث ورابع وهكذا حتى تذوب العناصر كلها فى بوتقة الوطن الواحد . فاذا بالسيد مسود واذا بالمسود سيد نتيجة تقلبات الاوضاع وتغير الزمان وتبدل الاتجاهات .
واذا نظرنا إلى مجتمع مصر الحاضر على ضوء من هذه النظرية فاننا نجده قد بدأ فى التفاعل الوطني الحديث حوالى الذى بدأ فيه التفاعل الوطني فى امريكا ففي الوقت الذى كان فيه ابراهيم لنكولن، وفى الوقت الذى كان فيه جورج
واشنجطن يسعيان السعى الحيثث لرفع نير الاستعمار الاوربى عامة والانكليزى خاصة عن بلادهما التى بدأت تشعر بضرورة التحرر والاستقلال بشؤونها ، وتشعر بالكيان المتحد - كان محمد على باشا وخلفاؤه بسعون لايجاد كيان مصرى متحد يسوده بيت محمد على باشا وقد كانت اهداف الفريقين لا تخلو من وجوه خلاف فى الاسس وفي الفروع وفى الاهداف وليس هذا محل تفصيل ذلك امما المهم ان نسجل انه من قبل نحو مائه عام كان الشعب المصرى شعبا مزيجا فى الاصل من مصريين اقباط ومن مصريين من سلائل العرب الفاتحين ومن شعوب اسلامية اخرى انصهر اغلبها فى بوتقة العنصرية المصرية . وكان اكبر هذه الجاليات واعلاها شانا تتمثل اذ ذاك فى الجالية التركية وكان يمثل قوة هذه الجالية وعنفوانها الحكام المماليك والولاة الاتراك . وقد كانت هذه الجاليات شان غيرها فى تفاعل مستمر بحكم اتحاد الموطن وتشابك المصالح وبحكم الاصهار والعلاقات الدينية والاوضاع السياسية والاقتصادية ، وقد مضت الجالية التركية فى عنفوانها وفي شمول قوتها منذ وضع اسلافها اقدامهم بوادى النيل ، منذ اواخر العصر الذهى للاسلام ، فكان اثرهم الاجتماعي بارزا فى الحياة المصرية الاجتماعية لا فى العهود السابقة بل وحتى فى العصر الحاضر بحيث لا تزال للأسر التركية تقاليدها المتبعة التى اكتسبتها من طول مراس الحكم فى البلاد ، ومن طول تولى زمام التوجيه فيها ، وكم تسمع الى جانب اسماء : "عمر وهيكل ومحمد على" اسماء اخرى هى: "شكري ورفعت وحمدى ونشات ووهبي وما اشبه من اسماء الرجال والقابهم التى هى اسماء والقاب تركية الاستعمال والمنابت وان كانت عربية الاصول والألفاظ . كما تسمع الى جانب اسماء "زينب وخديجة واسماء وفاطمة" اسماء " عفت هانم والفت هانم" وغيرها من اسماء النساء التى تدل على اصل تركى وتنبئ على سيادة الوضع التركى فيمن تسمين بها . وجاء دخيل جديد من الغرب فى القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين ، وقد اثر هذا الدخيل ايضا فى المجتمع المصرى وحاول ان يفوق تاثيره كل ما سبقه وان يعمق الى الجذور وان يسمق الى الفروع حتى يضمن لذويه ولنفسه البقاء والخلود وقد صدق الشاعر حينما قال : "وتقدرون فتضحك الاقدار".
فمنذ احتل الفرنسيون ارض مصر فى عهد نابليون احتلت معهم ارضها تقاليدهم وحاولوا بكل ما اوتوا من حول وحيل ان يؤصلوها فى المجتمع المصرى تمهيدا لفرنسته تدريجيا وقد اثرت سياستهم التعليمية فى الطبقات المثقفة خاصة فنشات بيوت جديدة فى مصر تعتز بحذاقتها فى استيعاب التقاليد الفرنسية وسادت عبارات فرنسية فى اللغة المصرية العامية، فانت لا تزال تسمع عبارات مثل (بوبجور ، وبونسوار ، ومرسى) فى هذه الطبقات بمصر ، ولاك القوم الفرنسية وحاولوا احلالها محل العربية واتبعوا ماراق لهم من الاوضاع الاجتماعية الفرنسية ودعمت ذلك المدارس التبشيرية وغير التبشيرية التى شادتها فرنسا فى ارض الكنانة استهواء للقوم وسيرا بهم الى هاوبة الدمار الخلقى والاجتماعي .
وقد نشأ مفكرون مصريون لا يزال لهم صيتهم المدوى على مقتضى التفكير الفرنسى فى مناهج حياتهم وحياة ابناء وطنهم . ثم جاء دخيل ثان فحاول قلب ظهر المجن على الفرنسيين فى مصر ، وهذا الدخيل هم الانجليز الذين جاؤوا من نهر التامين بتقاليدهم وتعليمهم واسمائهم ومسمياتهم وبلغتهمها ايضا . وقد هيأ لهم سلطان الاحتلال ان يؤثروا على كثير من الافكار كذلك وان يقلبوا بعض كيان المجتمع المصرى العربى وبذروا بذورا غيرت من اتجاه هذا المجتمع فى دخائله بعض الشئ فكل مايجئ من بريطانيا مستحسن ومقبول .
وقد وفق الله المجتمع المصرى فانطلق اخيرا من هذا كله فاذا بمصر ترجع الى نفسها واذا بها تنبذ تراث هؤلاء الدخلاء وقد عنيت بالمظهر الخارجي قبل كل شئ فظهرت "اللافتات" خلوا من العبارات الغربية واستبدلت بها حروفا والفاظا عربية وامرت بان يكون التخاطب باللغة العربية وهكذا مضت الهزات التى مرت بمصر فى اوائل العصر الحديث الى غير رجعة ان شاء الله .
