الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

المجد عند المتنبي

Share

هذا الموضوع الذي اغامر فى الكتابة فيه موضوع طريف جدير بالبحث والتمحيص . ويستلزم استعراض البيئة التى انتجت شاعرنا الكبير ابا الطيب المتنبي ، حتى صار طموحا الى نيل المجد الذي يرى انه هو المجد ، وحتى صار لا يداهيه شاعر عربى منذ برع فى الشعر حتى اليوم فى معانيه السامية وقصائده الرنانة التى سارت مسير الشمس ، ووصلت على السنة الرواة الى اقاصى المعمورة حتى قال عن نفسه :

انا الذي نظر الاعمى الى ادبى                    وأسمعت كلماتى من به صمم

انام ملء جفوني عن شواردها                      ويسهر الخلق جراها ويختصم

وحتى قال عن قصائده :

وعندي لك الشرد السائرا                           ت لا يختصصن من الأرض دارا

قواف إذا سرن عن مقولى                            وثبن الجبال وخضن البحارا

ولد المتنبى فى اوائل القرن الرابع الهجرى ، ذلك القرن الذي كثر فيه الخارجون على الخليفة العباسى وكثر فيه الملوك . ودب فيه الخلاف وسادت الفوضى بين المسلمين . نشأ وترعرع على درس الآداب والسبق فى ميدانها . فكان يرجى له مستقبل زاهر إذا واصل قرض الشعر . فكان بالطبع وبحكم صناعته يحتك بالناس ، بمدح هذا ويرحل الى ذاك ؛ حتى عرف البيئة التى عاش فيها حق المعرفة ، فكان لا يدخل بلادا الا ويرى ملوكا قد نالوا الملك بالقوة والخروج على السلطان فتطلعت نفسه وهو العربى الصميم الى ان يكون ملكا كبيرا ، بقتل اولئك الملوك ويجمع الناس تحت رايته فحاول محاولته الفعلية

الأولى فلم يفلح . فأزمع ان ينال المجد بطريق اخرى ، هي طريق السياسة والمداورة والاتصال بالملوك والحظوة لديهم عن طريق امارة الشعر وزعامة البيان .

فما هو مظهر هذا الطريق الجديد ؟ ! من مظاهره اعلانه عن نفسه بانه ركاب للفلوات والأهوال قال :

شيم الليالي ان تشكك ناقتى              صدري بها افضى ام البيداء

وان يعاقر المنايا ويقود الخيل ويحمل القنا ويسفك دم الحواضر والبوادي قال :

افكر فى معاقرة المنايا              وقود الخيل مجنبة الهوادي

زعم للقنا الخطى عزمي            بسفك دم الحواضر والبوادي

وان يقول الشعر الرائع : ويجمع المال ليصرفه على اعوانه عند اللزوم وقال :

اقل فعالى بله اكثره مجد             وذا الجد فيه نلت ام لم انل جد

وقال :

لا يدرك المجد الا سيد قطن           لما يشق على السادات فعال

لا وارث جهلت يمناه ما وهبت        ، ولا كسوب بغير السيف فعال

وان يطلب الملك بالسيف قال :

ومن يبغ ما ابغي من المجد والعلا               تساوى المحابى عندة والمقاتل

الا ليست الحاجات الا نفوسكم               وليس لنا الا السيوف وسائل

وقال :

أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه؟!                        وأترك الغيث فى غمدي وانتجع ؟ !

والمشرفية لا زالت مشرفة                              دواء كل كريم او هى الوجع!!

ومن مظاهر طريقه السياسية فى نيل المجد اعلانه ان المجد انما يكون بالفتك فى الخليفة ويتضرب اعناق الملوك وان ترى له الاغبرة السوداء والعسكر الضخم ، وان يترك بالحرب وكثرة المغامرت دويا فى الدنيا فتضيق آفقها بهذا الدوي كما تضيق نفس الانسان عند الضجيج الهائل فيسد اذنيه بكل انامله قال :

ولا تحسبن المجد زقا وفينة                فما المجد الا السيف والفتكة البكر

وتضريب اعناق الملوك وان ترى        لث الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويا كانما .             تداول سمع المرء أنملة العشر

لعلك قد ادركت مما سبق ايراده ان المجد الحقيقي عند المتنبي هو نيل الملك والولاية . ومن ثم رأيناه لا يمدح ملكا الا اشاد بنفسه وغنى بشاعريته الفذة وشجاعته وعبقريته ليتدرج من ذلك الى افهامهم قدره ونبله ، ومن هذا الفهم يرشحونه لمنصب الولايه لكفاءته وجدارته قال :

صفت السوار لاى كف بشرت                     بابن العميد واي عبد كبرا

ان لم تغثنى خيله وسلاحه                          فمتى اقود الى الاعادى عسكرا ؟!

وقال :

ابا المسك هل فى الكأس فضل اناله           فاني اغنى منذ حين وتشرب

وهبت على مقدار كفى زماننا                   ونفسي على مقدار كفيك تطلب

اذا لم تنط بى ضيعة او ولاية                    فجودك يكسوني وشغلك يسلب

واقحامه الضيعة هنا سياسة ماكرة فليست الضيعة شغل فكره الشاغل ، وانما هو الولاية والامارة ! ولما لم تجد المتنبي عند هؤلاء السلاطين المتغلبين حيلة الشعرية : إذ قد خافوا من سطوته لطموحه وبعد همته واصالة نسبه ولفصاحته وقوة عزيمته راح يهددهم بقوله :

سأطلب حقى بالقنا ومشائخ              كانهم من طول ما التثموا فرد

وقوله :

اذا قني زمني بلوى شرقت بها                   لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا

وان عمرت جعلت الحرب والدة                والسمهري أخا والمشرفي أبا

بكر اشعث يلقى الموت مبتسما                 حتى كأن له فى قتله اربا

قح يكاد صهيل الخيل يقذفه           عن سرجه مرحا بالغرو أو طربا

فالموت اعذر لي والصبر اجمل بي       والبر أوسع والدنيا لمن غلبا

وبعد فلله در شاعر شب على صدق العزيمة وفصاحة القول ، والصبر على الاهوال فى سبيل تحصيل المجد فى تلك الامبراطورية الاسلامية ولله در فتى صهره ركوب الاهوال فصار فيلسوفا مجربا ينطق بالحكمة العالية . ولله در شاعر سما بالشعر العربي الى اوج رفيع فترك للعربية ذخرا عظيما من المعاني والحكم والامثال التى استخرجها من مناجم التجربة ومن اقتباسه من القرآن الحكيم واقوال العلماء والأدباء والحكماء والزعماء  

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية